تقارير اقتصادية

    حرب تجارية مُشتعلة: الصين ترد على الرسوم الأمريكية بتصعيد جديد

    •آخر تحديث •6 دقائق
    حرب تجارية مُشتعلة: الصين ترد على الرسوم الأمريكية بتصعيد جديد

    يبدو أنَّ المواجهة التجارية بين أمريكا والصين بسبب الرسوم الجمركية تتجه نحو مزيد من التصعيد، وسط تهديدات متبادلة وإجراءات انتقامية مستمرة، وبينما تتأثر الأسواق العالمية بهذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: هل ستعود الدولتان إلى طاولة المفاوضات قريبًا، أم أنَّ العالم مقبل على جولة جديدة من الحروب التجارية التي قد تعمّق الأزمات الاقتصادية العالمية؟

    تفاصيل الرسوم الجمركية الصينية الجديدة

    أعلنت وزارة التجارة الصينية، فرض رسوم جمركية مضادة على مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية، في خطوة تعيد إلى الأذهان مشهد الحرب التجارية التي اندلعت بين أكبر اقتصادين في العالم عام 2018.

    يأتي هذا التصعيد بعد أن دخل قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على جميع السلع الصينية حيز التنفيذ رسميًا اليوم. وردًّا على ذلك، قررت الصين فرض تعريفات جمركية تصل إلى 15% على بعض المنتجات الأمريكية، إلى جانب رسوم أخرى على سلع مختلفة.

    بحسب البيان الرسمي الصادر عن وزارة المالية الصينية، فإنَّ الإجراءات الجديدة تشمل فرض رسوم جمركية بنسبة 15% على منتجات الفحم والغاز الطبيعي المسال، فيما سيتمّ تطبيق تعريفة جمركية بنسبة 10% على واردات النفط الخام، والآلات الزراعية، والسيارات ذات الإزاحة الكبيرة.

    وأشارت الوزارة إلى أنَّ الرسوم الجمركية الأمريكية تنتهك قواعد منظمة التجارة العالمية، مؤكدة أنّ مثل هذه الخطوات لا تقتصر آثارها على المشكلات الداخلية للولايات المتحدة فحسب، بل تمتد إلى التأثير سلبًا على التعاون الاقتصادي والتجاري الطبيعي بين البلدين. ومن المقرر أن تدخل التعريفات الصينية الجديدة حيز التنفيذ اعتبارًا من 10 فبراير المقبل.

    حرب التعريفات:معركة الهيمنة بين واشنطن وبكين.. تعرّف على التفاصيل!

    تراجع ترامب عن فرض رسوم على المكسيك وكندا

    في سياق متصل، علّق الرئيس الأمريكي، أمس الاثنين، تهديده بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كندا والمكسيك في اللحظات الأخيرة، حيث وافق على تأجيل القرار لمدة 30 يومًا مقابل تشديد الرقابة الحدودية ومكافحة الجريمة المنظمة.

    ومع ذلك، لم يُظهر البيت الأبيض أيّ نية مماثلة تجاه الصين، حيث صرّح مُتحدث باسم الإدارة الأمريكية، في بيان رسمي، أنّ ترامب لن يجري أيّ محادثات مع نظيره الصيني، شي جين بينغ، قبل وقت لاحق من هذا الأسبوع.

    ومما يجدر ذكره في هذا السياق أنّ الحرب التجارية بين واشنطن وبكين بدأت خلال الولاية الأولى لترامب في عام 2018، عندما قرّرت الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية واسعة على الواردات الصينية، مُبَرِّرة ذلك بفائض الصين التجاري الكبير مع أمريكا.

    وعلى مدى عامين، تبادل البلدان فرض رسوم جمركية على سلع بمئات المليارات من الدولارات، مما أدى إلى اضطراب سلاسل التوريد العالمية، وأثّر بشكل ملحوظ على الاقتصاد الدولي. وفي عام 2020، توصَّلت الصين إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يقضي بزيادة مشترياتها من السلع الأمريكية بقيمة 200 مليار دولار سنويًا، لكن جائحة كوفيد-19 أدّت إلى تعطيل هذه الخطة، مما أسهم في زيادة العجز التجاري لصالح الصين ليصل إلى 361 مليار دولار سنويًا.

    تصعيد جديد وتهديدات إضافية

    في أحدث تصريحاته، حذّر ترامب من إمكانية فرض المزيد من الرسوم الجمركية على الصين، ما لم تتخذ بكين إجراءات جادة لوقف تدفُّق مادة الفنتانيل، وهي مادة أفيونية قويّة تتسبب في آلاف الوفيات سنويًا في الولايات المتحدة.

    من جانبها، رفضت الصين تحميلها مسؤولية أزمة الفنتانيل، مشيرةً إلى أنَّ المشكلة تَخُص الولايات المتحدة نفسها. كما أكَّدت وزارة التجارة الصينية أنّها ستقدم طعنًا رسميًا ضد الرسوم الأمريكية في منظمة التجارة العالمية، مع اتخاذ تدابير انتقامية أخرى، لكنّها في الوقت ذاته لم تستبعد إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات.

    ورغم تعليق الرسوم المفروضة على الشركاء التجاريين في أمريكا الشمالية، إلَّا أنَّ كندا لم تتأخر في الردّ، حيث أعلن رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، عن فرض رسوم جمركية انتقامية على سلع أمريكية بقيمة 155 مليار دولار.

    أما بالنسبة للمكسيك، فقد أكَّدت رئيسة البلاد، كلوديا شينباوم، أنَّها سترُد بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأمريكية، في خطوة تعكس تصاعد المواجهات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها الدوليين.

    اقرأ أيضًا: ترامب يشعل حربًا تجارية بفرض رسوم جمركية جديدة

    تأثير الحرب التجارية على الاقتصاد العالمي

    ومن جهتها، أكَّدت حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أنَّ تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين يُشَكِّل تحديًا كبيرًا للاقتصاد العالمي، حيث تتجه العلاقات التجارية بين البلدين نحو مزيد من التعقيد مع فرض رسوم جمركية متبادلة، مما يؤثر بشكل مباشر على التجارة الدولية، الأسواق المالية، والنمو الاقتصادي.

    وأوضحت رمسيس في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أنَّ قرار الصين بفرض رسوم جمركية على مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية، جاء كردّ فعل على الرسوم التي فرضتها الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب. وتشمل الإجراءات الصينية فرض تعريفات جمركية بنسبة 15% على الفحم والغاز الطبيعي المسال، بالإضافة إلى 10% على النفط الخام والآلات الزراعية والسيارات ذات الإزاحة الكبيرة.

    وأضافت أنَّ هذه الرسوم تأتي في وقت حساس، حيث لا تزال الأسواق العالمية تحاول التعافي من تداعيات الأزمات الاقتصادية السابقة، مشيرةً إلى أنّ مثل هذه الإجراءات تُعزز حالة عدم اليقين في الأسواق وتؤدي إلى اضطراب سلاسل التوريد، مما قد يرفع تكاليف الإنتاج ويؤثر سلبًا على معدلات النمو.

    تأثير التعريفات الجمركية على الاقتصاد الأمريكي

    أكَّدت رمسيس أنّ الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الصينية قد توفر بعض الدعم للصناعات المحلية على المدى القصير، لكنّها في المقابل ترفع تكلفة الإنتاج على الشركات الأمريكية، مما قد يدفع المستهلك النهائي إلى تحمل أعباء إضافية من خلال ارتفاع الأسعار. كما أنَّ القطاع الزراعي الأمريكي قد يتضرر بشكل كبير، خاصةً مع فرض الصين تعريفات جمركية على المنتجات الزراعية، وهو ما سيؤثر على المزارعين الأمريكيين الذين يعتمدون على السوق الصينية كمصدر رئيس لصادراتهم.

    اطّلع على التقرير الشامل: حرب ترامب التجارية.. “الألم للأمريكيين” قد يسبق المكاسب

    تأثير الرسوم الأمريكية على الاقتصاد الصيني

    أشارت رمسيس إلى أنَّ فرض رسوم جمركية على الصادرات الصينية سيحد من قدرة الشركات على المنافسة في الأسواق الأمريكية، لكن بكين تمتلك أدوات مالية قوية تستطيع من خلالها التخفيف من الأضرار، مثل دعم القطاعات المتضررة، وتعزيز الاستهلاك المحلي، وتوسيع العلاقات التجارية مع دول أخرى مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والهند.

    تأثير التصعيد على الأسواق المالية

    أدى تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين إلى موجة بيع واسعة في الأسواق المالية العالمية، حيث تعرضت الأسواق لضغوط كبيرة عقب إعلان ترامب عن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كندا والمكسيك، و10% على الصين.

    ومن جهتها، ترى رمسيس أنَّ المستثمرين يفضلون الابتعاد عن المخاطر خلال فترات التوترات التجارية، مما يؤدي إلى موجات بيع واسعة في البورصات العالمية، كما حدث مؤخرًا بعد إعلان ترامب عن فرض رسوم جديدة على الصين وكندا والمكسيك. وأشارت إلى أنَّ هذا الضغط على الأسواق قد يؤدي إلى فقدان الثقة في الاستثمار، مما يزيد من التقلبات الاقتصادية.

    تعرّف على التأثيرات المحتملة لرسوم ترامب الجمركية في هذا التقرير الشامل!

    طاولة المفاوضات

    فيما يخص الحلول المتاحة، أوضحت رمسيس أنَّ الحرب التجارية لا تخدم مصالح أيّ من الطرفين على المدى الطويل، خاصةً مع تزايد الضغوط الداخلية على حكومتي البلدين من قبل الشركات المتضررة، وبالتالي فإنَّ العودة إلى طاولة المفاوضات تبقى الخيار الأفضل لتجنُّب المزيد من التصعيد الذي قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية أكثر خطورة

    واختتمت الخبيرة الاقتصادية تصريحاتها بالتأكيد على أنَّ هذه الحرب التجارية ليست مجرد صراع اقتصادي، بل تعكس منافسة جيوسياسية بين القوتين العظميين، مشيرةً إلى أنَّ الأسواق العالمية تترقّب الخطوات القادمة من كلا الجانبين، في انتظار ما إذا كان التصعيد سيستمر، أم أنَّ هناك بوادر انفراجة في الأفق.

    قد يهمّك أيضًا: رسوم ترامب الجمركية تهدد اقتصاد الشرق الأوسط