عطل تقني واسع النطاق مرتبط بأنظمة شركة "مايكروسوفت" يتسبب في تكبد قطاعات حيوية ومختلفة حول العالم خسائر فادحة تُقدر بمليارات الدولارات؛ إثر توقف العمليات في العديد من المطارات، وشركات الطيران والقطارات، والبورصات العالمية، نتيجة خلل مفاجئ ضرب الأنظمة التشغيلية.
وعلى الرغم من إعلان "مايكروسوفت" لاحقًا عن إصلاح السبب الأساسي لهذا الانقطاع التكنولوجي الشامل الذي طال تطبيقاتها، إلا أن الآثار المتبقية والمترتبة عليه استمرت في إلقاء ظلالها على بعض الخدمات لفترة من الوقت.
جرس إنذار يهدد بمخاطر سيادية
وفي قراءة للمشهد، يرى الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، أن الخلل التقني الذي حدث صباح يوم 19 يوليو 2024 ونجم عن تعطل أنظمة مايكروسوفت -طائلًا خطوط الطيران، والنظم الطبية، والسكك الحديدية، ووسائل الإعلام- يُنذر بكارثة حقيقية على كافة المستويات، حتى وإن تم احتواء المشكلة تكنولوجيًا في الوقت الراهن؛ نظرًا لأن هذا التطور النوعي يؤثر بشكل مباشر وعميق على كافة مناحي الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والعسكرية.
وأوضح الجرم، في تصريحات خاصة، أن الأزمة تجلت بوضوح في تعطل نظام الحجز الطبي الذي يعتمد عليه الأطباء في بريطانيا، حيث خروج النظام عن الخدمة تمامًا، مما هدد قطاع الصحة العامة بشكل مباشر، وهو أمر ينطوي على خطورة قصوى. فضلاً عن أن هذا الخلل قاد إلى تراجع حاد في قيمة أسهم شركات التكنولوجيا بكافة البورصات العالمية، وفي مقدمتها أسهم شركة "مايكروسوفت" التي تصنف كأكبر الكيانات التكنولوجية عالميًا، بالإضافة إلى التسبب في إلغاء أكثر من 2,100 رحلة جوية.
وتابع الجرم قائلًا: "إن هذا العطل، الذي ظهر بوضوح في تعذر الوصول إلى تطبيقات وخدمات (Microsoft 365)، سيكون بمثابة جرس إنذار قوي في آذان صانعي القرار على مستوى العالم، فهو ينذر بتبعات أكثر خطورة مستقبلاً جراء الأعطال أو الهجمات السيبرانية المحتملة، والتي قد تدفع العالم نحو ظلام دامس وتعيده إلى العصور الوسطى بين عشية وضحاها".
وأضاف أن التكلفة الاقتصادية المترتبة على هذا العطل لا يمكن إحصاؤها بدقة، نظرًا لتصنيفها ضمن الخسائر غير المحسوبة، وخاصة أنها قد تهز ثقة المجتمعات في الاعتماد الكامل على التكنولوجيا الحديثة بعد أن باتت الركيزة الأساسية للحياة اليومية. ولفت إلى أن التأثير امتد ليشمل عمليات سحب الأموال من ماكينات الصراف الآلي (ATM)، وحجوزات القطارات، وشبكات الهواتف المحمولة، وانقطاع البث في وسائل إعلامية عالمية، كما حدث مع شبكة "سكاي نيوز".
واختتم الخبير المصرفي حديثه بالإشارة إلى أن هذه الأزمة قد تدفع المتخصصين تكنولوجيًا إلى تبني وسائل بديلة وإجراء تجارب دورية مفاجئة لرفع الجاهزية، معتبرًا أن هذا العطل يجسد قاعدة "رب ضارة نافعة"؛ إذ إنه يحفز على توقع مثل هذه الأزمات ووضع حلول بديلة وسريعة لتداركها مستقبلاً.
الحرب السيبرانية واقتصادات الفدية
من جانبه، توقع الدكتور عبد الرحمن طه، خبير الاقتصاد الرقمي، أن يصل حجم خسائر الاقتصاد العالمي جراء هذا الخلل إلى نحو 300 مليار دولار. وأشار في تصريحات خاصة إلى أن أزمات الإنترنت المعاصرة باتت تندرج تحت مفهوم "الحرب العالمية الاقتصادية"، التي بدأت ملامحها منذ عام 2019 بالحرب البيولوجية (جائحة كورونا)، ثم تبعتها حرب سلاسل الإمداد ورفع أسعار الفائدة على الدولار، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية المرتبطة بها، وصولًا إلى دخول المسرح السيبراني كأحد أبرز الجبهات الجديدة في هذا الصراع الاقتصادي العالمي.
وأوضح طه أن خسائر الجرائم السيبرانية تجاوزت نصف تريليون دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة، سواء أكانت معلنة أم غير معلنة، مبينًا أن الجرائم السيبرانية تنقسم تقنيًا إلى ثلاثة أنواع:
جرائم الهواة.
الجرائم الإرهابية.
الحروب الدولية الممنهجة.
ويعد المسرح السيبراني الميدان المشترك لهذه الأنواع، وتأتي جلّ خسائرها في الشق الاقتصادي. ويقول طه إن الشركات الأكثر تضررًا هي تلك التي تُوجّه إليها الضربات السيبرانية بشكل مباشر، وتتعاظم خسائرها المالية عندما يستهدف الهجوم بيانات العملاء أو يطالب بـ "فدية" مالية ضخمة، أو عندما تكون الشركة مدرجة في أسواق الأوراق المالية العالمية، رغم أن الأخيرة تمتلك القدرة على التعافي بمرور الوقت. وأنهى طه قراءته بالتساؤل حول طبيعة الجبهة القادمة وشكل الصراع المستقبلي، خاصة وأن جبهات الحرب السيبرانية في تدفق وإدارة مستمرة لا تتوقف.
شلل القطاعات الاقتصادية الكبرى
وفي سياق متصل، علّق الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، مؤكدًا أن الاقتصاد العالمي تلقى صدمة قوية جراء تعطل خدمات شركة مايكروسوفت، الكيان التكنولوجي الأبرز عالميًا، مما أثر مباشرة على القطاعات التشغيلية والمالية. واستعرض شوقي في تصريحات خاصة تفاصيل الأضرار في القطاعات الآتية:
قطاع الطيران
تسبب العطل في توقف رحلات شركات طيران أمريكية كبرى مثل "دلتا"، و"يونايتد"، و"أمريكان إيرلاينز"، مما أحدث ارتباكًا شديدًا في حركة السفر الدولية وإلغاء وتأخير آلاف الرحلات، فضلاً عن التكدس وتأخر تسجيل الوصول الذي شهده ركاب مطار "جاتويك" في لندن ومطارات برلين وبراغ وإدنبرة، وهو ما أثر سلبًا على سمعة هذه المطارات وكفاءتها التشغيلية.
القطاع المالي والمصرفي
واجهت بنوك عالمية كبرى صعوبات حادة في تقديم خدماتها المصرفية للعملاء، مثل بنكي ANZ وWestpac في أستراليا. وامتد الأثر التقني إلى بورصة لندن للأوراق المالية، حيث تعطلت الأنظمة المسؤولة عن نشر الأخبار والبيانات المالية الهامة، مما أثر بشكل مباشر على قرارات المستثمرين وتسبب في تذبذب أسعار الأسهم.
قطاع الاتصالات والإعلام
عجزت قنوات إخبارية كبرى مثل "سكاي نيوز" عن البث المباشر المعتاد، مما عرقل تدفق المعلومات للمشاهدين. كما تأثرت شركات اتصالات ومدفوعات كبرى مثل Visa وOptus في أستراليا، مما أدى إلى شلل مؤقت في خدمات الدفع الإلكتروني والاتصالات الخلوية، وزاد من وتيرة الفوضى بين المستخدمين.
قطاع التجارة والشحن
واجهت سلاسل المتاجر الكبرى في أستراليا صعوبات بالغة في إدارة عمليات البيع اليومية، بالتوازي مع تضرر عمليات الشحن والنقل الجوي، مما ترتب عليه تأخير في تسليم البضائع وزيادة ملموسة في تكاليف التشغيل.
اقرأ أيضًا: كيف تواجه الطائرات الذكية مخاطر الهجمات السيبرانية؟
تقدير الخسائر وإدارة مخاطر التشغيل
وحول التقييم المالي للأزمة، أكد الدكتور أحمد شوقي أنه لا يمكن تحديد الخسائر بدقة متناهية في الوقت الراهن، إلا أنها تبلغ مليارات الدولارات بلا شك؛ نظرًا لاتساع الرقعة الجغرافية للمتضررين وتعدد القطاعات، مما قاد إلى فقدان حاد في الإنتاجية وتأجيل صفقات تجارية واستثمارية كبرى.
ونوه الخبير إلى أن الحادثة كشفت عن مدى الارتباط العضوي والاعتماد المفرط للاقتصاد العالمي على تكنولوجيا الحوسبة، مما يدفع نحو ضرورة بناء أنظمة تكنولوجية مرنة وموازية لتجنب الهزات الاقتصادية مستقبلاً.
وعلى صعيد خسائر شركة "مايكروسوفت" نفسها، تعرضت الشركة لخسائر مالية حادة عقب الخلل التقني؛ حيث أشارت وسائل إعلامية إلى أن قيمتها السوقية تراجعت بنحو 60 مليار دولار خلال ساعات القليلة الأولى من وقوع الأزمة. وحذر شوقي من أن تكرار مثل هذه الأعطال سيحمل تبعات وخيمة على الشركة وموثوقيتها، والأنظمة العالمية المرتبطة بها.
ووفقًا للمفاهيم الاقتصادية، صنف شوقي عطل نظام "مايكروسوفت" العالمي ضمن "مخاطر التشغيل" في علم إدارة المخاطر. ومع تحليل الأسباب (سواء كانت تحديثات برمجية أو هجمات)، تبرز أمام المؤسسات عالميًا ثلاثة خيارات لإدارة الأزمة:
توقف الأعمال بالكامل: لحين استعادة النظام التشغيلي (وهو البديل الأكثر تطبيقًا عالميًا، مع تحمل حجم خسائر غير متوقعة).
الرجوع إلى نظم العمل اليدوية (التقليدية): لحين استعادة عمل النظام الآلي، وذلك بهدف تقليص خسائر تعطل الأعمال.
البحث الشامل عن نظم عمل بديلة: وتأمين المؤسسات ضد مخاطر تعطل الأنظمة الآلية عبر تنويع الموردين.
ملاءة الشركات التمويلية وضعف الرقابة السيبرانية
وأردف شوقي بالإشارة إلى أن تصاعد خسائر الأمن السيبراني وحوادث التشغيل بات يهدد الهياكل التمويلية للشركات، بل ويضع ملاءتها المالية على المحك؛ لافتاً إلى أن حجم الخسائر المباشرة المرتبطة بهذه الحوادث ارتفع منذ عام 2017 بأكثر من أربعة أضعاف ليصل إلى 2.5 مليار دولار، مع الأخذ في الاعتبار أن الخسائر غير المباشرة (مثل خسائر السمعة وتكاليف التحديثات الأمنية الطارئة) تتجاوز هذه القيمة بكثير.
وفي سياق متصل، أظهر استبيان حديث صادر عن صندوق النقد الدولي شمل البنوك المركزية والسلطات الرقابية، أن أطر وسياسات الأمن السيبراني لا تزال غير كافية عالميًا، ولا سيما في اقتصادات الدول النامية والأسواق الصاعدة؛ حيث تبين أن نحو نصف الدول التي شملها الاستبيان فقط هي التي تطبق استراتيجيات وطنية أو أطر تنظيمية مخصصة للأمن السيبراني في القطاع المالي.
ولتعزيز صلابة هذا القطاع الحساس، شدد شوقي على حتمية تبني السلطات الرقابية استراتيجيات وطنية شاملة لحماية الأمن السيبراني، وإجراء تقييمات دورية لآليات العمل، وتحديد المخاطر النظامية المحتملة الناجمة عن تركز الخدمات لدى مزود تقني واحد.
اقرأ أيضًا: التكنولوجيا الرقمية تُحدث تحولًا في الشمول المالي عالميًا
توضيح مايكروسوفت وكراودسترايك
وفي وقت سابق، علقت شركة "مايكروسوفت" رسميًا على الخلل التقني، موضحة في بيان لها أن العطل الفني نجم عن خلل برمجي تسبب في جعل الأجهزة التي تعمل بنظام تشغيل "ويندوز" وبرنامج الأمن السيبراني "كراودسترايك فالكون" تدخل في وضعية إعادة التشغيل المستمر (Boot Loop).
ومن جهته، أكد جورج كورتز، الرئيس التنفيذي لشركة "كراودسترايك"، أن العطل الفني الواسع لم يكن نتيجة اختراق أمني أو هجوم سيبراني منسق، مشيرًا إلى أنه تم تحديد المشكلة الفنية بدقة ونشر آلية إصلاحها الفوري.
وأضاف كورتز أن شركته تعمل جاهدة مع كافة العملاء المتضررين جراء هذا الخلل الذي وجد في تحديث محتوى مفرد يستهدف مضيفي نظام تشغيل "ويندوز"، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الأجهزة والمضيفات التي تعمل بنظامي "ماك" (Mac) و"لينكس" (Linux) لم تتأثر مطلقًا بهذا التحديث.
اقرأ أيضًا: هل يصبح الذكاء الاصطناعي شريك الحياة المثالى؟
