المنتجات الصينية عالية التكنولوجيا تغمر الأسواق العالمية بأسعار تنافسية غير مسبوقة، مما يهدد بإشعال حرب تجارية شاملة بين بكين والغرب. وفيما تلوّح الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية مشددة على السيارات الكهربائية ومنتجات الطاقة المتجددة الصينية لحماية أسواقها، تقف بكين مدافعة عن نموذجها الاقتصادي الجديد.
جذور الأزمة.. انقسام حول مفهوم "الفائض"
رفض الرئيس الصيني شي جين بينغ الاتهامات الغربية حول المنتجات الصينية، قائلاً: “لا توجد مشكلة ما يُسمى فائض الطاقة الإنتاجية في الصين”. وبدلاً من ذلك، يقول المسؤولون الصينيون إن السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وغيرها من المنتجات الصينية ببساطة أفضل وأكثر تنافسية من النسخ الغربية، لكن النظرة على القطاع الصناعي في الصين، تُظهر علامات واضحة على وجود فائض للطاقة الإنتاجية للمنتجات الصينية، خاصة في صناعات مثل الألواح الشمسية والسيارات والصلب.
وفي بعض القطاعات، يبدو الوضع مهيأً للتفاقم، حيث تستمر الصين في توسيع الطاقة الإنتاجية حتى مع بقاء الطلب المحلي ضعيفًا، إذ إنّه ليس من السهل تحديد “فائض الطاقة الإنتاجية”، لأنه من غير الواضح ما الذي يُقاس عليه “الفائض”.
هل يجب أن تُقاس الطاقة الإنتاجية الصناعية للصين والاستثمار الجديد مقابل نموها الحالي؟ أم مقابل نمو العالم؟ أم مقابل نمو الصين المستقبلي؟ قادة الدول الغربية الذين يراقبون المنتجات الصينية وموجة السلع الرخيصة التي تتدفق لأسواقهم يُفضلون التعريف الأول، بينما تُفضل بكين التعريف الثاني أو الثالث.
اقرأ أيضًا: تصعيد فرنسي أمريكي ضد بكين وموسكو
من العقارات إلى التصنيع.. نقطة التحول الهيكلية
تربط عالية أكرم، استراتيجي أول الأسواق العالمية في "نعيم القابضة للاستثمارات المالية"، بين أزمة فائض الإنتاج الحالية والانكماش الهيكلي في قطاع العقارات الصيني الذي دام لسنوات. وتقول: "أدى انهيار قطاع العقارات إلى تراجع حاد في الطلب المحلي على الصلب ومواد البناء. ومع شح الاقتراض العقاري، تحررت المدخرات الفائضة لتتوجه نحو الاستثمار في تكنولوجيات المستقبل مثل السيارات الكهربائية، والرقائق، ومصانع الخلايا الشمسية؛ وهو توجه دعمته بكين بقوة كبديل لنمط النمو القائم على العقارات والاستهلاك الفردي".
ونتيجة لهذه الطفرة الاستثمارية، تراجعت هوامش صافي الربح لقطاع التصنيع الصيني ككل إلى أقل من 4% في أوائل عام 2024، مقارنة بمتوسط 6% في أواخر العقد الماضي، مما دفع المنتجين الصينيين لخفض الأسعار وضخ السلع للخارج لتعويض ضعف ربحية السوق المحلي.
التبعات الاقتصادية للإغراق التجاري الصيني
يرى الأستاذ الدكتور عمر غرايبة، أستاذ الاقتصاد في جامعة آل البيت بالأردن، أن القدرة الفائضة غير المستغلة بالكامل تفرز أزمات مزدوجة محلياً ودولياً عبر الآلية الآتية:
انكماش الهوامش المحلية (المرحلة الأولى): تؤدي زيادة المعروض وضغوط الأسعار محلياً إلى ارتفاع التكلفة الثابتة للوحدة الواحدة (العمالة، الصيانة، الإيجار)، مما يقلص ربحية الشركات الصينية.
خروج الشركات والبطالة (المرحلة الثانية): العجز عن تسييل الإنتاج قد يدفع ببعض الشركات الصينية إلى الإغلاق وتسريح العمالة، مما يرفع معدلات البطالة المحلية.
الإغراق وتصدير الأزمة (المرحلة الثالثة): لتفادي الإغلاق، تصرف الشركات فائضها في الأسواق العالمية بأسعار متدنية، مما يرفع حصة الصين السوقية ويكبح قدرة الشركات الغربية المنافسة.
الحمائية التجارية (المرحلة الرابعة): تتحرك الدول الغربية لحماية منتجيها عبر فرض قيود جمركية مشددة، مما ينقل الأزمة من النطاق الاقتصادي إلى ساحة التوترات الجيوسياسية.
فجوة العرض والطلب في خلايا الطاقة
وتتجسد هذه المعضلة بوضوح في قطاع الطاقة المتجددة، وتحديداً في صناعة خلايا الطاقة الشمسية؛ حيث تتسع الفجوة بشكل متسارع بين القدرات الإنتاجية الضخمة للصين وحجم استهلاكها الفعلي؛ ففي عام 2023 أنتجت الصين أكثر من 450 غيغاواط من خلايا الطاقة الشمسية، في حين لم يتجاوز حجم التركيب والاستهلاك المحلي حاجز 220 غيغاواط، مما يعني توجيه فائض ضخم يقدر بنحو 230 غيغاواط -وهو ما يتخطى نصف إجمالي الإنتاج- نحو الأسواق التصديرية.
وتشير توقعات مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" إلى تفاقم هذه الفجوة؛ إذ من المستهدف أن يرتفع الإنتاج الصيني إلى نحو 750 غيغاواط، وهو ما سينتج عنه فائض تصديري قياسي يقارب 500 غيغاواط في حال استقرار معدلات الاستهلاك المحلي عند مستوياتها السابقة.
سيناريوهات الحل: هل الاستثمار الأجنبي هو المخرج؟
تؤكد عالية أكرم أن حل الأزمة عبر تحفيز الطلب المحلي وتغيير سلوك الادخار لدى الأسر الصينية سيتطلب وقتاً طويلاً؛ لذا فإن السبيل الوحيد المتاح حالياً هو توسع الشركات الصينية في الاستثمار المباشر وبناء المصانع خارج حدودها. وترى أنه يتوجب على دول كـالولايات المتحدة الترحيب بهذه الاستثمارات لتخفيف حدة النزاع التجاري ونقل التكنولوجيا.
بالمقابل، يرى الدكتور عمر غرايبة أن الحل مرهون بقدرة بكين على ضبط استراتيجياتها الداخلية، وإعادة الهيكلة الصناعية عبر أدوات مالية وتنظيمية تكبح الاستثمارات في السعات الإنتاجية منخفضة الجودة، محذراً من أن استمرار الإغراق سيدفع بالشركات الغربية المتضررة إلى نقل معركتها التنافسية واستهداف الأسواق الناشئة والنامية لتعويض خسائرها في الأسواق التقليدية.
اقرأ أيضًا: تركيا تنضم لقائمة محاربي السيارات الكهربائية الصينية
