وافق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على مقترح يقضي بإصدار صكوك ضريبية يمولها المكلفون بالضرائب، على أن تُخصم قيمتها لاحقًا من التزاماتهم المستحقة مع منحها عائدًا مجزيًا، في خطوة تُعول عليها الدولة لتقليص احتياجاتها التمويلية العاجلة وتخفيف عبء خدمة الدين.
وفي تعقيبه على المبادرة، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد شوقي أن هذه الأداة تفتح نافذة مهمة للنقاش حول آليات إدارة السيولة العامة، لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلاً جوهريًا حول مدخلات الحل: هل تضمن هذه الصكوك تدفقات حقيقية للحاضر دون أن تتحول السيولة الراهنة إلى استنزافٍ مسبق للإيرادات المستقبلية؟
وأوضح شوقي أن الرهان الحقيقي عند البحث عن سيولة سريعة لا يقتصر على تأمين الموارد الفورية فحسب، بل يتجاوزه إلى كفالة استدامة المالية العامة، وضمان عدم ارتهان الخزانة للتزامات مُسبقة قد تُضعف حصيلتها الضريبية في الأعوام المقبلة.
المرجعية التشريعية للصكوك الضريبية في القانون المصري
وقال شوقي إن فكرة الصكوك الضريبية لها مرجعية تشريعية سابقة، إذ تناولها قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005. وأوضح أن المادة 115 من القانون نصت على إمكانية إصدار الوزير صكوكًا ضريبية يكتتب فيها الممولون وتحمل بعائد معفى من الضرائب يحدده الوزير.
وأضاف أن هذه الصكوك، وكذلك العوائد المستحقة عليها، تكون لها قوة الإبراء عند سداد الضرائب المستحقة، وفقًا لما ينظمه القانون.
وأشار إلى أن وجود هذه المرجعية التشريعية يعني أن الفكرة ليست جديدة من الناحية القانونية، لكن شكل التطبيق وآليات الإصدار والتسوية والتكلفة المالية تظل عناصر أساسية تحتاج إلى تصميم دقيق عند تفعيل الأداة.
اقرأ أيضًا: كل ما تحتاج معرفته عن الضرائب الحكومية وتأثيرها الاقتصادي
كيف تعمل الصكوك الضريبية؟
وأوضح شوقي آلية عمل الصكوك الضريبية بمثال مبسط، قائلًا إنه إذا كان أحد الممولين لديه التزام ضريبي متوقع قدره 10 ملايين جنيه بعد عام أو عامين، فإنه بدلًا من انتظار موعد استحقاق هذه الضريبة يمكن أن يكتتب حاليًا في صكوك ضريبية وفقًا للشروط والقواعد المنظمة للإصدار.
وأضاف أنه في هذه الحالة تحصل الدولة على قيمة الاكتتاب والسيولة النقدية في الوقت الحالي بدلًا من انتظار تحصيل الضريبة مستقبلًا، وعند حلول موعد استحقاق الضريبة يمكن للممول استخدام الصك، وفقًا للقواعد القانونية المنظمة، في تسوية الالتزام الضريبي المستحق عليه، وبذلك ينخفض أو ينتهي الالتزام في حدود القيمة المقبولة للتسوية.
وأوضح أن النتيجة هي حصول الدولة على السيولة في الحاضر، بينما يحصل الممول في المقابل على أداة يمكن استخدامها مستقبلًا للوفاء بالتزاماته الضريبية.
مزايا اقتصادية محتملة
وأكد شوقي أن الصكوك الضريبية تحمل مزايا متعددة للخزانة العامة حال حسن تصميمها وإدارتها؛ وفي مقدمتها تأمين تمويل مبكر، وتنويع الموارد المتاحة، ورفد إدارة السيولة والتدفقات النقدية بمرونة أكبر، فضلاً عن تقليص الاعتماد على أدوات الدين التقليدية إذا ما أُصدرت بتكلفة تنافسية.
وأوضح أن نجاح هذه الأداة في تحويل منافعها النظرية إلى واقع ملموس يحكمه ميزان دقيق؛ تشمل محدداته سعر العائد، وشروط التسوية، ومستويات الإقبال، إلى جانب مراعاة أثرها الممتد على الحصيلة الضريبية في الميزانيات المقبِلة.
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة إجراء مقارنة مستمرة بين كلفة هذه الصكوك وبدائل التمويل الأخرى، مؤكدًا أن الغاية لا تكمن في تحصيل السيولة بحد ذاتها، بل في تدبيرها بأقل سعر فائدة ممكن، ودون تحميل الموازنة العامة أعباءً إضافية مؤجلة.
اقرأ أيضًا: ديون مصر لصندوق النقد تنخفض إلى 9.3 مليار دولار
هل الصكوك متوافقة مع الشريعة؟
ولفت شوقي إلى ضرورة التعامل بحذر مع استخدام مصطلح "صكوك"، موضحًا أن الأداة لا تصبح متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية لمجرد إطلاق هذا الاسم عليها، وإنما يتحدد ذلك وفق الهيكل المالي والقانوني والأصل أو المنفعة التي يمثلها الصك وطبيعة العائد والعقود المنظمة له.
وأضاف أنه في حالة تصميم الأداة وفق هيكل متوافق مع الشريعة، يمكن تصور نموذج يقوم على أصل أو منفعة أو نشاط حقيقي، مثل صيغة الإجارة، مع وضع آلية قانونية واضحة تتيح استخدام الصك أو القيمة المعترف بها له في تسوية الالتزام الضريبي المستقبلي.
اقرأ أيضًا: الفرق بين السندات والصكوك.. للباحثين عن التعاملات المالية الإسلامية
الخطر في استباق إيرادات المستقبل
وشدد شوقي على أن نجاح الصكوك الضريبية يظل مرهونًا بالدقة الهيكلية لتصميمها المالي والقانوني؛ مؤكدًا أن المحك الفعلي لا يكمن في حجم المبالغ المجمعة عند الطرح، بل في تقييم أثرها الممتد على التدفقات الإيرادية لحظة استخدامها في تسوية المستحقات لاحقًا.
وحذّر الخبير الاقتصادي من أن يتحول إغراء السيولة اللحظية إلى فجوة مالية أعمق في الأعوام المقبِلة، لتصبح الأداة مجرد مقاصة زمنية تُرحّل الأزمة إلى المستقبل بدلاً من معالجتها جذريًا. ويتطلب هذا -بحسب شوقي- وجود نموذج مالي دقيق يُوازن بوضوح بين السيولة المُحصلة اليوم والإيرادات النقدية التي ستفقدها الدولة غدًا عند سداد الضرائب بتلك الصكوك.
وتفاديًا لسيناريوهات التعثر، دعا شوقي إلى إرساء ضوابط صارمة تُحدد سقوف الإصدار، وآليات التسوية، ومستويات العائد وكلفة التمويل؛ مشددًا على أن الصكوك الضريبية، رغم كونها أداة مرنة لتنويع الموارد، لن تؤدي دورها المنشود إلا بتحقيق توازن دقيق بين سد الاحتياجات الحالية وصيانة استدامة الموازنة العامة مستقبلاً.
اقرأ أيضًا: ما هي ضريبة الدخل في مصر؟
بناء الثقة بين مصلحة الضرائب والممولين
ومن جانبها، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن مقترح إصدار الصكوك الضريبية من شأنه أن يغير طبيعة العلاقة بين الممول ومصلحة الضرائب، في ظل علاقة استمرت لعقود وشابها قدر من عدم الثقة.
وأوضحت رمسيس أن بعض الممولين قد يحاولون التهرب ضريبيًا أو تقديم معلومات غير مكتملة بهدف خفض قيمة الضرائب المستحقة عليهم، وفي المقابل تتخذ مصلحة الضرائب إجراءاتها للحفاظ على مستحقات الدولة.
وأضافت أن المقترح يقوم على تحويل أو توريق جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية المتوقعة للدولة إلى أداة مالية، بما يسمح للممول بدفع أو استثمار مبالغ مقدمًا، ثم استخدامها لاحقًا في تسوية التزاماته الضريبية مع الحصول على عائد عليها.

وقالت رمسيس إن من أهم أهداف الصكوك الضريبية مد جسور الثقة بين مصلحة الضرائب والممولين، إلى جانب تنويع أدوات الاستثمار المتاحة وإشراك دافعي الضرائب بصورة أكبر في هذه الأدوات. وأضافت أن الموافقة على هذا النوع من الأدوات تستهدف كذلك تسهيل وتبسيط الإجراءات بين وزارة المالية ومصلحة الضرائب والممول، وبناء علاقة أكثر تعاونًا بين الأطراف.
تأتي هذه الفكرة -وفقًا لرمسيس- في إطار المحفزات الضريبية التي تنتهجها وزارة المالية خلال الفترة الحالية، ومن بينها ابتكار أدوات جديدة لتوفير السيولة اللازمة للدولة عن طريق الممولين، إذ إنّ هذا التوجه قد يساهم في تخفيف جانب من الضغوط المرتبطة بالاحتياجات التمويلية التقليدية، بدلًا من الاعتماد الكامل على أدوات الاقتراض المعتادة.
اقرأ أيضًا: مصر.. تراجع السيولة المحلية يهدد الادخار والاستثمار
دمج الاقتصاد غير الرسمي
وقالت رمسيس إن هذه الأدوات من شأنها تشجيع الممولين والأنشطة الناشطة في الاقتصاد غير الرسمي، فضلاً عن الفئات غير المنتظمة ضريبيًا، على مبادرة التعاون مع مصلحة الضرائب والاستفادة من المزايا الجديدة.
وأضافت أن هذا الطرح قد يشكل حافزًا لإفصاحهم عن إيراداتهم وسجلاتهم المالية والتعامل بصورة أكثر انتظامًا مع الإدارة الضريبية، عبر إمساك الدفاتر وتقديم البيانات المالية بدقة، بما يمهد لدمجهم تدريجيًا داخل المنظومة الرسمية، حيث سيصبح بمقدور الممول في هذه الحالة سداد جزء من التزاماته المستحقة مسبقًا في صورة أداة مالية تُحقق له عائدًا مناسبًا إلى حين تسوية موقفه الضريبي نهائيًا.
وأكدت رمسيس أن إرساء علاقة قائمة على الشراكة والتعاون بين المكلفين ومصلحة الضرائب ينعكس إيجابًا على نمو الحصيلة الإيرادية، بالتوازي مع دمج القطاع غير الرسمي في شرك الشفافية، بما يعود بالنفع على المنظومة الضريبية ككل.
ولفتت إلى أن توسيع قاعدة المكلفين وجذب شرائح جديدة يُسهم في تخفيف الضغوط وتوزيع العبء الضريبي، بدلاً من إثقال كاهل الشريحة الملتزمة حاليًا داخل الاقتصاد الرسمي.
واختتمت رمسيس بالإشارة إلى أن زيادة الإيرادات الناجمة عن اتساع هذه القاعدة قد يمنح الدولة مستقبلاً مرونة لإعادة النظر في بعض الأعباء أو الشرائح الضريبية القائمة، متى سمحت المستويات الإيرادية والأوضاع المالية بذلك.
اقرأ أيضًا: ضريبة الأرباح الرأسمالية.. هل تعيد توزيع الثروة أم تعيق الاستثمار؟
