تقارير اقتصادية

    رعب في الأسواق بعد الإعلان عن رسوم ترامب الجمركية

    •آخر تحديث •6 دقائق
    رعب في الأسواق بعد الإعلان عن رسوم ترامب الجمركية

    في مشهد يعيد للأذهان توترات الحرب التجارية التي سادت أيام الكساد العظيم في العام 1929، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الواجهة بإعلانه فرض الرسوم الجمركية شاملة على الواردات من جميع دول العالم، في خطوة أربكت الأسواق وأثارت مخاوف المستثمرين من انكماش اقتصادي عالمي.

    هذه الإجراءات، التي طالت كل السلع المستوردة بنسبة 10%، وبعض المنتجات الصينية بنسبة تصل إلى 54%، تمثل تصعيداً حاداً في السياسات الحمائية، وتزيد حالة القلق في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من تحديات متشابكة، أبرزها التضخم وتباطؤ النمو واضطراب سلاسل الإمداد.

    الرسوم الجمركية .. حرب تجارية تلوح بالأفق

    الرسوم الجمركية الجديدة التي أعلنها ترامب تعكس بوضوح تصميماً على إعادة إحياء السياسات الحمائية التي طغت على ولايته الأولى، وتحديداً في مواجهة الصين، لكنه توسع في هذه المرة ليشمل كل الشركاء التجاريين، مما يثير احتمال اندلاع حرب تجارية شاملة يكون لها أثر بالغ على الاقتصاد العالمي.

    وتشير البيانات إلى أن مثل هذه السياسات قد تؤدي إلى تباطؤ حركة التجارة وتكبيدها خسائر بقيمة 333 مليار دولار بحسب تقديرات منظمة التجارة العالمية، كما ستساهم في ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما قد ينعكس سريعاً على المستهلك النهائي عبر زيادة أسعار السلع والخدمات.

    ويتوقع أن يُصدر الشركاء التجاريون ردودًا انتقامية قد تُقَلِّص فرص الصادرات الأمريكية، وتفتح المجال أمام نزاعات جديدة في منظمة التجارة العالمية التي انسحب منها ترامب في بداية ولايته الجديدة.

    اقرأ المزيد حول حرب الجمارك العالمية.. أوروبا تتوعد وترامب يصعّد

    الأسواق تتهاوى بسبب الرسوم الجمركية

    ردّت الأسواق المالية بسرعة وحسم على تصريحات ترامب؛ حيث شهدت مؤشرات وول ستريت تراجعات حادة وصفها المحللون بأنها الأسوأ منذ أزمة كورونا، ففي يوم واحد فقط خسر مؤشر ستاندرد آند بورز 500 نحو 2.4 تريليون دولار من القيمة السوقية لشركاته المدرجة، وهو أكبر انخفاض يومي منذ مارس 2020، وقد تراجع المؤشر بنسبة 4.85% إلى 5395.92 نقطة، بينما هبط مؤشر ناسداك بنسبة 5.99%، ومؤشر داو جونز بنسبة 3.98%.

    هذا الانهيار الحاد تزامن مع ارتفاع في مؤشر الخوف (VIX)، وهروب جماعي نحو السندات الأمريكية، في إشارة إلى تصاعد حالة عدم اليقين لدى المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد.

    تعرّف إلى كيفية ضمان استمرارية أعمالك وحماية مؤسستك وقت الأزمات

    الرسوم الجمركية تشعل أسعار الذهب

    في ظل هذا الاضطراب لجأ المستثمرون إلى الملاذات الآمنة، فارتفعت أسعار الذهب بنسبة لافتة لتتجاوز حاجز 3160 دولارًا للأوقية، فيما تراجع الدولار أمام سلة من العملات الرئيسية، ما يعكس تحوّط الأسواق من اضطرابات مستقبلية قد تنجم عن القرارات الأمريكية.

    ويؤكد محللون أن مثل هذه السياسات تعزز الشكوك حيال استقرار النظام التجاري العالمي، ما يدفع المؤسسات المالية والصناديق الكبرى إلى البحث عن أدوات استثمار أكثر أماناً، ويبدو أن التقلبات ستظل حاضرة ما دامت السياسة التجارية الأمريكية تسير في اتجاه تصعيدي، دون وجود رؤية واضحة لعواقب هذه التحركات.

    تهديد مباشر للصناعة الأمريكية

    المفارقة أنَّ الرسوم التي تهدف إلى حماية الصناعة الأمريكية قد تتحول إلى عبء عليها، وفق ما يؤكده خبراء الاقتصاد؛ فالعديد من القطاعات الصناعية في الولايات المتحدة تعتمد على استيراد المكونات والمواد الخام من الخارج، مثل صناعة السيارات والتكنولوجيا.

    وفرض رسوم على هذه المنتجات يعني ارتفاع تكلفة الإنتاج، ما يؤدي في النهاية إلى رفع الأسعار على المستهلك الأمريكي. إضافة إلى ذلك، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة ستكون الأكثر تضرراً، إذ إنّها تفتقر للمرونة في التكيف مع الزيادات المفاجئة في التكاليف، مقارنة بالشركات الكبرى التي تمتلك قنوات تمويل وتفاوض بديلة.

    اقرأ أيضًا: رسوم ترامب تهدد الصادرات العربية وتُربك الأسواق

    الصين.. الهدف الأبرز من الرسوم الجمركية

    لا تخفي الإدارة الأمريكية السابقة أن الصين تبقى الهدف الرئيسي للرسوم الجديدة، لكن بكين التي اكتسبت خبرة واسعة في إدارة النزاعات التجارية خلال السنوات الماضية قد لا تقف مكتوفة الأيدي؛ إذ تشير التوقعات إلى احتمال ردها برسوم انتقامية، أو استخدام أدوات أخرى أكثر تعقيداً مثل تقييد صادرات المعادن النادرة التي تعتمد عليها صناعات أمريكية متقدمة.

    كذلك قد تلجأ الصين إلى بيع جزء من حيازاتها من السندات الأمريكية، ما قد يضغط على عوائد الخزانة ويربك سوق الدين الأمريكي، ومع تزايد هذا التوتر يصبح الاستقرار المالي العالمي عرضة لمخاطر متعددة، يصعب التنبؤ بمدى تأثيرها على المدى المتوسط.

    اقرأ أيضًا: الاقتصاد الأمريكي بين أزمة هيكلية وشبح الإغلاق الحكومي

    انعكاسات فرض الرسوم الأمريكية على الاقتصاد العالمي

    بحسب تقرير لمعهد بيترسون، فإن فرض رسوم جمركية شاملة من شأنه أن يقتطع ما يصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي خلال الأعوام القادمة، ويؤدي إلى خسارة ملايين الوظائف، خصوصاً في القطاعات المعتمدة على التجارة الدولية، كما أنّ ارتفاع الأسعار بسبب الرسوم سيؤثر على القوة الشرائية للمستهلك الأمريكي ويرفع التكلفة السنوية على الأسر الأمريكية بمقدار 4000 دولار لكل أسرة. أما على الصعيد العالمي، فإن هذه الإجراءات تهدد بعودة الركود في الاقتصادات الناشئة، التي تعتمد بشكل كبير على التصدير إلى الأسواق المتقدمة.

    كما أنّ التطورات الأخيرة سلّطت الضوء مجدداً على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية؛ فبعد سنوات من بناء شبكات إنتاج مترابطة حول العالم، تواجه الشركات اليوم واقعاً جديداً يفرض عليها إعادة التفكير في استراتيجياتها، وقد تبدأ بعض الشركات بنقل عملياتها إلى دول صديقة تجارياً مع الولايات المتحدة، أو اعتماد نهج الإنتاج المحلي رغم ارتفاع تكلفته.

    هذا التحول ليس بسيطاً، فهو يتطلب سنوات من إعادة الهيكلة والاستثمار، وقد يؤدي إلى نقص في بعض المنتجات خلال الفترة الانتقالية، غير أنّ أثره لن يقتصر على الشركات، بل سيشمل المستهلكين الذين سيدفعون الثمن على شكل تأخير في التسليم وارتفاع في الأسعار.

    قد يهمّك أيضًا: رسوم ترامب تهدد هيمنة السيارات الألمانية في السوق الأمريكية

    انقسامات أمريكية بسبب الرسوم الجمركية

    القرارات الجمركية التي أعلنها ترامب لم تمر دون معارضة داخلية، حتى من بعض أعضاء الحزب الجمهوري الذين يخشون تأثيرها على الاقتصاد المحلي؛ فقد أعربت مجموعات صناعية وتجارية عن رفضها التام لهذه الخطوات، محذّرة من أنها ستؤدي إلى نتائج عكسية، وتضعف قدرة الشركات الأمريكية على المنافسة عالمياً.

    كما أشارت دراسات اقتصادية إلى أن نسبة كبيرة من تكاليف الرسوم الجمركية تتحملها الأسر الأمريكية، مما يزيد من الضغوط على الميزانيات الشخصية، ويقلص من الطلب الداخلي، الذي يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد الأمريكي.

    خارطة التجارة العالمية تتغير

    بينما تنشغل واشنطن بإعادة رسم سياساتها التجارية، تتحرك دول أخرى لتعزيز مكانتها في النظام التجاري العالمي؛
    فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يسرّع من توقيع اتفاقيات جديدة مع شركاء في آسيا وأفريقيا، فيما تسعى الهند والبرازيل إلى تعزيز شراكاتهما الثنائية بعيداً عن النفوذ الأمريكي.

    هذه التحركات قد تعيد تشكيل خارطة التجارة العالمية خلال العقد القادم، وتقلل من الاعتماد على الولايات المتحدة كسوق رئيس أو شريك استراتيجي، ويبدو أنَّ العالم يتجه نحو نظام تجاري متعدد الأقطاب تكون فيه المنافسة أكثر حدة، وتكون الخيارات أمام المستثمرين أكثر تنوعاً.

    رد ترامب على خسائر الأسواق

    قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه منفتح على خفض التعريفات الجمركية التي فرضها إذا استطاعت الدول الأخرى تقديم شيء “استثنائي”، مما يشير إلى أن البيت الأبيض لا يزال يرحب بالمفاوضات، رغم تمسك بعض المسؤولين البارزين بمواقفهم.

    وفي تصريحات على متن طائرة الرئاسة “إير فورس وان” يوم الخميس، 3 أبريل 2025، دافع ترامب عن برنامجه الخاص بالتعريفات الجمركية، رغم الخسائر الكبيرة التي شهدتها أسواق الأسهم، مشيراً إلى سعادته بانخفاض أسعار الفائدة، وإلى اعتقاده بأن الاضطرابات الاقتصادية ستتوقف قريباً.

    كما أكد ترامب استعداده لتخفيف التعريفات الجمركية على الصين، في حال وافقت بكين على بيع عمليات تطبيق الفيديو الاجتماعي “تيك توك” التابعة لشركة “بايت دانس” في الولايات المتحدة، وقد ذكر أنَّ التطبيق لديه مهلة نهائية حتى يوم السبت لإتمام البيع، إلا إذا قرر تمديد المهلة في إطار جهوده للتوسط في الصفقة.

    وأشار ترامب إلى أن إدارته “قريبة جداً من التوصل إلى اتفاق”، موضحاً: “أعتقد أن الصين قد تتواصل مع الولايات المتحدة للاحتجاج على التعريفات الجمركية، وربما ترغب في بعض التنازلات للموافقة على صفقة تيك توك”، مع التحذير في الوقت نفسه من أنه ليس على علم بأن بكين ستتبع هذا النهج.

    اقرأ أيضًا: حتى البطاريق لم تسلم.. ترامب يفرض الرسوم على الجزر النائية