اقتصادات عالمية

    الصين وأمريكا.. من وهم الشراكة إلى حرب النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي

    •آخر تحديث •5 دقائق
    الصين وأمريكا.. من وهم الشراكة إلى حرب النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي

    على مدار أكثر من ثلاثة عقود، تعاملت أمريكا مع الصين بوصفها شريكًا اقتصاديًا يمكن احتواؤه عبر الانخراط والتكامل في النظام التجاري العالمي، على أمل أن يقود ذلك إلى انفتاح سياسي وتوازن في المصالح.

    هذا الرهان بدأ يتآكل تدريجيًا، مع تحوّل العلاقة بين القوتين الأكبر عالميًا من شراكة حذرة إلى صراع مفتوح على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، فاليوم لم تعد المواجهة بين الصين وأمريكا مجرد خلافات تجارية أو رسوم جمركية، بل باتت معركة شاملة على سلاسل التوريد، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية، وقواعد النظام الاقتصادي العالمي، في سباق يعيد رسم موازين القوة الدولية.

    الاستراتيجية الصينية في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة

    كاتبتان أمريكيتان، توبين وجولدمان، تريان أن الصين تنتهج سياسة طويلة الأمد تقوم على إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة بطريقة انتقائية تسمح لها بتعظيم نفوذها العالمي اقتصاديًا وتكنولوجيًا، مستفيدة من رهان أمريكي ممتد منذ أكثر من ثلاثة عقود على أن الانخراط الاقتصادي والدبلوماسي مع بكين كفيل بتعديل سلوكها ودفعها نحو إصلاحات هيكلية. وبحسب هذا الطرح، حمّلت الصين واشنطن عبء الحفاظ على الاستقرار، مستخدمة مزيجًا محسوبًا من الخطاب التصالحي والتهديد بالرد الانتقامي كلما حاولت الولايات المتحدة ممارسة ضغط فعلي.

    وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز بعنوان “كيف تستطيع أمريكا وقف تلاعب الصين بها”، أوضحت ليزا توبين، المديرة السابقة لإدارة الصين في مجلس الأمن القومي الأمريكي، بالاشتراك مع الباحثة المتخصصة في العلاقات الأمريكية-الصينية أديس جولدمان، أن القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينج في بوسان بكوريا الجنوبية أواخر أكتوبر الماضي جسّدت بوضوح ما وصفته الكاتبتان بـ«وهم الانخراط» مع بكين.

    فوفق التحليل، سبق القمة تصعيد أمريكي لافت، إذ لوّح ترامب باستخدام القوة الاقتصادية القصوى وفرض قيود واسعة على صادرات البرمجيات والتكنولوجيا المتقدمة إلى الصين، غير أن هذه اللهجة تراجعت سريعًا تحت ضغط القيود الصينية على صادرات المعادن الأرضية النادرة، لتنتهي القمة بهدنة مؤقتة لمدة عام واحد، تضمنت تجميد الإجراءات التجارية العقابية مقابل تعهدات صينية غير ملزمة تتعلق بالحد من تدفقات مخدر الفنتانيل واستئناف مشتريات محدودة من المنتجات الزراعية الأمريكية.

    اقرأ أيضًا: إيران.. هل تُطيح بـ”الهدنة التجارية” بين أمريكا والصين؟

    هيمنة الصين على سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة

    ترى الكاتبتان أن بكين خرجت من هذه القمة أكثر ثقة وجرأة، إذ تفاخر الإعلام الصيني رسميًا بقدرتها على التحكم في ما وصفه بـ”شريان الحياة الصناعي” للولايات المتحدة، في إشارة مباشرة إلى الهيمنة شبه الكاملة للصين على سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة. ومع اقتراب الزيارة المرتقبة لترامب إلى بكين في أبريل المقبل، حذرتا من أن غياب تقييم واقعي وصريح لنوايا الحزب الشيوعي الصيني قد يعرض واشنطن لجولة جديدة من الخداع الاستراتيجي.

    وأكد التحليل أن الولايات المتحدة مطالَبة بتفعيل أدواتها السياسية والاقتصادية بصرامة أكبر، عبر تسريع إعادة هيكلة التجارة العالمية بعيدًا عن الصين، وتعزيز ريادتها التكنولوجية بالتعاون مع الحلفاء، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات المتقدمة، إلى جانب تقليص الاعتماد على سلاسل التوريد التي تهيمن عليها بكين، خصوصًا في المعادن الحيوية التي تمثل نقطة الضعف الأخطر للاقتصاد الأمريكي.

    تحولات في الموقف الأمريكي: بين الردع والتنازلات التكتيكية

    تذهب توبين وجولدمان إلى أن تقديم الاستقرار على أي اعتبار آخر في مواجهة نظام شيوعي يسعى للهيمنة العالمية رهان خاسر، وتشيران إلى أن أبريل الماضي شكّل نقطة تحول حاسمة عندما فرضت إدارة ترامب تعريفات جمركية شاملة على معظم الشركاء التجاريين فيما سمّي بـ”يوم التحرير”، لترد الصين بإجراءات مماثلة، قبل أن تصعّد واشنطن بفرض رسوم وصلت إلى 145% على السلع الصينية.

    وردّت بكين لأول مرة باستخدام كامل ثقلها الصناعي عبر وقف صادرات المعادن الأرضية النادرة، التي تسيطر على نحو 85% من إنتاجها العالمي و95% من قدرات تكريرها، ما هدد قطاعات أمريكية حيوية من صناعة السيارات إلى الصناعات العسكرية.

    وبحسب التحليل، توالت التنازلات الأمريكية لاحقًا، إذ تراجعت واشنطن في يوليو عن قيود تصدير رقائق إنفيديا من طراز “H20” إلى الصين، ثم أرجأت في أغسطس إعادة فرض الرسوم المرتفعة لمدة 90 يومًا إضافية بدعوى مفاوضات مثمرة، ما منح بكين مساحة أوسع لتعزيز نفوذها الاقتصادي.

    وفي سبتمبر، حاولت وزارة التجارة الأمريكية استعادة زمام المبادرة عبر تعديل قواعد مراقبة الصادرات وسدّ الثغرات التي استغلتها الشركات الصينية للوصول إلى التكنولوجيا الخاضعة للرقابة، وهو ما أثار ردًا صينيًا غاضبًا اعتبر هذه الخطوة تهديدًا خطيرًا لاستقرار سلاسل التوريد العالمية.

    اقرأ أيضًا: انكماش الصناعة الصينية يتواصل للشهر الثامن ويضغط على مسار النمو

    الخطة الخمسية الصينية الخامسة عشرة

    على أرض الواقع، شددت الصين شروط تراخيص تصدير المعادن النادرة، مستخدمة إياها لجمع بيانات حساسة عن سلاسل التوريد والأسرار التجارية للشركات الأجنبية، بينما واصلت منع شركاتها من شراء الرقائق الأمريكية، مع تقديم تنازلات تكتيكية محدودة، مثل زيادة مشتريات فول الصويا، بهدف تهدئة واشنطن دون التخلي عن أهدافها الاستراتيجية طويلة الأجل.

    ويشير التحليل إلى أن الخطة الخمسية الصينية الخامسة عشرة (2026-2030) تعكس بوضوح إخضاع الاقتصاد لاعتبارات الأمن القومي، مع توجيه صريح للجيش الصيني بالاستعداد للحرب، في تحول لافت عن الخطط السابقة التي ركزت أساسًا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتنتج الصين حاليًا نحو ثلث الإنتاج الصناعي العالمي، وتهدف إلى تعظيم هذه الحصة عبر الذكاء الاصطناعي، الذي تعتبره أداة حاسمة للسيطرة على سلاسل التوريد الحيوية واستخدامها كورقة ضغط جيوسياسية.

    وتخلص الكاتبتان إلى أن مواجهة هذا التحدي تستدعي إعادة صياغة أوسع لقواعد النظام التجاري العالمي، بعدما تبيّن أن الافتراض السائد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة -والقائل إن تعميق التكامل الاقتصادي سيدفع الصين نحو الإصلاح- لم يتحقق؛ فحتى عندما سعت واشنطن إلى نقل سلاسل الإمداد نحو دول أخرى، كانت بكين تعيد بناء نفوذها عبر دول الجنوب العالمي وباستخدام مسارات الشحن العابر، ما سمح لها بالحفاظ على موقع مركزي داخل منظومة التجارة الدولية.

    وحذر التحليل من أن تخفيف القيود على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي يقوض التفوق الأمريكي في الحوسبة السحابية، حيث تستثمر الشركات الأمريكية أضعاف ما تستثمره نظيراتها الصينية في مراكز البيانات، كما أن السماح بتدفق هذه الرقائق إلى الصين قد يتيح لشركات صينية كبرى منافسة نظيراتها الأمريكية عالميًا، ويخلق مخاطر أمنية تتعلق بجمع البيانات أو التخريب عن بعد.

    كيف صمد الاقتصاد الصيني أمام الضغوط الأمريكية؟

    في المقابل، أظهر الاقتصاد الصيني قدرة لافتة على الصمود أمام الضغوط الأمريكية، إذ حقق فائضًا تجاريًا قياسيًا بلغ نحو 1.2 تريليون دولار خلال عام واحد، مدعومًا بنمو الصادرات بأكثر من 6%، وتسجيل معدل نمو اقتصادي بلغ 5%. ولم يقتصر هذا الصمود على الأرقام، بل انعكس في تحولات استراتيجية تمثلت في تنويع الأسواق بعيدًا عن الولايات المتحدة، مع قفزات كبيرة في الصادرات إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتراجع الصادرات إلى السوق الأمريكية بنحو 20%.

    واختتم التحليل بالتأكيد على أن أي استراتيجية أمريكية ستظل قاصرة ما لم تعالج جذور الاعتماد على الصين في المواد الخام الحيوية، وعلى رأسها المعادن الأرضية النادرة. ورغم الخطوات الأخيرة لتأمين هذه السلاسل عبر شراكات مع دول مثل أستراليا واليابان، تحذر الكاتبتان من أن التنازلات التكتيكية لا تضمن تعاونًا صينيًا مستدامًا، بل تفتح الباب لمزيد من الاستغلال، وأن كسر هذه الحلقة يتطلب بناء نفوذ أمريكي وقدرة صمود لا تستطيع بكين الالتفاف عليها.

    اقرأ أيضًا: انخفاض كان الصين 2025.. انهيار تاريخي للمواليد بنسبة 17%