مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واتباع بعض الدول، مثل الولايات المتحدة، سياسات اقتصادية وتجارية غير تقليدية، شهدت أسعار الذهب العالمي، تحرُّكات حادة أثارت اهتمام الأسواق المالية. ومع زيادة مخاوف الدول والبنوك المركزية من حالة عدم اليقين، تزايدت مشتريات الذهب بشكل ملحوظ، مما يعكس حالة القلق التي تسيطر على الاقتصاد العالمي.
العوامل المؤثرة في ارتفاع أسعار الذهب
من جانبه، يقول الدكتور رمزي الجرم الخبير الاقتصادي: “لا شكَّ أنَّ أسعار الذهب تأثرّت بشكل كبير بالأزمات المالية والتوترات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، مما جعل هذا المعدن النفيس الملاذ الآمن في ظل الأزمات المالية المتتالية والمتصاعدة على الصعيدين العالمي والمحلي، إلّا أنَّ قرارات الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية، والمتعلقة برفع التعريفة الجمركية على الصين بواقع 10٪ قابلة للارتفاع، وعلى دول أخرى، والتي تم إرجاؤها بشكل مؤقت، دفعت البنوك والمستثمرين الدوليين نحو التحوُّط بشراء كميات كبيرة من الذهب، مما أدى إلى ارتفاع الطلب الكلي عليه، وبالتالي ارتفاع أسعاره، في ظل عدم طرح كميات جديدة من الذهب في الأسواق لتواكب الزيادة المضطردة في جانب الطلب.
وأضاف الخبير في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أنّ الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة تسعى إلى تخفيض الفائدة الأمريكية من خلال قرارات إدارية بعيدة عن الأساليب الفنية المتبعة من قِبل بنك الاحتياطي الفيدرالي، وذلك هدف تخفيض قيمة الدولار وزيادة الصادرات الأمريكية أمام الأسواق العالمية. وعلى خلفية العلاقة العكسية بين الذهب والدولار الأمريكي، فإنَّ انخفاض الدولار يؤدي إلى زيادة أسعار الذهب، مع افتراض بقاء العوامل الأخرى دون تغيير”.
تداعيات السياسات الأمريكية على الدولار والذهب
“ربما كانت الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى معالجة أزمة سقف الدين الأمريكي، الذي تجاوز حاجز 36 تريليون دولار أمريكي، من خلال طباعة كميات كبيرة من الدولارات الجديدة لسداد جزء من الدين الخارجي، وفقًا لتصريحات سابقة، وذلك بهدف تخفيض حجم الدين الخارجي، خصوصًا للدول الدائنة مثل الصين واليابان وكندا والسعودية، فضلًا عن تخفيض خدمة الدين بشكل كبير، مما يسهم في تقليل عجز الموازنة العامة، إلَّا أنَّ هذا التوجُّه، إذا حدث، سيُفرز العديد من المخاوف بشأن انخفاض قيمة الدولار الأمريكي بشكل كبير، نتيجةً لفقد المال القديم المتداول جزءًا كبيرًا من قيمته بسبب إصدار مال جديد من العدم”، بحسب الجرم.
واستطرد الجرم: “هذا دفع العديد من البنوك المركزية حول العالم إلى استبدال جزء كبير من احتياطياتها من الدولار بالذهب، الأمر الذي قد يُفقد الدولار الأمريكي الثقة الدولية التي تعتمد قوته على حجم الطلب عليه، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الذهب على حساب انخفاض قيمة الدولار الأمريكي في الأسواق العالمية”.
ثُمّ اختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “التوتر الحادث بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية تصريحات ساخرة من أعلى مستوى سياسي في السياسة الأمريكية، ربما يدفع الأمور نحو احتمالية إيقاف أو تعطيل اتفاقية البترودولار بين أمريكا والسعودية، أو على الأقل سعي المملكة العربية السعودية إلى تفعيل طلب انضمامها لتجمُّع بريكس، وهو ما سيكون له تداعيات سلبية على العملة الخضراء بشكل كبير”.
“وهذا التوجه قد يدفع الأفراد والكيانات الاقتصادية، بل وحتى البنوك المركزية حول العالم، إلى زيادة الطلب على الذهب على حساب الدولار، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة خلال الفترة القليلة القادمة، وفقًا للجرم.
تأثير السياسات العالمية على أسعار الذهب
ومن جهته يقول الدكتور أحمد معطي الخبير الاقتصادي: “في الفترة الأخيرة، شهدنا تقلُّبات حادّة في أسعار الذهب، وذلك بسبب حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي التي تُسيطر على العالم، وذلك مرتبط بتوترات جيوسياسية وتجارية متزايدة، مما أدى إلى ارتفاع المخاوف بين الأفراد، وخاصةً بين البنوك المركزية التي أصبحت أكثر حرصًا على تعزيز احتياطاتها من الذهب”.
وأضاف مُعطي في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia“: من الملاحظ أن البنوك المركزية، مثل الصين وبولندا، كثّفت مشترياتها من الذهب خلال الشهرين الماضيين، كما كانت بولندا، على وجه الخصوص، أكبر مشترٍ للذهب في هذه الفترة، وهو مؤشر واضح على أنَّ الدول نفسها أصبحت أكثر قلقًا من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي”.
موضوع ذو صلة: السياسات النقدية العالمية ترسم ملامح أسعار الذهب في 2025
سياسات ترامب وتأثيرها على الأسواق
أكَّد الخبير أنَّ السياسات التي انتهجها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، كانت غير تقليدية؛ حيث اعتمد على فرض رسوم جمركية متكررة على العديد من الدول بهدف الضغط عليها للدخول في مفاوضات تجارية تخدم مصالح الولايات المتحدة، وهذا خلق نوعًا من التوتر في الأسواق، وجعل المستثمرين أكثر تحفظًا، ما دفعهم للبحث عن ملاذات آمنة مثل الذهب.
واستطرد الخبير: “من المثير للاهتمام أنَّ الكثير من تهديدات ترامب لم يتم تنفيذها فعليًا، على سبيل المثال، لم يفرض ترامب رسومًا جمركية صارمة على بعض الدول كما هدد، ولم ينفذ خططه المثيرة للجدل مثل شراء جرينلاند أو التدخل في مناطق معينة. هذه السياسة القائمة على “التصعيد ثم التفاوض” جعلت الأسواق في حالة من الترقب المستمر، مما أثر بشكل مباشر على تحركات الذهب”.
المستقبل الغامض لأسعار الذهب
يرى معطي أنَّه في ظل هذه الظروف، يظل مستقبل أسعار الذهب غير واضح، وفي حال استمرت هذه التهديدات دون تنفيذ فعلي، فقد نشهد انخفاضًا على أسعار الذهب على المدى القريب، أما إذا تصاعدت التوترات العالمية بشكل حقيقي، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا.
وفي ختام تصريحاته قال معطي: “بشكل عام الوضع العالمي الحالي يتسم بالغموض، ومع استمرار التوترات السياسية والاقتصادية، سنرى تأثيرات مباشرة على حركة الذهب والاستثمارات العالمية”.
اقرأ المزيد حول مستقبل الذهب في 2025: صعود مستمر تحت ضغط!
5 عوامل تؤثر على الذهب
اتفق سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، مع الخبراء، مشيرًا إلى أنَّ هناك خمسة عوامل رئيسة كانت وراء هذا الصعود السريع، وهي: حالة عدم اليقين السياسي، والتوترات الجيوسياسية المستمرة، وتجدد مخاوف التضخم، والسياسات التيسيرية التي تتبعها البنوك المركزية، بالإضافة إلى ارتفاع مشتريات البنوك المركزية نفسها.
تأثير قرارات ترامب
أوضح إمبابي أنَّ القرارات الاقتصادية والإجراءات التي اتخذها ترامب، ساهمت بشكل كبير في خلق بيئة غير مستقرة اقتصاديًا وسياسيًا، فقد أدَّت تهديداته بفرض تعريفات جمركية على بعض الدول، ومن بينها الصين، إلى تعزيز الطلب على الذهب، حيث لجأ المستثمرون إليه كملاذ آمن في ظل هذه الاضطرابات.
الرسوم الجمركية
قال إمبابي إنَّ تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية أدَّت إلى ارتفاع الطلب على الذهب بشكل جنوني، مما دفع الأسواق العالمية إلى تخزين المعدن الثمين تحسُّبًا لأي اضطرابات مالية، فضلًا عن الاندفاع الكبير نحو شراء الذهب من الأسواق العالمية، خاصة من مراكز التداول الكبرى مثل لندن، التي تعد ثاني أكبر سوق للذهب في العالم، بالإضافة إلى أسواق دبي وهونغ كونغ.
نقص المخزون العالمي
أشارت تقارير رسمية إلى أنَّ الولايات المتحدة شهدت زيادة كبيرة في شحنات الذهب إليها خلال الفترة الأخيرة، مما تسبَّب في نقص المعروض في أسواق لندن، ووفقًا لرابطة سوق السبائك في لندن، فقد بلغت قيمة المخزون الجديد من الذهب في نيويورك حوالي 82 مليار دولار، مما يعكس حجم الإقبال المتزايد على المعدن الأصفر كأحد أدوات التحوط الرئيسة خلال الأزمات الاقتصادية.
ارتفاع معدلات التضخم
أكَّد إمبابي أنَّ ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة قد يدفع البنك الفيدرالي الأمريكي إلى اتّخاذ قرارات مهمة بشأن أسعار الفائدة؛ فإما أن يقوم بخفضها أو إبقائها عند مستوياتها الحالية، وفي كلتا الحالتين، سيكون من شأن هذه القرارات أن تُعزز قوّة الذهب، نظرًا للعلاقة العكسية بين أسعار الفائدة وقيمة الذهب في الأسواق العالمية.
تباطؤ نمو الوظائف
أظهر تقرير الوظائف الصادر عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي لشهر يناير أنَّ عدد الوظائف الجديدة بلغ 143 ألف وظيفة فقط، وهو رقم أقل بكثير مقارنة بشهر ديسمبر الذي سجَّل 307 آلاف وظيفة. هذا التباطؤ في سوق العمل قد يزيد من الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لمراجعة سياساته النقدية، وهو ما قد يصب في مصلحة الذهب باعتباره أحد الأصول الآمنة في أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي.
اكتشف مستجدات الحرب التجارية المُشتعلة: الصين ترد على الرسوم الأمريكية بتصعيد جديد
