اقتصادات عربية

    ما أسباب الصراع الإقليمي والدولي على سوريا؟

    •آخر تحديث •5 دقائق
    ما أسباب الصراع الإقليمي والدولي على سوريا؟

    تشهد سوريا تحولات جذرية في موازين القوى السياسية والعسكرية بعد الانهيار المفاجئ لنظام الرئيس السابق بشار الأسد، حيث أصبحت البلاد ساحة صراع مفتوح للقوى الإقليمية والدولية، التي تسعى لإعادة ترتيب نفوذها في منطقة ذات أهمية استراتيجية، وفي ظل غياب المقاتلات السورية والروسية، لأول مرة منذ سنوات تكثفت الضربات الجوية الإسرائيلية والتركية والأمريكية، ما يعكس تصاعد المنافسة بين الأطراف المختلفة لتحقيق أهدافها في سوريا.

    موازين القوى تتغير في سوريا ما بعد النظام

    يقول الدكتور أحمد عبد الفتاح، الخبير الاقتصادي، إن سوريا بموقعها الجغرافي الممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الفرات، ظلت لقرون بمثابة “جائزة استراتيجية” تخطط الدول للسيطرة عليها. هذا البعد التاريخي يجعل الصراع على النفوذ في سوريا اليوم امتداداً لصراعات طويلة الأمد، كما أبرزت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقريرها حول خريطة النفوذ الحالية داخل البلاد.

    وقد أوضح الخبير في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنّه طوال الحرب الأهلية السورية التي استمرت لأكثر من 13 عاماً كانت التحالفات الدولية واضحة؛ حيث دعمت إيران وروسيا وحزب الله اللبناني نظام الأسد بشكل مباشر، بينما وقفت الولايات المتحدة وتركيا ودول أخرى إلى جانب فصائل المعارضة المسلحة، ومع سقوط النظام يبدو أن هذه التحالفات أصبحت في موضع اختبار، مع إعادة ترتيب أولويات الأطراف المختلفة.

    دور تركيا واستراتيجيات إعادة اللاجئين

    ووفقًا لعبد الفتاح فإنّ تركيا التي تمثل لاعباً رئيسياً في المنطقة تواجه تحديات معقدة في الملف السوري؛ أولها يتمثل في قضية اللاجئين السوريين، حيث تستضيف أنقرة نحو أربعة ملايين لاجئ، وهو ما يشكل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً تهدف التخفيف منه عبر إعادة هؤلاء اللاجئين إلى مناطق شمال سوريا. أما التحدي الثاني فيتعلق بالأكراد الذين تعتبرهم تركيا تهديداً لأمنها القومي بسبب ارتباطهم بجماعات انفصالية كردية داخل أراضيها.

    وفي هذا السياق، قال عبد الفتاح إنّ تركيا لعبت دوراً محورياً في دعم الفصائل المسلحة المعارضة للنظام، بما في ذلك هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري، حيث استخدمت هذه الفصائل كأداة لتحقيق أهدافها، لا سيما إبعاد الأكراد عن المناطق الحدودية.

    التحركات الإسرائيلية في الأجواء السورية

    استغلت إسرائيل الفراغ السياسي والعسكري في سوريا لتعزيز وجودها في مرتفعات الجولان، التي تحتلها منذ عام 1973 رغم رفض المجتمع الدولي، وكان التحرك الإسرائيلي كان سريعاً، حيث تجاوزت قواتها المنطقة منزوعة السلاح لأول مرة منذ عقود، ونفذت ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية في العمق السوري، بما في ذلك مخازن أسلحة ومنشآت دفاع جوي.

    وتابع الخبير: “إسرائيل التي شنَّت خلال الحرب الأهلية ضربات متكررة ضد مواقع إيرانية وحزب الله ترى في سقوط النظام فرصة لتقليص نفوذ خصومها الإقليميين، لكنها تواجه تساؤلات حول ما إذا كان الوضع الجديد سيجعلها أكثر أمناً على المدى البعيد”.

    اقرأ أيضًا: تخفيف العقوبات على سوريا.. تحدٍ جديد للمرحلة الانتقالية

    إيران: الخاسر أو المعادِـل في المشهد الجديد؟

    تبدو إيران الخاسر الأكبر في هذا المشهد الجديد، فقد شكلت سوريا لسنوات طويلة بوابة لنفوذها في الشرق الأوسط وممراً حيوياً لنقل الأسلحة إلى حزب الله في لبنان، ومع انهيار نظام الأسد تبددت إلى حد كبير آمال إيران في الحفاظ على ما أطلقت عليه “محور المقاومة” الذي يمتد إلى البحر المتوسط.

    ورغم محاولاتها لتعزيز وجودها العسكري عبر إرسال مستشارين ومقاتلين إلى سوريا خلال الحرب الأهلية، إلا أن هذه الجهود قد تصبح بلا جدوى إذا استمر الانهيار الحالي للنظام.

    روسيا بين دعم البقاء وإعادة هندسة النفوذ

    أوضح عبدالفتاح أنّ روسيا أيضاً تواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على نفوذها في سوريا؛ فطوال السنوات الماضية كانت موسكو داعماً أساسياً لنظام الأسد، حيث قدمت الدعم العسكري والاستخباراتي، وأقامت قواعد عسكرية استراتيجية، أبرزها القاعدة البحرية في طرطوس.

    ومع ذلك، فإن انهيار النظام يضع هذه المصالح في خطر، ما يدفع روسيا إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في سوريا، ورغم محاولتها إرسال إشارات تصالحية إلى القوى المسيطرة حالياً إلا أن مستقبل وجودها العسكري والسياسي في سوريا يبدو غير واضح.

    مواقف الولايات المتحدة واستراتيجيتها السورية

    أوضح الخبير أنّ الولايات المتحدة بدورها تحتفظ بموقف متحفظ لكنه مستمر في سوريا، ورغم القطيعة الطويلة بين واشنطن ودمشق منذ عام 1967 فإن واشنطن ظلت تراقب الوضع من كثب، خاصة في ما يتعلق بمحاربة تنظيم داعش، حيث يركز الوجود الأمريكي في سوريا على ضمان عدم عودة التنظيم الإرهابي للسيطرة على مناطق جديدة، إلى جانب دعم بعض الفصائل المعارضة في شمال شرق البلاد.

    في ضوء هذه التحولات، تبدو سوريا ساحة مفتوحة لصراعات جديدة، حيث تخطط كل قوة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب وسط غياب رؤية واضحة لمستقبل البلاد، والتحدي الأكبر اليوم يتمثل في إيجاد صيغة تضمن الاستقرار الداخلي، وسط تدخلات إقليمية ودولية متشابكة تزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري.

    تحولات سياسية جديدة: مستقبل سوريا بعد سقوط نظام الأسد

    أسباب الصراع الإقليمي على سوريا

    في تصريح لها، أكدت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أن التنافس العالمي على سوريا نابع من موقعها الجغرافي المتميز وأهميتها الاستراتيجية، وقالت: “سوريا ليست مجرد دولة عادية، فهي نقطة التقاء بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، مما يجعلها مفتاحًا للتحكم في ممرات التجارة والطاقة العالمية، الأمر الذي يضعها في قلب التنافس بين القوى الكبرى”.

    وأشارت إلى أنَّ سوريا تعد مركزًا محتملاً لخطوط أنابيب النفط والغاز، قائلة: “رغم أن موارد سوريا ليست ضخمة، إلا أن قربها من دول غنية بالطاقة يجعلها ذات أهمية استراتيجية لأي مشروع لنقل الطاقة إلى أوروبا، وبالتالي فإنّ السيطرة على سوريا تفتح الباب للهيمنة على أحد أهم الأسواق العالمية”.

    وأضافت: “الصراع في سوريا يعكس انقسامًا سياسيًا ودينيًا في المنطقة، فكل طرف يدعم جهة معينة لتحقيق أهدافه: إيران تخطط لتعزيز نفوذها، بينما تركيا والسعودية تحاولان كبح التمدد الإيراني، أما روسيا وأمريكا فلكل منهما أجندته الخاصة في تعزيز نفوذه الإقليمي والدولي”.

    الأجندات الدولية ومستقبل المنطقة”

    أكدت الدكتورة خضر أنَّ “الدول الكبرى تتعامل مع سوريا كجزء من لوحة شطرنج جيوسياسية، حيث إنّ تدخل روسيا إلى جانب النظام السوري كان لتعزيز دورها كلاعب عالمي، في حين تحاول أمريكا تقليل نفوذ إيران وروسيا، أما تركيا فلديها مخاوف أمنية تتعلق بالأكراد، وهذا يزيد المشهد تعقيدًا.”

    واختتمت الخبيرة الاقتصادية تصريحاتها قائلة: “للأسف، الشعب السوري هو الخاسر الأكبر في هذا الصراع الذي تحركه المصالح الدولية والإقليمية، وما لم تتحقق تسوية ترضي جميع الأطراف ستبقى سوريا ساحة للصراعات على حساب استقرارها ورفاه شعبها”، وأشارت إلى أنّ الحل يتطلب إرادة سياسية حقيقية من القوى المتنازعة، مع إعطاء الأولوية لحقوق الشعب السوري وإعادة بناء الدولة السورية بعيدًا عن المصالح الضيقة”.

    قد يهمّك أيضًا: سوريا.. بين التحديات الداخلية والتدخلات الدولية