تقارير اقتصادية

    23 تريليون دولار مدخرات صينية تبحث عن بدائل خارج الأسهم

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •6 دقائق
    مدخرات صينية
    رجل ينظر إلي مؤشرات السوق الصينية

    تواجه الأسر الصينية معضلة استثمارية غير مسبوقة، حيث يقدر حجم الفوائض الادخارية بنحو 23 تريليون دولار تتراكم في البنوك، في وقت فقدت فيه القنوات التقليدية مثل العقارات والسندات وصناديق إدارة الثروات جاذبيتها تدريجياً. وأمام هذا الانسداد، بدأ جزء متزايد من هذه السيولة يتجه نحو سوق الأسهم الصينية، ليعيد تسليط الضوء محلياً ودولياً على البورصات في شنغهاي وشنتشن.

    ويظهر ذلك بوضوح في أداء مؤشر “CSI 300″، الذي يضم أكبر 300 شركة مدرجة في السوقين، إذ سجل قفزة تفوق 25% منذ أبريل الماضي، ما يعكس مزيجاً من العوامل، تبدأ من الرهانات المتزايدة على قطاع الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى التحولات الأخيرة في نبرة السياسة الأمريكية تجاه بكين، وفقاً لوكالة بلومبرغ.

    لماذا تتحول الأسر الصينية إلى الأسهم؟

    التحول المتزايد نحو الأسهم الصينية لا يعكس بالضرورة إقبالاً مفاجئاً على المخاطر، بقدر ما يجسد انسداد قنوات الاستثمار التقليدية أمام المدخرين؛ فالمنتجات البنكية الكلاسيكية، مثل شهادات الإيداع والودائع لأجل، لم تعد مجزية، إذ تراجعت عوائدها إلى نحو 1.3% على مدى خمس سنوات، مقارنةً بـ 2.75% قبل خمسة أعوام، أما الودائع تحت الطلب فتكاد عوائدها تكون معدومة عند 0.05% فقط.

    ولم تسلم حتى صناديق أسواق المال من هذا الانحدار؛ فصندوق “Tianhong Yu’E Bao” – أحد أبرز هذه الأدوات – هبط عائده إلى نحو 1.1% فقط، أي أقل من نصف مستواه المسجل في مطلع 2024. هذه الأرقام مجتمعة تجعل المستثمر الفرد يشعر بأن مدخراته تتآكل تحت وطأة التضخم، ما يدفعه إلى البحث عن بدائل أكثر ديناميكية، وعلى رأسها سوق الأسهم.

    العقارات.. من الملاذ الآمن إلى عبء نفسي

    على مدى عقود كانت العقارات الاستثمار الأهم بالنسبة للصينيين، خيث كانت الشقق والمنازل وسيلة لتأمين الثروة وتوريثها، لكن منذ أربع سنوات يمر القطاع بأزمة خانقة؛ فالأسعار تراجعت، والمشاريع غير المكتملة تزايدت، والمطورون غارقون في الديون، كما أن تصريحات الرئيس شي جين بينغ بأن “المنازل للعيش لا للمضاربة” رسّخت توجهاً رسمياً لخفض حرارة السوق، حتى بالنسبة للأسر لم يعد العقار استثماراً مضموناً، فالخوف من تكرار أزمة إيفرغراند، أو كانتري غاردن، جعل من الاحتفاظ بالسيولة أو التوجه نحو الأسهم خياراً أكثر عقلانية.

    السندات.. عوائد ضعيفة وخسائر متكررة

    المستثمرون الذين جرّبوا السندات الصينية في السنوات الأخيرة واجهوا خيبة أمل، فوفقاً لمؤشر “Bloomberg” للعوائد الكلية سجَّلت السوق خسائر شهرية متكررة في 2025، حتى مع ارتفاع طفيف في العوائد، كما أنّ السندات الحكومية لأجل عشر سنوات تعطي حالياً 1.8% فقط، مقابل متوسط 2.58% خلال السنوات الخمس الماضية، وهذا الفارق يعكس ضعف العائد المعدل للمخاطر، خاصة عندما تعرض البنوك العالمية سندات أمريكية أو أوروبية بعوائد تفوق 4%.

    منتجات إدارة الثروات والتأمين.. بريق خافت

    منذ سنوات، كانت منتجات إدارة الثروات (WMPs) التي تطرحها البنوك الصينية، بمثابة حلقة وسطى بين الودائع والأسهم، تمنح عوائد معقولة مع مخاطرة محدودة، لكن العوائد تراجعت إلى أقل من 3%، وفقدت هذه المنتجات جاذبيتها.

    علاوة على ذلك، هبطت عوائد التأمين على الحياة، مثل سياسات “Ping An Insurance”، من 4.3% قبل جائحة كورونا إلى 2.5% حالياً، الأمر الذي جعل المستثمرين الأفراد ينظرون إلى الأسهم كخيار وحيد تقريباً يوفر إمكانية تحقيق عائد أعلى.

    عودة شعار “لا بديل عن الأسهم”

    في الأسواق المالية، هناك مقولة شهيرة: (TINA – There Is No Alternative) أي (لا بديل)، وهذا الشعار الذي ارتبط سابقاً بالأسواق الأمريكية بعد الأزمة المالية العالمية يُعاد إحياؤه اليوم في الصين.

    ويقول ويليام براتون، رئيس أبحاث الأسهم النقدية في آسيا لدى BNP Paribas Exane: “الضغط على الادخار يتلاشى، والمدخرات الضخمة هي السبب الذي يجعلنا إيجابيين هيكلياً تجاه السوق الصينية”، لكن هذا التفاؤل لا يقوم فقط على قلة البدائل، بل على الزخم الفعلي للأسواق، مع توقعات من “JPMorgan Chase” بتدفق نحو 350 مليار دولار إضافية إلى الأسهم بحلول 2026.

    من يقود السوق؟

    اللافت أن الأفراد لم يكونوا المحرك الرئيس وراء موجة الصعود الأخيرة في السوق، إذ تشير بيانات غولدمان ساكس إلى أن المؤسسات المحلية والتدفقات الأجنبية شكّلت القوة الدافعة الأكبر منذ أبريل الماضي. ومع ذلك، يبقى دور صغار المستثمرين محورياً في استدامة أي موجة صاعدة؛ فمشاركتهم الواسعة غالباً ما تمثل “مُسرّعاً” يمكن أن يدفع المؤشرات إلى اختراق مستويات نفسية حساسة.

    وفي هذا السياق، يُنظر إلى دخول الأفراد بكثافة باعتباره عاملاً قادراً على تعميق الاتجاه الصعودي وتعزيز الثقة بالسوق، تماماً كما يحدث عند تجاوز مستويات مفصلية في أسواق العملات، مثل حاجز 1.2 دولار لليورو مقابل الدولار في المقارنات العالمية.

    الذكاء الاصطناعي يقود الطفرة الاستثمارية

    جانب آخر لا يمكن تجاهله هو الحماس المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث قادت أسهم شركات التكنولوجيا والإنترنت موجة الصعود، مع إعلان خطط استثمارية ضخمة في الحوسبة السحابية، وأشباه الموصلات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

    هذا الاتجاه يعيد للأذهان الطفرة التكنولوجية مطلع الألفية، لكنه هذه المرة يأتي مدعوماً بتوجه حكومي لدعم الابتكار المحلي وتقليل الاعتماد على التقنيات الغربية، وهذا التلاقي بين رأس المال الخاص والسياسات الرسمية قد يوفر للسوق زخماً طويل الأجل.

    قد يهمّك أيضًا: الذكاء الاصطناعي بين التنافس الصيني الأمريكي والتعاون الإجباري

    قيود على الاستثمار الخارجي

    حتى لو أرادت الأسر الصينية تنويع مدخراتها عبر الاستثمار في الخارج، فإن الأبواب موصدة تقريباً، حيث إنَّ القوانين لا تسمح بتحويل أكثر من 50 ألف دولار سنوياً إلى عملات أجنبية للفرد، كما أن الصناديق التي توفر استثماراً عالمياً تعمل ضمن حصص محدودة.

    وحتى إذا نجح المستثمر في الوصول إلى هذه الأدوات فإنه يواجه ضريبة محلية بنسبة 20% على الدخل من الاستثمارات الخارجية، ما يترك المستثمر الصيني محاصراً في الداخل، الأمر الذي يعزز تدفق السيولة نحو السوق المحلية.

    تأثير تدفق المدخرات على الاقتصاد الصيني

    يحمل تدفق المدخرات الصينية نحو سوق الأسهم أبعاداً مزدوجة على مستوى الاقتصاد الكلي؛ فمن الجانب الإيجابي يسهم تعزيز أسواق رأس المال في توفير مصادر تمويل إضافية للشركات المدرجة، لاسيما في القطاعات التكنولوجية التي تحتاج إلى سيولة ضخمة لدعم الابتكار والتوسع. غير أن الصورة ليست خالية من المخاطر؛ إذ إن الاعتماد المفرط على الأسهم قد يفاقم هشاشة الاستهلاك المحلي في حال تعرضت السوق لتقلبات حادة، حيث ترتبط الثروة المالية للأسر بشكل مباشر بأداء محافظها الاستثمارية.

    وفي هذا السياق، يراقب بنك الشعب الصيني التطورات من كثب؛ فبينما يرحب بدور الأسواق في تحفيز النمو، يبقى هاجسه الأساسي تجنّب نشوء فقاعة مضاربية جديدة على غرار ما حدث في عام 2015، حيث دخل وقتها ملايين الأفراد الجدد سوق الأسهم، مستدينين عبر التمويل بالهامش، ما أدى إلى صعود مذهل ثم انهيار مؤلم.

    يقول المحللون إن الوضع مختلف نسبياً اليوم؛ فالمشاركة المؤسسية أكبر، والتدفقات الأجنبية أكثر ثباتاً، لكن المخاطر لا تزال قائمة، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية مع الولايات المتحدة واحتمال عودة السياسات الحمائية، وأي تراجع في الثقة قد يؤدي إلى موجة خروج سريعة من السوق.

    التحديات أمام بكين

    تواجه الحكومة الصينية معادلة دقيقة؛ فهي تسعى إلى جذب المدخرات الضخمة نحو سوق الأسهم لدعم النشاط الاقتصادي، لكنها في الوقت ذاته تخشى من تكرار سيناريو الفقاعات، لذلك تعمل بكين على تشديد الرقابة على التداول بالهامش، وتعزيز معايير الشفافية والإفصاح، إلى جانب تشجيع الاستثمارات طويلة الأجل عبر صناديق التقاعد والصناديق السيادية. هذه الإجراءات تعكس إدراك السلطات أن البورصة لم تعد مجرد ساحة مالية، بل غدت أداة استراتيجية تعكس متانة الاقتصاد الصيني وقدرته على استقطاب الثقة.

    وفي ظل تراكم مدخرات تقترب من 23 تريليون دولار، وتراجع جاذبية البدائل الاستثمارية محلياً وخارجياً، تبدو الأسهم الوجهة الأبرز أمام الأسر الصينية، ويُرجح أن يستمر هذا التدفق لسنوات، ما دامت العوائد في العقارات والسندات والودائع عند مستوياتها الضعيفة، لكن المخاطر تبقى قائمة، سواء نتيجة التوترات الجيوسياسية أو احتمالات تضخم فقاعات مالية. وما هو مؤكد أن أسواق الصين ستظل تحت مجهر العالم، ليس فقط كمؤشر على قوة اقتصادها الداخلي، بل كعامل مؤثر في إعادة رسم ملامح المشهد المالي العالمي.

    اقرأ أيضًا: موجة تفاؤل في سوق الأسهم الصينية مع دخول المستثمرين الصغار