تقارير اقتصادية

    هل يحتمل الشرق الأوسط تداعيات حرب شاملة؟

    •آخر تحديث •6 دقائق
    هل يحتمل الشرق الأوسط تداعيات حرب شاملة؟

    تقرير: باسل محمود

    في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتأجج النزاع في غزة بين إسرائيل وحركة حماس، تعود التساؤلات حول قدرة اقتصاد منطقة الشرق الأوسط على تحمل تداعيات حرب شاملة محتملة. هذا النزاع، الذي يبدو أنه لن يهدأ قريباً، يضاف إلى سلسلة من الأزمات التي تواجهها المنطقة منذ عقود.

    تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من القلق المتزايد حول الاستقرار الاقتصادي، حيث أن التصعيد العسكري، لا يقتصر تأثيره على الأمن فقط، بل يمتد ليشمل جوانب عديدة من الحياة الاقتصادية.

    حرب شاملة في الشرق الأوسط

    التحركات العسكرية الإسرائيلية في غزة، والتهديدات الإيرانية بالرد، عقب اغتيال رئيس حركة حماس إسماعيل هنية في إيران، تتسبب في ضغوط كبيرة على الأسواق المالية، وتؤدي إلى تذبذب أسعار النفط، وتؤثر سلباً على بيئة الاستثمار والتجارة.

    التحديات الاقتصادية ليست جديدة على الشرق الأوسط، لكن التحدي الحالي يأتي في وقت حرج، حيث تسعى العديد من الدول إلى التعافي من آثار جائحة كورونا وإعادة بناء اقتصاداتها.

    وقد أبرزت الأزمات السابقة أهمية التنويع الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، ومع ذلك، يبقى النفط عاملاً حيوياً، خاصة في دول الخليج، مما يجعل أي اضطراب في أسعاره أو إنتاجه ذو تأثير كبير على الميزانيات الوطنية والتنمية الاقتصادية.

    اقرأ أيضًا: قناة السويس تدفع فاتورة الصراع في الشرق الأوسط 

    أسعار النفط

    يقول رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الدكتور كريم عادل، في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” إن مسار أسعار النفط عالمياً غير مستقر، وهو شديد الحساسية والتأثر بالأحداث العالمية.

    ويأتي ذلك نتيجة زيادة الطلب عليه بسبب الصراعات العالمية، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع أسعاره، مما يترتب عليه ارتفاعات جديدة في أسعار السلع الأساسية والاستراتيجية وارتفاع تكاليف استيرادها نتيجة زيادة أسعار الشحن والتأمين آنذاك، ومن ثم ارتفاعات في معدل التضخم، مع احتمالية تعطل سلاسل الإمداد والتوريد عالمياً.

    السيناريو الأسوأ

    أضاف رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن سيناريو الحرب الشاملة، سيكون الأسوأ على الاقتصاد العالمي، خاصةً في ظل ما فرضته العولمة بمفهومها الشامل، والتي وضعت العالم كله في سلة واحدة، وجعلت الأسواق المالية والاستثمارات الأجنبية وسلاسل التوريد والإمداد العالمية، ذات صلة وثيقة وارتباط، ومكملة لبعضها البعض، بصورة يصعب معها تفادي أو تجاوز ما يحدث في أي دولة.

    وأضاف، أن هذا الترابط يجعل الأثر ممتد، سواء توترات جيوسياسية، أو صراعات عسكرية، أو أي أزمات، سواء كانت اقتصادية، أو مالية، أو صحية، مثل ما حدث في سنوات سابقة، وما شهدناه من تأثر دول العالم وكبرى الاقتصادات به.

    تدفقات الاستثمارات في الشرق الأوسط

    منذ بداية العام 2024، شهدت منطقة الشرق الأوسط تراجعاً في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 15%، ما يعكس حالة عدم اليقين السائدة.

    المستثمرون الدوليون يتجنبون المخاطر المرتبطة بالاستثمار في بيئة غير مستقرة، ما يزيد من التحديات أمام الحكومات المحلية، التي تحاول جذب رؤوس الأموال الأجنبية لتعزيز النمو الاقتصادي.

    بالإضافة إلى ذلك، ارتفعت تكاليف التأمين على الشحنات البحرية في منطقة الخليج بنسبة 20%، مما يزيد من تكلفة التجارة ويؤثر على حركة البضائع في الأسواق العالمية.

    اقرأ أيضًا: اقتصادات الشرق الأوسط.. ضحية الصراع بين “تل أبيب وطهران”؟

    تأثير أزمة الشرق الأوسط على المستثمرين

    “تأثيرات الحرب والأوضاع المضطربة خلال الفترة الحالية، من المؤكد أنها ستؤثر على اتجاهات المستثمرين ومعدلات الاستثمار والأسواق المالية، خاصةً في الأسواق الناشئة، التي تعاني من اقتصادات هشة، حيث أن الجميع يترقب وينتظر ما ستؤول إليه هذه الأوضاع”.. بحسب كريم عادل.

    أضاف: “في مثل هذه الأوضاع يكون الذهب هو الملاذ الآمن ويحظى باهتمام المستثمرين، فقد ساهمت الأحداث الأخيرة وخلال أسبوع واحد في زيادة الاتجاه نحو الذهب وهو ما أدى لارتفاع أسعاره عالمياً، خاصة بعد خروج العديد من المستثمرين من البورصات العالمية، ومن المتوقع تجاوز سعر الأونصة مستوى 3 آلاف دولار مع نهاية العام الحالي”.

    أسواق الشرق الأوسط

    الأسواق المالية في دول الخليج، تعرضت لضغوط كبيرة، حيث شهدت البورصة السعودية تراجعاً كبيرا بنسبة 8% منذ بداية التصعيد، بينما سجلت البورصة الكويتية انخفاضاً بنسبة 6%.

    هذا الانخفاض يعكس مخاوف المستثمرين من التداعيات المحتملة للنزاع، سواء من حيث تعطيل الإنتاج أو ارتفاع تكاليف الأعمال.

    ويقول رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن التوترات الجيوسياسية، تؤثر على الموارد المالية للدول كافة، نظراً لتأثر الممرات الملاحية ذات الصلة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وكذلك تأثر قطاع السياحة لاحتمالية تعطل حركة الطيران عالمياً بصورة كلية أو جزئية، أو تخوف المسافرين، أو تحذيرات الدول لرعاياها من السفر لدولة في منطقة صراعات.

    اختلاف التداعيات من دولة إلى أخرى

    بينما يرى المحلل الاقتصادي، وليد ياسين، أن قدرة اقتصاد المنطقة العربية على تحمل حرب شاملة، تختلف من دولة لأخرى، بناء على عدة عوامل داخلية وخارجية.

    وأوضح في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنَّ على رأس هذه العوامل هو التنوع الاقتصادي، حيث أن معظم الدول العربية، تعتمد بشكل كبير على قطاع واحد أو عدة قطاعات رئيسية، مثل النفط والغاز في دول الخليج، أو الزراعة والسياحة في بعض الدول الأخرى.

    “هذا الاعتماد الكبير على قطاع محدد يجعل الاقتصادات العربية أكثر عرضة للتأثر في حال حدوث حرب شاملة، خاصة إذا تعطلت التجارة أو الإنتاج في هذا القطاع خلال فترة الحرب، ويمكن أن تتأثر صادرات النفط بسبب الهجمات على المنشآت النفطية، مما يؤدي إلى انخفاض الإيرادات”.. قال وليد ياسين.

    أضاف: “لكن في الوقت نفسه، ارتفاع أسعار النفط عالمياً قد يعوض بعض الخسائر إذا تمكنت الدول المنتجة من الحفاظ على الإنتاج”.

    والعامل الثاني هو الاحتياطيات المالية، حيث يرى ياسين، أن دول الخليج العربي، تمتلك احتياطيات مالية ضخمة، بسبب عائدات النفط، مما قد يساعدها في تمويل العمليات العسكرية وتحمل الضغوط الاقتصادية لفترة معينة، ومع ذلك، يمكن أن يؤدي انخفاض إنتاج النفط أو توقفه إلى استنزاف هذه الاحتياطيات.

    أما العامل الثالث من وجهة نظر ياسين، فهو التجارة والاستيراد، التي تعتمد عليها الدول العربية بشكل كبير لتلبية احتياجاتها الأساسية مثل الغذاء والطاقة.

    “في حال وقوع حرب شاملة، قد تتعرض طرق التجارة للإغلاق أو الحصار، مما يؤدي إلى نقص في المواد الأساسية وزيادة الأسعار”.. قال ياسين.

    ويرى الدكتور كريم عادل، أن العالم مُحاصر بإقليم ملتهب بالصراعات والحروب شمالاً وشرقاً وجنوباً وغرباً، وجميعها أحداث وصراعات بطبيعة أطرافها وأحداثها، قادرة أن تؤثر على أي اقتصاد مهما كانت قوته.

    “الأزمات العالمية السابقة أطاحت باقتصاديات دول كبرى والأمثلة على ذلك ليست ببعيدة، والاقتصاد العالمي لا يزال في مرحلة التعافي ولم يفيق من تداعيات آخر الأزمات، مما يجعل الأثر أكبر والضرر مضاعف”.. بحسب كريم عادل.

    العوامل الاجتماعية والسياسية

    “الاستقرار السياسي والاجتماعي يلعب دورًا مهما في قدرة أي اقتصاد على تحمل ضغوط الحرب، وبعض الدول العربية تواجه تحديات داخلية مثل الصراعات الطائفية أو الحركات الاحتجاجية، مما قد يزيد من تعقيد الموقف في حال اندلاع حرب شاملة”.. بحسب المحلل الاقتصادي وليد ياسين.

    أضاف أن العديد من الدول العربية، تعتمد على تحالفات دولية للحفاظ على أمنها واقتصادها، وهو عامل مؤثر في تحمل الدول العربية لتداعيات الحرب حال حدوثها، قائلا: ” الدعم الدولي في حال وقوع حرب شاملة يمكن أن يكون عاملاً مهماً، لكنه ليس مضموناً”.

    ومن العوامل أيضًا التي يرى المحلل الاقتصادي، وليد ياسين، أنها تلعب في قدرة اقتصاد دول المنطقة على تحمل تداعيات الحرب الشاملة إذا نشبت، هي الحروب السابقة، حيث شهدت الدول العربية عدة نزاعات وصراعات في السنوات الأخيرة، مثل الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج، والصراع في سوريا واليمن.

    قال ياسين: “الدول التي تعلمت من هذه التجارب قد تكون أكثر استعداداً للتعامل مع حرب شاملة”، وبشكل عام، قدرة الاقتصاد العربي على تحمل حرب شاملة محدودة، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الواردات، والاستقرار السياسي بين الدول.

    الدول التي لديها احتياطيات مالية قوية، وبنية تحتية متطورة، وعلاقات دولية قوية، قد تكون أكثر قدرة على الصمود، لكن تأثير الحرب الشاملة سيكون كبيراً على مستوى المنطقة ككل.

    العالم بوجه عام والاقتصاد العالمي بوجه خاص يواجه خطرًا شديدًا يتضاعف أثره نتيجة عدم القدرة على التعافي من الأزمات العالمية الأخيرة، مما يُنبئ بأن الأوضاع الفترة المقبلة ستكون أكثر سلباً على جميع اقتصادات العالم، خاصةً في ظل استمرار تلك الأوضاع أو الرؤية الضبابية بشأن مستقبل المنطقة والعالم.