تقارير اقتصادية

    الصراع بين إيران وإسرائيل يدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانفجار

    •آخر تحديث •6 دقائق
    الصراع بين إيران وإسرائيل يدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانفجار

    يواجه الاقتصاد العالمي موجة جديدة من عدم اليقين، وتُفرض تحديات حقيقية على الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، فبسبب الصراع بين إيران وإسرائيل، وبينما تتقلب الأسواق العالمية تحت ضغط أسعار الطاقة والمعادن والعملات، تجد الدول نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم سياساتها النقدية والمالية لمواجهة تداعيات أزمة قد تطول. 

    ووسط هذا المشهد القاتم، حذر الخبراء من تأثيرات مباشرة ستطال الأسواق الناشئة، وعلى رأسها مصر، التي ستجد نفسها مطالبة باتخاذ إجراءات استباقية جادة لتفادي موجات التضخم وتقلبات الاستثمارات وتباطؤ النمو.

    التصعيد الجيوسياسي وتداعياته الاقتصادية العالمية

    صرّح الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، بأن الاقتصاد العالمي يقف اليوم فوق “صفيح ساخن” – أو بالأدق، “فوق بركان” قابل للانفجار في أي لحظة – في ظل التصعيد المتواصل بين إيران وإسرائيل، الذي ينذر بعواقب اقتصادية كارثية تتجاوز حدود الجغرافيا، وتضرب استقرار الأسواق العالمية في مقتل.

    وأكَّد الشوربجي أنَّ هذا التوتر ليس معزولًا عن مشهد دولي متهالك، فالعالم لم يتعافَ بعد من تداعيات جائحة كورونا، وما تبعها من اضطرابات اقتصادية، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية، وما رافقها من أزمات طاقة وغذاء، وصولًا إلى تصاعد التوترات في قطاع غزة، وهجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر. وأضاف أن هذه الأزمات مجتمعة أربكت سلاسل الإمداد العالمية، وزادت من هشاشة الاقتصادات الناشئة، بل وامتدت آثارها إلى الاقتصادات المتقدمة أيضًا.

    وأشار إلى أن منطقة الخليج، وهي القلب النابض لإمدادات الطاقة العالمية، تعد أحد أكبر المتضررين المحتملين من هذا الصراع، خاصة أنها تنتج أكثر من 33% من النفط العالمي، وتضم نحو 48% من الاحتياطيات المؤكدة عالميًا، وفقًا لإحصاءات عام 2022.

    ولفت إلى أن إيران وحدها تنتج حوالي 3.2 ملايين برميل يوميًا، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة كفيلًا بإشعال أسعار النفط عالميًا، وإعادة التضخم إلى الواجهة، بعد أن بذلت البنوك المركزية جهودًا شاقة لترويضه خلال العامين الماضيين.

    وفي السياق ذاته، قال الشوربجي: “إذا تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، فإننا سنكون أمام موجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة، ما سيتبعه بالضرورة زيادة في أسعار السلع والخدمات، وعودة قوية للتضخم، وهو ما سيدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، وبالتالي تقويض آفاق النمو الاقتصادي العالمي من جديد”.

    وأوضح أن التهديد لا يقتصر فقط على الطاقة، بل يمتد إلى حركة التجارة الدولية، فالتلميحات الإيرانية بشأن إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب تعتبر تهديدًا مباشرًا لأهم ممرات الملاحة العالمية، إذ يمر عبر باب المندب وحده نحو 20% من إنتاج النفط العالمي.

    وأضاف: “أي إغلاق فعلي لهذه الممرات يعني تعطلًا في إمدادات الطاقة، وارتفاعًا حادًا في أسعار الشحن، واضطرابًا في الأسواق، ما سيُحدث صدمة اقتصادية واسعة النطاق.”

    ونوّه الشوربجي إلى أن المؤشرات بدأت بالفعل في الظهور، حيث تراجعت معظم بورصات المنطقة العربية، وألغت شركات طيران عالمية عديدة رحلاتها إلى إسرائيل، فيما أغلقت دول مثل الأردن ولبنان والعراق مجالها الجوي تحسبًا لأي تصعيد جديد، كما أشار إلى تراجع النشاط السياحي وتجميد بعض الاستثمارات، ما يعكس هشاشة المشهد وتخوف المستثمرين من مستقبل مجهول.

    اقرأ أيضًا: تداعيات المواجهة بين إيران وإسرائيل.. هل يُعاد رسم ملامح الشرق الأوسط؟

    السيناريوهات المحتملة وتداعياتها الاقتصادية الكارثية

    أوضح الشوربجي أنّه “في حال لم تتدخل القوى الدولية الكبرى بحكمة لضبط إيقاع هذا الصراع، فإننا أمام سيناريو سوداوي سيكون له تأثير مباشر على العالم بأسره” ، وبيّن أن من أبرز التداعيات المحتملة:

    • اضطراب في حركة الطيران بالمنطقة، وربما توقفه في بعض الدول.
    • ارتفاع إضافي في أسعار النفط والغاز.
    • زيادة في تكلفة الشحن والتأمين البحري.
    • ارتفاع محتمل في أسعار المعادن النفيسة وعلى رأسها الذهب.
    • تقلبات عنيفة في أسواق المال.
    • تراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية.
    • خطر الركود التضخمي مجددًا في عدد من الاقتصادات الكبرى والناشئة.

    وحذّر من أنَّ هذا الصراع بين إيران وإسرائيل لا يهدد فقط منطقة الشرق الأوسط، بل يضع الاقتصاد العالمي بأسره في مهب عاصفة جديدة، خاصة إذا ما تحوّل إلى مواجهة مفتوحة تشمل غلق الممرات الملاحية أو استهداف البنية التحتية النفطية، وهو ما سيتسبب بخسائر مالية ضخمة، وارتباك حاد في حركة التجارة والطيران والسياحة والطاقة.

    واختتم الشوربجي تصريحاته بالقول: “العالم لا يحتمل صدمة جديدة، وإذا لم تتم السيطرة على هذا الصراع سريعًا فإننا سنشهد تداعيات اقتصادية غير مسبوقة، تبدأ من مضيق هرمز، لكن نهايتها قد تصل إلى جيوب المستهلكين في أقصى العالم”.

    اقرأ أيضًا: مضيق هرمز تحت الضغط مجددًا مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

    الاقتصاد المصري في مهب العاصفة

    من جانبه، يقول الدكتور عمرو محمد يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إن المتغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي باتت تنعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة والمعادن والعملات، مشيرًا إلى أن العالم اليوم يمر بمرحلة اضطراب اقتصادي غير مسبوق، تدفع فيها الأسواق ثمن التوترات الجيوسياسية، بدءًا من الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التصعيد الحالي في الشرق الأوسط، وما صاحبه من إغلاق جزئي لحقول الغاز، وتهديدات للممرات الملاحية الحيوية، وتقلبات حادة في أسعار النفط والمعادن.

    وأكد أن الاقتصاد المصري ليس بمنأى عن هذه التأثيرات، رغم اختلاف طبيعة سوق الصرف المحلي عن أسواق الفوركس العالمية، وأوضح أن اعتماد مصر على العملة الأجنبية في تغطية الواردات، يجعل الدولار في الداخل انعكاسًا للعجز في ميزان المدفوعات، وليس فقط لتقلبات الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن الانخفاض الحاد في قيمة الدولار عالميًا لم ينعكس بنفس الحدة في السوق المصرية، نظرًا لاختلاف المعادلة الاقتصادية.

    وأشار إلى أن التوقعات بالنسبة للاقتصاد العالمي تتجه نحو مزيد من التشاؤم، مع تباطؤ النمو واستمرار الصدمات التضخمية، لافتًا إلى أن أي ارتفاع إضافي في أسعار النفط أو ارتباك في سلاسل التوريد سيؤدي حتمًا إلى موجة جديدة من التضخم العالمي، يصعب كبح جماحها بالسياسات التقليدية، خاصة وأن الأسواق بدأت تفقد ثقتها في فاعلية التيسير النقدي في ظل هذا المناخ المرتبك.

    وتطرق يوسف إلى ملف الطاقة في مصر، موضحًا أن الدولة تواجه تحديًا كبيرًا في إدارة ملف الغاز الطبيعي، خصوصًا في فصل الصيف، وأشاد بنجاح الحكومة في إبرام صفقة لشراء الغاز المسال قبل يوم واحد من ارتفاع أسعاره، بتكلفة تتجاوز 8 مليارات دولار، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوات ضرورية لتأمين احتياجات السوق المحلية من الطاقة.

    كما أشار إلى أهمية خطة الطوارئ التي أعلنت عنها وزارة البترول، والتي شملت رفع معدلات الاعتماد على المازوت والسولار لتشغيل محطات الكهرباء، وتقليص الإمدادات الموجهة إلى بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. واعتبر أن هذه الإجراءات تعكس وجود منظومة لإدارة المخاطر وليس مجرد استجابة لأزمة وقتية، وهو ما يعد نهجًا مطلوبًا في إدارة الاقتصاد خلال الفترات الحرجة.

    اقرأ المزيد: التصعيد الإيراني الإسرائيلي يضع الاقتصاد المصري أمام اختبارات قاسية

    آفاق الاستثمار والسياسة الاقتصادية في ظل المتغيرات العالمية

    أكَّد الدكتور عمرو أن زيادة التقلبات في الأسواق العالمية ستؤثر على قدرة الدول، ومن بينها مصر، على جذب استثمارات طويلة الأجل، في ظل الترقب والحذر من جانب المستثمرين الدوليين. كما أشار إلى أن التباطؤ في حركة رؤوس الأموال بات واضحًا، لا سيما مع تزايد الحديث عن تحول التوترات إلى “حرب طويلة الأمد”، ما يعمق من حالة عدم اليقين في الأسواق.

    كما أنّه حذر من أن التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري لا تقتصر على الغاز أو الطاقة فقط، بل تشمل أيضًا استمرار الضغوط التضخمية، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وعبّر عن تحفظه تجاه استمرار التيسير النقدي، مؤكدًا أن تثبيت أسعار الفائدة كان الأفضل في المرحلة الأخيرة بدلًا من المضي في تخفيضها للمرة الثانية.

    وعن القطاعات الأكثر تضررًا، أشار يوسف إلى السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج، حيث من المتوقع أن تتأثر هذه القطاعات سلبًا في حال استمرت التوترات في مضيق هرمز، أو تفاقمت الأوضاع في البحر الأحمر، وأوضح أن أي اضطراب في حركة الملاحة أو التجارة النفطية سيؤثر على الإيرادات السيادية لمصر، ما يفرض على الحكومة اتباع سياسة استباقية صارمة.

    وشدد في ختام تصريحاته على أن السياسات الاقتصادية في هذه المرحلة يجب أن تكون “مضادة للدورة”  بحيث لا نكتفي بردود الأفعال، بل نضع خططًا مالية وتجارية ونقدية موجهة لمواجهة الأزمات قبل حدوثها. كما دعا أيضًا إلى تفعيل أدوات التحوط في التعاقدات الحكومية الخاصة بالسلع الاستراتيجية، بدلًا من الاعتماد فقط على التخزين المادي، معتبرًا أن إدارة العقود أكثر فاعلية من تخزين السلع في ظل أزمات عالمية متوقعة.

    وأضاف أن السياسات التقشفية والمالية بدأت تؤتي ثمارها، لا سيما مع تخفيف العبء على الموازنة العامة وتحقيق فائض أولي، لكن استمرار هذه السياسات بحاجة إلى التزام طويل المدى، وتناغم واضح بين السياسة المالية والنقدية، لتفادي الدخول في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة.

    قد يهمّك أيضًا: تصعيد إسرائيل وإيران يفجر اضطرابًا في أسواق الطاقة والمال العالمية