يرى خبراء الاقتصاد أنَّ مواصلة الاستثمار في مشروعات الرمال السوداء في مصر تُمثّل نقطة تحول واعدة في مسار الاقتصاد الوطني، لما تمتلكه هذه الثروة الطبيعية من إمكانات استراتيجية قادرة على دعم التنمية المستدامة، وقد وصفها العديد منهم بـ”الحصان الرابح” للاقتصاد المصري، نظرًا لما توفره من موارد نادرة تدخل في صناعات متقدمة.
وفي هذا الإطار، كثّفت الدولة خلال السنوات الأخيرة جهودها لاستغلال هذه الثروة بشكل مدروس، وذلك من خلال إطلاق مشروعات إنتاجية وتعدينية تهدف إلى تعظيم القيمة المضافة، وتعزيز موقع مصر على خريطة الصناعات التعدينية العالمية، بما يسهم في تحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز عوائد القطاع التعديني.
مواقع الرمال السوداء واحتياطاتها الجيولوجية
تنتشر “الرمال السوداء” في مصر من مدينة رشيد وحتى رفح بطول 400 كم، كما تمتلك مصر 11 موقعاً للرمال السوداء تحتوي على 8 أنواع من المعادن الثقيلة، وقد كشف مركز المعلومات برئاسة الوزراء في تقرير له أنَّ العائد المتوقع لمصر من موقع واحد من هذه المواقع يزيد عن 255 مليون جنيه سنوياً.
ويُقدر الاحتياطي الجيولوجي من الرمال السوداء بنحو 1.3 مليار متر مكعب، موزعة على أربع مناطق رئيسية في محافظات كفر الشيخ والبحيرة ودمياط وشمال سيناء.
مكوّنات الرمال السوداء ودورها في الصناعات الحديثة
أكَّد الدكتور محمد ثروت هيكل، أستاذ الجيولوجيا، على أهمية الرمال السوداء باعتبارها ركيزة الصناعات الحديثة، حيث تحتوي على العديد من المعادن ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية، وأبرز هذه المعادن هما “الماجنتيت” و”الإلمينيت”، بالإضافة معادن أخرى مثل “المونازيت” و”الزركون”.
وأوضح في تصريحات خاصة لموقع إيكونبيديا أنَّ هُناك اختلافاً في نسبة تركيز المعادن الثقيلة في الرمال؛ فهناك نوع داكن اللون تتراوح به نسبة المعادن الثقيلة بين 70% و90%، ونوع آخر رمادي اللون يحتوي على نسبة لا تتجاوز 40% من المعادن الثقيلة.
كما أشار هيكل إلى الأهمية الاقتصادية للرمال السوداء، حيث تدخل المعادن الاستراتيجية التي تحتوي عليها الرمال في العديد من الصناعات الاقتصادية، مثل صناعة هياكل الطائرات، والهواتف، والسيارات، والصواريخ، والمركبات الفضائية، والأجهزة التعويضية، والغواصات، وأنابيب البترول، والسكك الحديدية، والعربات الحربية، والسيراميك، والبلاط، والكريستال، والزجاج، والمعدات الرياضية.
اقرأ أيضًا: صناعة الأسمدة في مصر.. إلى أين؟
عوائد استثمارية ضخمة وفرص غير مستغلة
قال خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إنَّ الرمال السوداء تعتبر أحد أهم عناصر البيئة، ويبلغ سعر الطن الواحد منها حوالي 3200 دولار، كما أنّها تمثل ثروة وطنية كبرى لم تحظَ بالاهتمام الاستثماري الكافي في السنوات الماضية على الرغم من عوائدها الاستثمارية الضخمة. وتُقدر القيمة السوقية لسوق الرمال عالمياً بأكثر من 70 مليار دولار، وهذه القيمة في تزايد مستمر مع التقدم الحاصل في الصناعات المعتمدة على الرمال.
وأضاف الشافعي في تصريحات خاصة لـ”إيكونبيديا” أنَّ الرمال تشكل سلعة تُباع وتُشترى بسبب تعدد استخداماتها في العديد من الصناعات الاستراتيجية، مشيراً إلى أهمية استثمارات الحصول على مادة السيليكا (رمال الكوارتز)، التي تُعد أحد أهم العناصر التي لم تحظ بالاهتمام المناسب.
وأشار الشافعي إلى أنَّ مصر افتتحت مؤخراً عدة مشروعات لدعم الصناعة الحديثة، منها مصنع الرمال بمدينة البرلس بمحافظة كفر الشيخ باستثمارات تقدر بنحو 24 مليون دولار.
قدرات إنتاجية متصاعدة ومصانع متخصصة
من الجدير بالذكر أنّ الطاقة الإنتاجية لمصنع الإلمنيت تصل إلى 298 ألف طن سنويًا، بينما ينتج مصنع الزيركون حوالي 25 ألف طن، ومصنع الجارنت نحو 12 ألف طن، ومصنع الروتايل حوالي 11 ألف طن، أما مصنع المونازيت فينتج نحو 145 طنًا سنويًا.
اقرأ أيضًا: أزمة الطاقة في مصر تنهك الاقتصاد
الشراكة مع القطاع الخاص لتعزيز القيمة المضافة
أوضح الخبير الاقتصادي أهمية مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الرمال، فقد أظهرت دراسات الجدوى وجود عوائد اقتصادية كبيرة من هذه المشروعات التي ترتبط بنحو 41 صناعة استراتيجية أخرى، مما يساعد في تعزيز الاقتصاد الوطني ومعدلات النمو وتنمية المجتمع.
كما أكَّد الشافعي أنَّ مشروعات الرمال في مصر ستجذب المستثمرين المحليين والأجانب، وتوفر فرصة لجذب مليارات الدولارات لمصر، بفضل ارتفاع معدلات المخزون الاستراتيجي من الرمال السوداء في البلاد.
خطوات لتوطين الصناعة وتقليل الاستيراد
أشارت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إلى أن مصر تمتلك العديد من الموارد الطبيعية الهامة التي تصدَّر كمادة أولية، ثم يتم استيرادها كسلع مصنعة، مما يكبد الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة. وذكرت أنَّ مصر بدأت تنفيذ عدد من المصانع للاستفادة من هذه الموارد، مما يخلق قيمة مضافة أكبر ويحقق عوائد إيجابية على الاقتصاد الوطني.
كما أكَّدت خضر أنَّ الرمال السوداء من أهم المجالات التي ركزت عليها الدولة المصرية مؤخراً، حيث تستخرج منها العديد من المواد التي تخدم صناعات متعددة، وهذا من شأنه أن يخفض فاتورة الاستيراد ويساهم في خفض أسعار المنتجات للمستهلكين.
وأضافت أن هذه الخطوة تعد إيجابية في ملف توطين الصناعة، حيث تسهم في زيادة الصادرات الصناعية، وتوفير فرص عمل، وزيادة حجم المعروض من المنتجات في السوق المحلي.
أهداف استراتيجية لمشروعات الرمال السوداء
ترى الخبيرة أن جهود الدولة لاستغلال الرمال يمكن أن تحقق ثلاثة أهداف رئيسية:
تحقيق عائد اقتصادي كبير لدعم التنمية الاقتصادية في مصر، خاصة أن الرمال السوداء تستخدم في صناعات محل اهتمام عالمي حالياً مثل صناعة أشباه الموصلات والمغناطيسات فائقة القدرة.
الحفاظ على البيئة من خلال خفض مخاطر التلوث الإشعاعي، حيث إنّ إزالة الملايين من أطنان الرمال السوداء من على السواحل تعني إزالة بعض الجزئيات من المعادن المشعة التي لها تأثير مضر على النظام البيولوجي البحري والإنساني.
تنمية المجتمع المحلي من خلال توفير فرص عمل لآلاف الشباب وتطوير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك محطات الكهرباء والغاز والمياه في مناطق الاستكشاف، وتحسين الظروف المعيشية لأبناء المناطق التي تتم بها الاكتشافات.
اقرأ أيضًا: هل ينقذ مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي الاقتصاد المصري؟
رؤية اقتصادية لمستقبل الرمال السوداء في مصر
أوضح الدكتور سيد قاسم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أنَّ “الرمال السوداء”، كنزًا قديمًا على السواحل المصرية المطلة على مياه البحر الأبيض المتوسط، في المناطق الواقعة بين رشيد إلى العريش بطول حوالي 400 كيلومتر، والتي تنتشر في حوالي 11 موقعًا بتركيزات اقتصادية مرتفعة واحتياطيات كبيرة تقدر بحوالي 1.3 مليار متر مكعب من الرمال السوداء.
وتقدر القيمة السوقية لسوق الرمال عالميًا بحوالي أكثر من 70 مليار دولار على الأقل، وهذا في تزايد مستمر مع التقدم الحاصل في الصناعات المعتمدة على الرمال بأنواعها المختلفة، حيث تشكل الرمال اليوم سلعة تباع وتشترى، وذلك لأن لها استخدامات عديدة تعتمد عليها العديد من الصناعات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، ذكر قاسم أن مادة السيليكا (رمال الكوارتز) من أحد أهم العناصر التي لم تحظ بالاهتمام المناسب، مع أن الرمال في الأراضي المصرية توجد بوفرة منقطعة النظير.
ولعمل خطوات ملموسة وجادة في سبيل تطوير مشروعات الرمال، اقترح قاسم إنشاء منصة استثمارية رقمية تنفتح على جميع المستثمرين محلياً ودولياً، وذلك لرفع مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد القومي.
خلاصة: تمتلك مصر فرصة اقتصادية نادرة من خلال ثرواتها من الرمال السوداء، وإذا ما استُثمرت هذه الموارد بالشكل الصحيح مع دعم القطاع الخاص وتوسيع نطاق التصنيع المحلي، فقد تصبح من أكبر مصادر الدخل القومي خلال السنوات المقبلة، وتساهم في خفض العجز التجاري وتحقيق الاكتفاء في صناعات استراتيجية.
قد يهمّك أيضًا: كيف تدعم صفقة رأس بناس الاقتصاد المصري؟
