في خطوة جديدة تعكس تصاعد حدة التوتر التجاري بين بكين وواشنطن، أعلنت وزارة التجارة الصينية عن إطلاق تحقيقين يستهدفان قطاع أشباه الموصلات الأمريكي، وذلك قبل أيام قليلة من انطلاق محادثات رسمية بين الجانبين حول ملفات التجارة والاقتصاد والأمن القومي.
وأوضحت الوزارة، أنها بدأت تحقيقاً لمكافحة الإغراق يشمل أنواعاً محددة من شرائح الدوائر المتكاملة التناظرية المصنّعة في الولايات المتحدة، وهي الشرائح التي تنتجها شركات رائدة في هذا المجال مثل تكساس إنسترومنتس وأنالوغ ديفايسز.
وفي الوقت نفسه، شرعت الوزارة في تحقيق منفصل لمكافحة التمييز يتعلق بالإجراءات الأمريكية الأخيرة التي تستهدف قطاع الشرائح الصيني، وفق ما نقلته وكالة بلومبرغ.
إجراءات واشنطن ضد الشركات الصينية
تزامن الإعلان الصيني مع سلسلة خطوات أمريكية تصعيدية؛ إذ أضافت الولايات المتحدة قبل فترة قصيرة 23 شركة صينية جديدة إلى قائمتها السوداء، وتشمل هذه القائمة الكيانات التي ترى واشنطن أنها “تعمل بما يتعارض مع مصالح الأمن القومي أو السياسة الخارجية الأمريكية”، ما يترتب عليه قيود صارمة تحد من قدرة هذه الشركات على الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الأمريكية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة مثّلت إشارة واضحة إلى تمسّك واشنطن بموقفها المتشدد تجاه بكين، وهو ما دفع الأخيرة إلى الرد العلني عبر إطلاق هذه التحقيقات، في محاولة لتوجيه رسالة سياسية قبل استئناف الحوار الرسمي.
ومن المقرر أن يجتمع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فِنج في العاصمة الإسبانية مدريد خلال الأيام المقبلة، في إطار سلسلة من اللقاءات الثنائية التي ستتناول ملفات التجارة والاقتصاد والأمن القومي.
ويأتي اللقاء بعد أشهر من مفاوضات شاقة تخللتها خطوات متبادلة من التصعيد والتهدئة، فقد كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب قد جمّدت مؤقتاً بعض الرسوم الجمركية المرتفعة المفروضة على الصين، في محاولة لتهيئة أجواء أفضل للمفاوضات الجارية بين الطرفين، غير أن الملف ظلّ معقداً بسبب حساسية القطاعات المتأثرة وعلى رأسها التكنولوجيا.
أشباه الموصلات.. ساحة الصراع الجديدة
تحولت صناعة أشباه الموصلات إلى ميدان رئيسي للتجاذب بين أكبر اقتصادين في العالم؛ فالولايات المتحدة فرضت قيوداً صارمة منعت بموجبها الصين من الوصول إلى المعالجات الأكثر تقدماً في مجال الذكاء الاصطناعي، كما قيدت تصدير بعض شرائح شركة إنفيديا الأقل تطوراً، لتستخدمها كورقة ضغط إضافية في المفاوضات.
هذه القيود جاءت في وقت تعتبر فيه بكين تطوير قدراتها في صناعة الشرائح والتقنيات المرتبطة بها جزءاً أساسياً من استراتيجيتها لتعزيز استقلالها التكنولوجي وتجنب الارتهان للتقنيات الغربية. وفي المقابل، ترى واشنطن أن تمكين الصين من الوصول إلى هذه التكنولوجيا يهدد تفوقها الاستراتيجي، ويمنح بكين قوة إضافية في المجالات الاقتصادية والعسكرية.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن إعلان الصين فتح تحقيقين يستهدفان قطاع أشباه الموصلات الأمريكي قبيل المحادثات التجارية المرتقبة بين بكين وواشنطن، يعكس بوضوح أن “الحرب الاقتصادية بين القوتين لم تعد محصورة في الرسوم الجمركية التقليدية، بل انتقلت إلى قلب الصناعات الاستراتيجية الحساسة، وعلى رأسها صناعة الرقائق الإلكترونية”.
وأوضحت أن التحقيق الأول المتعلق بمكافحة الإغراق ضد شرائح الدوائر المتكاملة التناظرية الأمريكية، والثاني الخاص بمكافحة التمييز ضد القطاع الصيني، ليسا مجرد خطوات إجرائية، وإنما رسالة سياسية واقتصادية مزدوجة مفادها أن بكين لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التصعيد الأمريكي المستمر، خاصة بعد إدراج 23 شركة صينية جديدة على القائمة السوداء الأمريكية.
اقرأ أيضًا: حجم سوق أشباه الموصلات في العالم
الأبعاد الاستراتيجية للتصعيد
أشارت خضر إلى أنَّ أشباه الموصلات أصبحت تمثل “النفط الجديد” في الاقتصاد العالمي، فهي المحرك الأساسي لكل الصناعات التكنولوجية بدءاً من الهواتف الذكية وحتى تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعدات العسكرية المتطورة، وبالتالي فإن أي قيود على تداولها أو إنتاجها تعني عملياً تعطيل سلاسل توريد حيوية، وهو ما يفسر حساسية هذا الملف.
وأكدت أن واشنطن تدرك أن تفوقها التكنولوجي في مجال الرقائق يمنحها أداة ضغط استراتيجية على بكين، لذلك منعت وصول الصين إلى المعالجات الأكثر تقدماً، واستخدمت تراخيص بعض شرائح إنفيديا الأقل قوة كورقة تفاوضية، في حين تسعى الصين إلى الرد عبر الآليات القانونية والتجارية لتأكيد قدرتها على حماية صناعتها الوطنية، ولإظهار أنها لاعب قادر على المبادرة وليس فقط رد الفعل.
وحذرت خضر من أن هذا التصعيد قد تكون له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل هشاشة سلاسل التوريد بعد جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية المستمرة، وأشارت إلى أن أي قيود جديدة على حركة الرقائق أو فرض رسوم وإجراءات مضادة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في العديد من القطاعات مثل السيارات، والإلكترونيات الاستهلاكية، وأجهزة الاتصالات.
وأضافت: “العالم اليوم يعتمد على الرقائق كما يعتمد على الطاقة، وإذا استمرت الحرب التجارية في هذا القطاع، فقد نشهد ارتفاعات كبيرة في الأسعار، وتباطؤاً في الابتكار التكنولوجي، خصوصاً أن الاستثمار في بدائل محلية أو إقليمية يتطلب سنوات طويلة وتكلفة ضخمة”.
فرص الصين ومخاطرها في أشباه الموصلات
ترى خضر أن الصين، رغم الضغوط الأمريكية، لا تزال تمتلك فرصاً استراتيجية لتعزيز صناعتها المحلية عبر الاستثمار الضخم في البحث والتطوير، والشراكات مع دول لا تتماشى مع السياسات الأمريكية مثل روسيا وبعض دول آسيا وأمريكا اللاتينية، لكنها في الوقت نفسه تواجه مخاطر جدية مرتبطة بتباطؤ النمو، ونقص الخبرات التقنية في إنتاج الرقائق فائقة التطور، وهي نقطة التفوق الرئيسية للولايات المتحدة وحلفائها في تايوان وكوريا الجنوبية.
وفيما يتعلق بالمحادثات المرتقبة في مدريد بين وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنج، أشارت خضر إلى أن الأجواء المشحونة ستجعل من الصعب التوصل إلى اختراق كبير، وأضافت: “من المرجح أن تشهد هذه المحادثات سجالاً حول قضايا الأمن القومي أكثر من التجارة، لأن الطرفين باتا ينظران إلى التكنولوجيا باعتبارها سلاحاً استراتيجياً، وليس مجرد سلعة تبادلية”.
واختتمت الدكتورة مروى خضر تصريحاتها بالتأكيد على أن العالم بأسره سيدفع ثمن هذه المواجهة إذا استمرت في التصاعد، قائلة: “المعادلة أصبحت واضحة؛ الصين تريد حماية مكانتها كقوة صاعدة في مجال التكنولوجيا، والولايات المتحدة تسعى للحفاظ على ريادتها ومنع منافسها الأكبر من اللحاق بها، وبين هذين الهدفين ستظل الأسواق العالمية رهينة للتوترات والقرارات المفاجئة”.
اقرأ المزيد: كيف يهدد الحكم الفيدرالي استراتيجية ترامب في فرض الرسوم الجمركية
