تقارير اقتصادية

    الصين تبني محطات فحم جديدة حتى 2027 رغم وعودها المناخية

    •آخر تحديث •4 دقائق
    الصين تبني محطات فحم جديدة حتى 2027 رغم وعودها المناخية

    تقرير: باسل محمود
    في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم نحو التخلص التدريجي من الفحم، تفاجئ الصين الأسواق بسياسة مزدوجة، وهي استمرار بناء محطات الفحم حتى عام 2027، مع تشديد القيود على كفاءتها البيئية، وقد حدّدت بكين ملامح استراتيجيتها الجديدة التي تعكس واقعًا معقدًا يجمع بين التزامات مناخية متصاعدة واحتياجات أمن طاقة لا يمكن تجاهلها، في خطة صدرت نهاية مارس.

    بحسب بلومبرج، القرار الذي صدر عن اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح (NDRC)، ومعها عدد من الهيئات الحكومية، يؤكد أن الصين لا تزال ترى في الفحم مصدرًا احتياطيًا لا غنى عنه في نظامها الطاقوي، حتى في ظل الاندفاعة الهائلة نحو الطاقة المتجددة.

    دعم احتياطي ضمن انتقال مدروس

    تسمح الخطة الحكومية بإنشاء محطات فحم جديدة في المناطق التي تعاني من ضعف سعة الكهرباء، أو التي تفتقر إلى قدرة موثوقة على موازنة تقلبات مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح.

    وتشير الوثيقة إلى أن الاعتماد المتزايد على الطاقة النظيفة، يحتاج إلى أدوات مرنة لموازنة العرض، وهو ما توفره محطات الفحم القادرة على التدخل السريع عند الحاجة.

    هذا التوجه يُعرف في أدبيات الطاقة بسياسات “الدعم الاحتياطي”، وهو ما يُفسّر سبب استمرار الصين في بناء محطات جديدة، حتى في الوقت الذي تتراجع فيه فعليًا نسبة استهلاك الفحم.

    لكن السماح ببناء محطات فحم جديدة، لا يعني العودة إلى الوراء بالكامل؛ فالحكومة الصينية شددت في خطتها على أن بعض المحطات الجديدة ستُشغّل أقل من 20% من الوقت فقط، والمحطات القديمة يجب أن تعمل بمعدلات استخدام تتراوح بين 25 و40%، كما أن جميع المحطات الجديدة يجب أن تلتزم بكفاءة حرق أعلى، وتُحقق خفضًا في كثافة الكربون يتراوح بين 10 و20%، مقارنة بالمستوى الحالي.

    بمعنى آخر، الصين لا تُطلق يد الفحم بشكل مطلق، بل تُعيد تصميم دوره ليكون “اللاعب الاحتياطي” في منظومة طاقة متجددة، وليس القائد كما في الماضي.

    اقرأ أيضًا: الصين تعيد رسم خريطة الرقائق الإلكترونية بقرار “بلد المنشأ” الجديد

    انخفاض الإنتاج وارتفاع عدد المحطات

    الملفت في توقيت الخطة الجديدة أن إنتاج الصين من الكهرباء الحرارية، التي يشكّل الفحم وقودها الأساسي، انخفض بنسبة 5.8% خلال أول شهرين من العام الجاري، بحسب بيانات رسمية، ويُعزى هذا الانخفاض إلى عاملين رئيسيين؛ هما الشتاء المعتدل الذي قلّص الطلب على التدفئة، والتباطؤ الاقتصادي الذي أثّر على النشاط الصناعي.

    في المقابل، زادت حصة مصادر الطاقة المتجددة (الرياح والطاقة الشمسية) في مزيج توليد الكهرباء، مما قلّص الحاجة الفعلية لتشغيل محطات الفحم، لكن هذا لا يعني أن الفحم أصبح غير ضروري، بل على العكس، فإن دوره كـ”حل سريع” عند انخفاض إنتاج الطاقة المتجددة يزداد أهمية، خاصة مع اعتماد الصين المتسارع على الرياح والشمس التي تُعرف بعدم الاستقرار الزمني.

    موازنة بين أمن الطاقة وأمن المناخ

    يُظهر القرار، أنَّ الصين تحاول التوفيق بين أمن الطاقة والتحولات المناخية، وهي معادلة معقّدة في دولة تُعد أكبر منتج ومستهلك للفحم في العالم، ومصدر أكثر من نصف محطات الفحم الجديدة عالميًا خلال العام الماضي، وجهة ملتزمة رسميًا بخفض استهلاك الفحم بدءًا من عام 2026، وفق تصريحات الرئيس شي جين بينغ.

    وقد شهد العام الماضي بدء إنشاء أكبر عدد من محطات الفحم في الصين خلال عقد كامل، ما أثار انتقادات دولية بشأن مصداقية تعهداتها المناخية.

    لكن بكين تُدافع عن سياستها باعتبارها “انتقالًا منظمًا” نحو الحياد الكربوني بحلول 2060، حيث ترى أن استخدام الفحم كمصدر احتياطي يُجنّبها تقلبات الأسعار والإمدادات، مثل تلك التي ضربت أوروبا خلال أزمة الطاقة بعد حرب أوكرانيا.

    اقرأ المزيد حول دور الصين في إنتاج الفحم عالميًا بالأرقام

    إشارة دولية وتوجه جديد للأسواق الناشئة

    من حيث التأثير الدولي، تُرسل الخطة الصينية إشارات معقدة، فهي من جهة، تُثبت أن العالم لا يزال بعيدًا عن التخلص الكامل من الفحم، خاصة في الأسواق الناشئة، ومن جهة أخرى، تُظهر أن الاستثمار في محطات الفحم أصبح مشروطًا وذا طبيعة مؤقتة، وليس جزءًا من النمو طويل الأجل.

    ويرى محللون في بلومبرج أن هذا التوجه قد يُشجع دولًا أخرى على تبني نهج “الفحم المؤقت” كوسيلة لتعزيز أمن الطاقة في مواجهة تقلبات الطاقة المتجددة، لكن التحدي يكمن في أن “المؤقت” في السياسات غالبًا ما يُصبح دائمًا، خاصة في القطاعات التي تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة مثل توليد الطاقة.

    رسائل لصنّاع القرار والمستثمرين

    بالنسبة لصنّاع السياسات الدوليين، يُعد قرار الصين اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الوعود المناخية، ومدى قدرة الاقتصادات الكبرى على التوفيق بين التحول الأخضر ومتطلبات الأمن الطاقوي. أما بالنسبة للمستثمرين فإن الخطة تُبرز ثلاث نقاط رئيسية:

    • الفحم لم ينته بعد، لكنه يتغير من حيث دوره الاقتصادي.
    • الصين لا تُراهن على محطة واحدة، بل تتبنى استراتيجيات متعددة لإدارة الانتقال.
    • البنية التحتية للفحم قد تستمر لعقود، مما يفرض مراجعة دقيقة لاستثمارات الطاقة التقليدية والطاقة النظيفة على حد سواء.

    تشير الوثائق إلى أن خطة بناء محطات جديدة تنتهي في 2027، دون توضيح نوايا التمديد، مما يعني أن هذه السنوات قد تمثل “الفرصة الأخيرة” لتعزيز الشبكة الاحتياطية قبل التحول الكامل إلى الطاقة المتجددة.

    ومع ذلك، فإن الصين لا تستعجل القطيعة مع الفحم، بل تُعيد تعريف علاقتها به وفق مقاربة مرنة تراعي تقلبات السوق وتحافظ على أوراق الطاقة الاستراتيجية في يدها.

    قد يهمّك أيضًا: ترامب يسعى لتقليص هيمنة الصين عبر تخزين المعادن النادرة