تقارير الطاقة

    حلم نووي بقيمة 130 مليار يورو شرق أوروبا.. هل يتحقق؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •7 دقائق
    أبراج التبريد في محطة طاقة نووية.

    باتت الطاقة النووية ضرورة ملحة تفرض نفسها على طاولات حكومات القارة الأوروبية؛ في مسعى لمواجهة التحديات المتزايدة التي تحيط بإنتاج الكهرباء، وربطًا بالارتفاع الحاد في أسعار الطاقة التقليدية، فضلًا عن البحث المستمر عن مصادر نظيفة تكافح التغير المناخي.

    وفي هذا السياق، بدأت حكومات شرق أوروبا، من براغ إلى صوفيا، تبذل جهودًا حثيثة لبناء محطات نووية جديدة بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة. ومع هذا الزخم، يبرز السؤال الجوهري والأكثر تعقيدًا: من سيمول هذه المحطات الضخمة؟

    تاريخيًا، أدت حادثة انفجار محطة "تشيرنوبيل" عام 1986 إلى إبطاء وتيرة مشاريع الطاقة النووية في أوروبا الشرقية خلال الحقبة السوفيتية، تلاها سقوط الأنظمة الشيوعية الذي أدى بدوره إلى تقليص هذه المشاريع بشكل حاد. ولكن اليوم، وفي الوقت الذي تركز فيه دول غرب القارة على تحديث أو استبدال محطاتها القديمة، يتحد الشرق وراء أكبر دفعة لزيادة القدرات النووية منذ عقود. فكم من هذه المشاريع سيتحول إلى واقع ملموس؟ وكم ستبلغ تكلفتها الفعلية؟

    "مشروع القرن الأكبر".. طموحات بمليارات الدولارات

    من جمهورية التشيك إلى رومانيا، تعكف الدول على إعداد خطط إستراتيجية لما وصفه مراقبون بـ "مشروع القرن الأكبر"؛ إذ ترغب هذه الدول في بناء ما لا يقل عن 12 وحدة نووية جديدة، بتكلفة تقارب 130 مليار يورو (نحو 139 مليار دولار)، وتُشير التقديرات إلى أن أولى هذه الوحدات قد تكون جاهزة للعمل في غضون عقد من الزمن.

    وتترجم المجر هذه الطموحات على أرض الواقع؛ حيث تعمل الشاحنات والحفارات في محطة "باكس" النووية منذ سبتمبر 2022، وتعد هذه المنشأة واحدة من محطتين فقط قيد الإنشاء في المنطقة حاليًا.

    ومع أن الدول الشيوعية السابقة ورثت في الغالب محطات قائمة منذ السبعينيات والثمانينيات، إلا أن هذه المحطات باتت تعمل ضمن "وقت مستقطع" ومحدود. وقد استغلت الحكومات الدعم السياسي لتأسيس مرافق جديدة في وقت تواجه فيه ضغوط الاتحاد الأوروبي نحو التحول الأخضر، وتحديدًا بعد أن أُجبرت على التخلص من الغاز الروسي الذي كان يعد الخيار الأرخص.

    لكن التحدي الأكبر يكمن في أن هذه الدول لا تمتلك الخبرة الهندسية الكافية، وتكافح لتمويل نطاق طموحاتها؛ نظرًا لأن مستثمري القطاع الخاص يرفضون تحمل مخاطر بناء محطة جديدة بمفردهم، مما يحتم على الحكومات التدخل.

    وهنا، يبرز الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي كعامل حاسم، وإن كان سيخضع لتنافسية شديدة. وفي هذا الصدد، يؤكد يان هورست كيبلر، الاقتصادي في وكالة الطاقة النووية، قائلاً: "التمويل هو القضية الأكثر أهمية بلا شك".

    اقرأ أيضا: الهيدروجين الأبيض مستقبل الطاقة

    مشاكل اقتصادية وإرث من الديون المرتفعة

    من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية، الدكتور عبد الرحمن المشهداني، أن الدول الاشتراكية السابقة لا تعاني من أزمة كهرباء فحسب، بل من معضلات اقتصادية عميقة. وأوضح المشهداني في تصريحات خاصة أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 والتحول نحو اقتصاد السوق، عانت هذه الدول من ارتفاع معدلات الديون الارتدادية وضعف بنيتها الاقتصادية.

    وأضاف المشهداني: "حتى انضمام هذه الدول إلى الاتحاد الأوروبي لم يحقق القفزة المنشودة في مستويات المعيشة، بل بقي الاقتصاد هشا". واستشهد بتجربته الشخصية قائلاً: "لقد زرت ألمانيا وشاهدت هذا التفاوت بنفسي؛ فالمدن الشرقية لا تزال فقيرة مقارنة بالمدن الغربية المتطورة، رغم مرور أكثر من 30 عامًا على توحيد الألمانيتين".

    وحول كلفة المشاريع، أشار المشهداني إلى أن توفير 130 مليار يورو خلال 10 سنوات يعد أمرًا بالغ الصعوبة، سواء على الاتحاد الأوروبي أو على الدول نفسها، مضيفًا: "الفجوة الكبيرة والتفاوت بين شرق أوروبا وغربها يجعل التمويل الذاتي شبه مستحيل، فضلًا عن أن مخاطر هذه المحطات عالية جدًا، مما ينفر المستثمرين الخواص. ولو كانت هذه المحطات تعمل بالغاز أو الوقود الأحفوري، لكان جذب الرساميل العالمية أسهل بكثير".

    الانقسام الأوروبي: الغرب يتراجع والشرق يناضل

    تبدو الصورة في غرب القارة الأوروبية مختلطة ومتناقضة؛ فعلى سبيل المثال، تخطط بلجيكا وإسبانيا للتخلص التدريجي من الطاقة النووية، على الرغم من تمديد الجداول الزمنية مؤخرًا بسبب القلق من إمدادات الطاقة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.

    وفي المقابل، تبدو دول أخرى حاسمة في موقفها المناهض؛ فقد رفضت النمسا الطاقة النووية عبر استفتاء شعبي عام 1978، ومضت ألمانيا قدمًا في تفكيك مفاعلاتها بعد كارثة "فوكوشيما" في اليابان عام 2011.

    ومع ذلك، تواصل دول مثل فرنسا، وفنلندا، وبلجيكا، والسويد توليد ما لا يقل عن ثلث احتياجاتها من الطاقة عبر المفاعلات لخدمة أكثر من 100 million مواطن. ويعد المفاعل الفنلندي (Olkiluoto 3) أحدث مفاعل يدخل الخدمة في الاتحاد الأوروبي في عام 2023، في حين ستنضم فرنسا إلى القائمة هذا الصيف عبر تشغيل مفاعل (Flamanville-3 EPR) الذي تأخر طويلاً.

    وفي قراءته للجانب التقني، يرى المختص في شؤون الاقتصاد والطاقة، ضرغام محمد علي، أن الطاقة النووية تعد من أكثر مصادر الطاقة كفاءة، وأطولها عمرًا، وأقلها كلفة على المدى الكلي للمشروع، لكنها تصطدم بعوائق جوهرية.

    وبيّن ضرغام علي أن هذه العوائق تشمل:

    • ارتفاع التكاليف الرأسمالية الأولى.

    • صعوبة الاستحصال على الموافقات الدولية.

    • ندرة واحتكار الوقود النووي (اليورانيوم).

    • ارتفاع مستوى الخطورة مقارنة بالطاقة التقليدية.

    وأضاف: «بعض الدول الكبرى تحرص على الهيمنة على هذا القطاع لتوسيع نفوذها الاقتصادي عالميًا، ومحاولة إعادة ترميم سمعة الطاقة النووية بعد كوارث تشيرنوبيل والمفاعلات اليابانية».

    اقرأ أيضا: الصدام بين واشنطن وبكين يصل النووي

    عقبات التمويل الفني واللوجستي في الشرق

    وعلى الرغم من أن الدعم الحكومي للمفاعلات الجديدة سيحصل على الضوء الأخضر من الاتحاد الأوروبي، إلا أن الأرقام المطلوبة تظل ضخمة ومقلقة؛ فبولندا التي كانت تعتمد تقليديًا على الفحم تسعى لتشييد أولى محطاتها النووية، لكن الحكومة ما زالت عالقة في مفاوضات معقدة حول كيفية تمويل مفاعلات شركة "Westinghouse Electric Co" لمحطتها الأولى، والتي قد تتجاوز تكلفتها 30 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم يعادل كامل ميزانية الدفاع البولندية لعام 2023، أو ما نسبته 3.9% من ناتجها المحلي الإجمالي.

    وفي هذا السياق، ترى محللة الأسواق في الشرق الأوسط لدى "XS.com"، رانيا جول، أن طريق شرق أوروبا مليء بالعقبات التمويلية والفنية. وأوضحت قائلة: "على عكس دول الغرب مثل فرنسا وفنلندا التي تمتلك بنية تحتية مستدامة، تفتقر دول شرق أوروبا إلى القدرة المالية والخبرة التقنية لتنفيذ هذه المشاريع بشكل مستقل. ومع تراجع الغرب عن النووي لأسباب بيئية، يرى الشرق فيه الخيار الوحيد للأمن الطاقوي والاستقلال على المدى الطويل، مما يعمق الفجوة بين الطرفين".

    وحذرت "جول" من أن نقص المقاولين المؤهلين والخبرات التقنية قد يؤدي إلى سيناريوهات تأخير مضاعفة وتضخم في الكلفة، تمامًا كما حدث في موقع "موتشوفس" في سلوفاكيا، حيث تضاعفت التكاليف وتأخر الإنجاز لمدة عقد كامل. وتابعت: "تاريخيًا، تبددت طموحات الشرق النووية بسبب تشيرنوبيل والاضطرابات السياسية، لكن التحولات الجيوسياسية الحالية وضعت دولًا من التشيك إلى رومانيا في خندق واحد لاستبدال المفاعلات السوفيتية المتقادمة والتحرر من الغاز الروسي".

    هجرة الكفاءات وشح المياه وعبء حرب أوكرانيا

    إلى جانب أزمة السيولة، يطرح الدكتور عبد الرحمن المشهداني أبعادًا أخرى للأزمة؛ لعل أبرزها هجرة الكفاءات والخبرات التي كانت تمتلكها دول شرق أوروبا نحو الغرب والولايات المتحدة وكندا بحثًا عن أجور ومستويات معيشة أفضل.

    كما أشار المشهداني إلى تحدٍ بيئي خطير يواجه تشغيل هذه المحطات، وهو توفر المياه اللازمة للتبريد؛ حيث تحتاج المفاعلات إلى كميات هائلة من المياه، في وقت يواجه فيه العالم أجمع شحًا مائيًا متزايدًا ناجمًا عن الانفجار السكاني، والاحتباس الحراري، والتصحر.

    وعلى الصعيد المالي الجيوسياسي، يلفت المشهداني إلى أن دول أوروبا الغربية تعاني أساسًا من تبعات تورطها المالي في دعم أوكرانيا على مدار 3 سنوات، مما أدخل معظمها في نفق المديونية.

    ويتساءل مستنكرًا: "كيف ستوفر هذه الدول التمويل لمحطات نووية جديدة تقع مباشرة على الحدود الروسية، في ظل حرب مستمرة لا تبدو لها نهاية؟ من الصعب جدًا على الاتحاد الأوروبي تقديم مقتطعات بقيمة 130 مليار يورو، كما يصعب الاتكال على واشنطن، فضلاً عن الرفض الشعبي المتوقع للنووي في أوروبا عاجلًا أم آجلًا".

    مستقبل غامض وقرارات مؤجلة

    لا تتوقع دول شرق أوروبا اتخاذ قرارات استثمارية نهائية في المدى القريب؛ إذ تنتظر هذه الحكومات موافقة الاتحاد الأوروبي على حزم المساعدات ضمن دورة الميزانية القادمة (2028-2034)، والتي من المرجح البت فيها في يونيو المقبل، مع العلم أن خطط الطاقة الخضراء الأوروبية باتت تدرج الطاقة النووية كخيار صديق للبيئة.

    وتختتم رانيا جول تحليلها بالإشارة إلى البعد الإستراتيجي، قائلة: "إن التوترات الجيوسياسية الأخيرة جعلت من هذه المشاريع مسألة مرونة سيادية لأوروبا برمتها وليست مجرد أمن طاقوي. غير أن نجاح الشرق مرهون بالتخطيط المالي الحصيف، والاستغلال الذكي لأموال الاتحاد الأوروبي، وبناء كادر بشري مؤهل».

    وحول الإجابة النهائية عن سؤال "من سيدفع الثمن؟"، أكدت جول أنه لا توجد حتى الآن قنوات تمويلية واضحة ومحددة، لكن السيناريوهات المتاحة تتأرجح بين ميزانيات الحكومات المحلية، شركات الطاقة الكبرى، أو عبر قروض دولية من البنوك والمؤسسات المالية، مشددة في الوقت ذاته على ضرورة تقييم الفوائد والمخاطر بعناية وإشراك الشعوب في صناعة هذا القرار المصيري.