تقرير: باسل محمود
في خطوة تعكس عمق التحوّلات في الحرب التجارية الأمريكية الصينية، أعلنت بكين تعديلًا جذريًا في تعريف “بلد المنشأ” للرقائق الإلكترونية، فيما يُعدّ أحد أكثر التحركات التنظيمية تأثيرًا على خارطة أشباه الموصلات العالمية، بحسب صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست”.
هذا التعديل، الذي يأتي وسط موجة جديدة من الرسوم الجمركية المتبادلة، يعكس تصميم الصين على تعزيز سيادتها التكنولوجية واستباق خطوات إدارة ترامب الساعية لإعادة تصنيع الرقائق الإلكترونية إلى الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أنّ التداعيات الكاملة للقرار لا تزال تتبلور إلا أن تأثيراته المباشرة ظهرت سريعًا في أسواق المال وفي سلوك سلاسل التوريد، حيث تُشير المؤشرات الأولية إلى أن بكين تُعيد صياغة المشهد الصناعي العالمي لمصلحتها، بتكتيك تنظيمي هذه المرة، لا عبر الدعم المالي فقط.
ما هو تعديل تعريف بلد المنشأ للرقائق في الصين؟
بحسب ما أبلغت به رابطة صناعة أشباه الموصلات الصينية (CSIA) أعضاءها، فإن الرقائق ستُعتبر “صينية المنشأ” إذا تم تصنيعها ماديًا داخل الصين، بغض النظر عن مكان التغليف أو الاختبار أو التصميم، حيث يُلغي هذا التعديل الاعتماد السابق على مبدأ “التحوّل الصناعي الأخير” الذي كان يُستخدم عالميًا لتحديد بلد المنشأ.
الهدف الاستراتيجي من هذه الخطوة واضح، وهو تحصين المنتجات الصينية من الرسوم الجمركية الأمريكية عبر إظهارها كمنتجات محلية، وتقديمها بشكل تنافسي في الأسواق العالمية، وتوسيع الحصة السوقية للمصانع الصينية في ظل القيود الغربية.
شركات الرقائق الإلكترونية تنتعش بعد القرار
فور إعلان القرار، قفزت أسهم كبرى شركات تصنيع الرقائق في الصين، فقد ارتفعت أسهم شركة “SMIC”، أضخم منتج للرقائق في البلاد، بنسبة 5.9%، فيما صعدت أسهم Hua Hong Semiconductor بنسبة 14% في بورصة هونغ كونغ.
وبحسب شركة الاستشارات التقنية “ICWise”، فإن هذه الخطوة تُشكل دعمًا مباشرًا للمصانع المحلية وتُضعف جهود الولايات المتحدة لإعادة تصنيع الرقائق الإلكترونية إلى الداخل. كما علّقت الشركة في مذكرة تحليلية بأن: “الرسوم الأمريكية تُعيد تصدير التصنيع من جديد، بدلًا من إعادته إلى الوطن”.
ضغوط على سلاسل التوريد الأمريكية
بدأت شركات أمريكية مثل ميكرون تكنولوجي (Micron) في تحميل عملائها التكاليف الناتجة عن الرسوم، بإضافة رسوم إضافية اعتبارًا من الأربعاء الماضي، وفقًا لما أوردته وكالة “رويترز”.
هذه التكاليف ستمتد على الأرجح إلى شركات الإلكترونيات الأمريكية الكبرى، ما يُثير مخاوف من تضخّم تراكمي في أسعار المنتجات النهائية، من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية.
لكن تأثير القرار الصيني يبقى غير شامل، إذ لم تطل الرسوم الجديدة شركات مثل TSMC التايوانية وسامسونغ الكورية، اللتان تُعدّان موردتين رئيسيتين لعمالقة التكنولوجيا الأمريكيين مثل آبل، وكوالكوم، ونفيديا، مما يُخفف من خطر اضطرابات كبرى في سلاسل التوريد على المدى القريب.
تداعيات محتملة على التجارة العالمية
تُشير مؤشرات السوق إلى أن تعديل تعريف المنشأ قد يؤدي إلى زيادة النزاعات التجارية أمام منظمة التجارة العالمية، خاصة من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، اللذين يعتمدان في الكثير من الاتفاقيات التجارية على مبدأ “التحوّل الصناعي” التقليدي.
في هذا السياق، قد تُطالب واشنطن بفرض قواعد منشأ أكثر صرامة في اتفاقياتها التجارية، ما يُهدّد سلاسل التوريد العابرة للحدود، ويُدخل العالم في مرحلة جديدة من التجزئة التجارية عالية التقنية.
الصين تتجاوز الرد بالمثل وتعيد هندسة السوق
القرار الصيني جاء بالتزامن مع رفع وزارة المالية الصينية للرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية، لتصل إلى 125%، ردًا على رسوم أمريكية جديدة نسبتها 145%، دخلت حيّز التنفيذ مؤخرًا.
ورغم أن الأثر المباشر على تدفق الرقائق الأمريكية إلى الصين قد يكون محدودًا –بحسب “هي هوي”، مدير أبحاث أشباه الموصلات في شركة Omdia– إلا أن الرسالة السياسية واضحة: الصين لا تكتفي بالرد بالمثل، بل تُعيد هندسة سلاسل الإمداد وتضع قواعد لعب جديدة.
وبصرف النظر عن الأثر المباشر، فإن بكين حققت عدة أهداف؛ وهي دعم فوري للمصانع المحلية بتخفيض الحواجز الجمركية أمام منتجاتها، ورد سياسي متقن على إدارة ترامب يُظهر أن الصين قادرة على استخدام “القواعد” كسلاح في معركة التجارة، بالإضافة إلى إرباك خطط إعادة التصنيع الأمريكية من خلال تعقيد قواعد المنشأ وتوجيه سلسلة الإمداد.
لكن الخطر طويل الأمد يكمن في مزيد من التجزئة للاقتصاد العالمي، وانقسامه بين أنظمة تصنيف وإمداد متضاربة، على طريقة الحرب الباردة التكنولوجية.
الصين تدفع نحو الاكتفاء الذاتي
قرار تعريف “بلد المنشأ” ليس منعزلًا عن السياق الأوسع، فهو يأتي ضمن إستراتيجية بكين الأعمق لتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، في وقت تُنفق فيه الدولة عشرات المليارات لبناء نظام إيكولوجي متكامل للرقائق، من المواد الخام إلى معدات التصنيع الدقيقة.
وفي هذا السياق، يقول “هي هوي”: “الصين تُدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط في التصنيع بل في التحكم بالمواد والمعدات والتصميم، وهذا يتطلب سنوات، لكنها بدأت تُغيّر القواعد من الأعلى إلى الأسفل”.
وتُظهر بيانات الجمارك الصينية أن واردات الصين من الرقائق الإلكترونية بلغت 386 مليار دولار في 2024، بزيادة 10.4% مقارنة بالعام السابق، ورغم أنّ هذا الرقم يُجسد أهمية هذا القطاع للاقتصاد الصيني إلا أنّه يُبرز الفجوة بين الطموح والاكتفاء الفعلي في الوقت ذاته.
هل يشكل القرار تحوّلًا في ميزان القوى العالمي؟
بالنسبة للصين، يُعد هذا القرار جزءًا من حملة أوسع لكسب الوقت والمساحة السياسية والاقتصادية حتى تكتمل سلسلة القيمة المحلية للرقائق. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة لإعادة بناء منظومتها التصنيعية داخل حدودها عبر استثمارات ضخمة، لكنها تواجه تحديات تتعلق بالمهارات، وسلاسل التوريد، والتكاليف.
المعركة لم تُحسم بعد، لكن تعديل تعريف “بلد المنشأ” يُظهر أن الصين لم تعد تكتفي بالدفاع، بل انتقلت للهجوم التنظيمي، فما يجري اليوم في قطاع الرقائق لا يتعلق فقط بمنافسة تجارية أو تقنيات جديدة، وإنّما بمن يضع قواعد النظام التكنولوجي العالمي في القرن الـ21.
وفي الوقت الذي تستعد فيه شركات العالم لإعادة رسم خرائط سلاسل التوريد، تُعلن بكين -بخطوة واحدة- أنها ليست فقط لاعبًا صناعيًا، ولكن مُصمِّمًا لقواعد اللعب نفسها.
قد يهمّك أيضًا: صراع أمريكي-تايواني على صناعة الرقائق وتهديدات ترامب بالتعريفات
