تقارير اقتصادية

    الضربة الإسرائيلية على إيران.. هل انزلق الإقليم لحرب الشاملة؟

    •آخر تحديث •6 دقائق
    الضربة الإسرائيلية على إيران.. هل انزلق الإقليم لحرب الشاملة؟

    بعد الضربة الإسرائيلية على إيران، دخلت تل أبيب حالة الطوارئ القصوى، حيث دوّت صفارات الإنذار الخاصة بالهواتف الخلوية في مختلف أنحاء البلاد، في مؤشر واضح على بدء مرحلة عسكرية طال الحديث عنها خلال الأشهر الماضية.

    ونفّذ الجيش الإسرائيلي، صباح اليوم 28 فبراير، ضربة استباقية ضد إيران، في تطور ميداني لافت، وحتى الآن لا تتوافر تفاصيل دقيقة بشأن طبيعة الأهداف أو نطاق العملية وحجمها، المؤكد أن التحرك العسكري قد دخل حيّز التنفيذ فعليًا.

    تجهيزات إسرائيلية مسبقة

    في هذا السياق، أكد الدكتور محمد خير، الخبير في الشأن الإيراني، أن جميع المؤشرات السابقة للتصعيد كانت تمهد بوضوح لتنفيذ الضربة الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن رفع درجة الاستعداد العسكري في إسرائيل وإعلان حالة التأهب القصوى مساء اليوم السابق لم يكونا إجراءات اعتيادية، بل عكسا قرارًا عملياتيًا كان في طور التنفيذ.

    وأوضح أن جاهزية الدفاعات الجوية الإسرائيلية الكاملة تعزز التقديرات بأن تل أبيب هي التي بادرت بالهجوم، في سيناريو يشبه إلى حد بعيد ما جرى في يونيو الماضي، عندما نفذت إسرائيل ضربة منفردة ضد أهداف إيرانية دون إعلان عن تدخل أمريكي مباشر، وأضاف أن هذا النمط يعكس عقيدة إسرائيلية قائمة على الضربات الاستباقية عندما ترى أن هناك تهديدًا استراتيجيًا يتشكل.

    وأشار الدكتور محمد خير إلى أن التصريحات التي صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي اعتبر فيها أن ما جرى لا يخدم مسار المفاوضات مع إيران مع تأكيده استمرار المسار التفاوضي، توحي بوجود تباين بين المسار السياسي المعلن والتحرك العسكري على الأرض. وأكد أن المعطيات الميدانية حتى الآن تشير إلى أن إسرائيل تحركت عسكريًا وفق حساباتها الخاصة، بغض النظر عن المسار التفاوضي القائم.

    توقيت الضربة على إيران

    أوضح خير أن صفارات الإنذار التي انطلقت في إسرائيل لم تكن نتيجة سقوط صواريخ، بل جاءت في إطار تهيئة الجبهة الداخلية لاحتمال رد إيراني، ما يعني –بحسب تقديره– أن إسرائيل لم تتعرض لهجوم مباشر قبل تنفيذ الضربة، بل كانت هي الطرف الذي بادر بقصف طهران.

    ولفت إلى أن توقيت العملية لم يكن عشوائيًا، إذ نُفذت صباح يوم السبت اليهودي، حيث لا توجد مدارس أو جامعات، كما أن السكان كانوا قد التزموا منازلهم منذ غروب شمس اليوم السابق، وهو ما يقلل من التعقيدات اللوجستية ويمنح المؤسسة العسكرية هامش تحرك أوسع في الساعات الأولى.

    وأضاف أن وصف وزير الجيش الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، للعملية بأنها “ضربة وقائية” وإعلانه فرض حالة طوارئ فورية في جميع أنحاء إسرائيل، يشير إلى أن القرار جاء بعد تقييم أمني توقع تطورات خطيرة بدءًا من الساعة الثامنة صباحًا، ما يعكس قناعة إسرائيلية بوجود تهديد داهم أو فرصة عملياتية لا يمكن تأجيلها.

    اقرأ أيضًا: البرلمان الإيرانى يوافق على إغلاق مضيق هرمز

    التنسيق الإسرائيلي الأمريكي

    أشار الدكتور محمد خير إلى أن الصور الأولية من طهران أظهرت أعمدة دخان كثيفة في مواقع متعددة، مع تقارير عن سماع دوي انفجارات في مناطق متفرقة من العاصمة، وهو ما يدل على أن الضربات استهدفت مواقع حساسة، لكنه أكد أن غياب بيان رسمي إيراني فوري بشأن طبيعة الأهداف أو حجم الخسائر يندرج ضمن سياسة ضبط الرسائل في الساعات الأولى، حيث تميل طهران إلى تقييم الموقف بدقة قبل إعلان أي تفاصيل.

    وحول ما إذا كان الهجوم مشتركًا بين إسرائيل والولايات المتحدة، أوضح أن ما نشرته صحيفة “إسرائيل هايوم” بشأن تنسيق أمريكي–إسرائيلي لم يجد حتى الآن ما يؤكده من الجانب الأمريكي، وأشار إلى أن الصمت الرسمي في واشنطن، وعدم صدور بيان يؤكد مشاركة أمريكية مباشرة، يفتح الباب أمام عدة احتمالات، من بينها أن تكون إسرائيل قد تحركت منفردة، أو أنها اكتفت بتنسيق أمني محدود دون إعلان رسمي.

    وتوقف الخبير في الشأن الإيراني عند التوقيت الأمريكي، مشيرًا إلى أن وجود الرئيس الأمريكي خارج البيت الأبيض وتوجهه لقضاء عطلة نهاية الأسبوع يثير تساؤلات حول مستوى التنسيق المسبق، فلو كانت العملية ضمن خطة مشتركة كاملة، لكان من المتوقع متابعة التطورات من غرفة العمليات في واشنطن، كما أن التصريحات السابقة حول استمرار المفاوضات مع إيران توحي بأن الإدارة الأمريكية لم تكن تمهد علنًا لعمل عسكري في هذا التوقيت.

    بعض التحليلات في واشنطن تطرح احتمال أن تكون الحكومة الإسرائيلية قد سعت إلى فرض واقع جديد على الولايات المتحدة، ودفعها نحو موقف أكثر حسمًا، وربما جرّها إلى انخراط مباشر في المواجهة، خاصة في ظل اكتمال الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة ووصول حاملة الطائرات “جنرال فورد”، بحسب محمد خير.

    تبعات الضربة الإسرائيلية على إيران

    أكد الخبير أن المشهد الحالي مفتوح على احتمالات خطيرة، حيث تقف المنطقة على حافة تصعيد واسع قد يعيد رسم معادلات الردع، وشدد على أن توصيف الضربة بأنها “وقائية” من الجانب الإسرائيلي لا يعني بالضرورة احتواء تداعياتها، إذ إن المسار المقبل سيتحدد وفق طبيعة الرد الإيراني، وحجم انخراط القوى الكبرى، وما إذا كانت ستتجه نحو التصعيد أم إلى احتواء سريع عبر قنوات سياسية.

    واختتم الدكتور محمد خير تصريحاته بالتأكيد على أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل المرحلة التالية، سواء باتجاه ردع متبادل مضبوط، أو انزلاق إلى مواجهة أوسع قد تعيد تشكيل خريطة التوازنات في الإقليم بأسره.

    اقرأ أيضًا: حرب إيران وإسرائيل.. ارتفاعات قياسية في النفط والذهب

    طبيعة المواجهة

    من جانبه، أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن التطورات الأخيرة تكشف عن وجود تنسيق أمريكي إسرائيلي مرتقب ومسبق الإعداد، مشيرًا إلى أن ما يجري لا يمكن اعتباره تحركًا منفردًا من جانب تل أبيب، بل يأتي في إطار ترتيبات استراتيجية أوسع بين الجانبين.

    وأوضح فهمي أن الضربات الإسرائيلية المكثفة تستهدف مواقع ومنشآت نووية إيرانية وفق “بنك أهداف” تم تحديده مسبقًا، على أن يتم أولًا تنفيذ الضربات الرئيسة، ثم تقييم نتائجها ميدانيًا واستخباراتيًا، قبل اتخاذ قرارات بشأن توسيع العمليات أو تعديل نطاقها. وأضاف أن هذا النمط يعكس تخطيطًا مرحليًا يهدف إلى تحقيق أكبر قدر من التأثير العسكري مع ضبط إيقاع التصعيد.

    وأشار إلى أن الولايات المتحدة رفعت حالة الاستعداد القصوى لقواتها في عدد من قواعدها العسكرية حول العالم، وليس فقط في الشرق الأوسط، وهو ما يعكس إدراكًا أمريكيًا لاحتمال اتساع نطاق المواجهة إقليميًا ودوليًا، خاصة مع دخول أطراف غير مباشرة على خط الأزمة.

    اقرأ أيضًا: هل تنضم أوروبا للحرب على إيران.. تحول استراتيجي أم ردع دفاعي؟

    الرد من الجانب الإيراني

    وفي هذا السياق، لفت فهمي إلى إعلان جماعة الحوثي استئناف الضربات في البحر الأحمر، بما يفتح جبهة ضغط إضافية على الملاحة الدولية ويزيد من تعقيد المشهد الأمني، في وقت تتسع فيه دائرة الاشتباك البحري.

    وأوضح أن قرار إسرائيل استدعاء نحو 70 ألف جندي احتياط يعكس استعدادًا لسيناريوهات تصعيد ممتدة، سواء على الجبهة الشمالية أو الجنوبية، أو في مواجهة ردود إيرانية مباشرة وغير مباشرة.

    وكشف فهمي أن إيران بدأت بالفعل في تنفيذ ضربات مقابلة، من بينها استهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، في رسالة واضحة بأن الرد لن يكون محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية، بل قد يمتد إلى المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة.

    وأضاف أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية منعت نشر أنباء عن ضربات إيرانية طالت مناطق في النقب وحيفا والجليل الأعلى والقدس، وهو ما يعكس حجم الحساسية الأمنية والرغبة في ضبط الجبهة الداخلية ومنع تسرب معلومات قد تؤثر على الروح المعنوية أو الحسابات العملياتية.

    وأكد أن الضربات الإسرائيلية الحالية تركز بشكل أساسي على غرب إيران، مع إعطاء أولوية لاستهداف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، بهدف تقليص القدرة على تنفيذ ردود بعيدة المدى وتقليل كثافة النيران المحتملة على العمق الإسرائيلي.

    وشدد الدكتور طارق فهمي على أن ما يجري يمثل مرحلة جديدة من الصراع تقوم على مبدأ “الردع المتبادل واسع النطاق”، محذرًا من أن العمل العسكري سيكون مكلفًا لكل الأطراف دون استثناء، سواء من حيث الخسائر المباشرة أو التداعيات الاقتصادية والأمنية.

    واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن المشهد الحالي يتجاوز فكرة الضربة والضربة المضادة، ليقترب من إعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم، في ظل انخراط أمريكي مباشر، وتصعيد إيراني محسوب، واستعداد إسرائيلي لعملية قد تطول، وهو ما يجعل المنطقة أمام مفترق طرق خطير قد يعيد تشكيل توازنات القوة لسنوات قادمة.

    قد يهمّك أيضًا: مشروع قرار في الكونغرس لمنع ترامب من ضرب إيران دون تفويض مسبق