الذهب والفضة

    الذهب يكسر 3500 دولار.. هل يصل إلى 4 آلاف دولار؟

    •آخر تحديث •4 دقائق
    الذهب يكسر 3500 دولار.. هل يصل إلى 4 آلاف دولار؟

    تقرير: باسل محمود

    في عالم تهتز فيه الأسواق، مع كل تغريدة من دونالد ترامب، ووسط اضطرابات جيوسياسية واقتصادية متلاحقة، لجأ المستثمرون مرة أخرى إلى الحصن التقليدي الذي لا يخون، الذهب.

    للمرة الأولى في تاريخه، اخترق سعر المعدن النفيس حاجز 3500 دولار للأونصة، مسجلًا رقمًا قياسيًا يُعيد صياغة قواعد السوق، ويفتح الباب لتكهنات غير مسبوقة بوصول السعر إلى 4 آلاف دولار للأوقية، وربما أكثر خلال العام المقبل، وفق بلومبرج.

    هذا الارتفاع ليس مجرد قفزة سعرية عابرة، بل هو انعكاس عميق لمزيج من المخاوف السياسية، والضغوط النقدية، والتحولات في موازين القوة المالية العالمية. اللافت أن الذهب لم ينتظر حتى نهاية 2025 -كما توقعت كبريات بنوك الاستثمار- بل سبق التوقعات بثمانية أشهر كاملة.

    الفيدرالي تحت النار.. وترامب يُشعل فتيل القلق

    الشرارة المباشرة لهذه الموجة جاءت من واشنطن، حيث يُهدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإقالة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، على الرغم من أنّ القانون الأمريكي ينص على استقلالية البنك المركزي، لكنّ ترامب لا يتوانى عن توجيه الانتقادات الحادة له، مطالبًا بخفض فوري في أسعار الفائدة.

    كتب ترامب على منصاته الاجتماعية: “قد يحصل تباطؤ في الاقتصاد ما لم يخفض السيد “متأخر جداً”، وهو خاسر كبير، أسعار الفائدة، الآن.. لا يوجد تضخم فعلياً”.

    الهجوم العلني على باول دفع الأسواق إلى حالة من الذعر، مع تصاعد المخاوف من تسييس السياسة النقدية، وتهديد استقلالية الفيدرالي، وهو ما جعل الذهب الخيار الأكثر أمانًا للمستثمرين الهاربين من تقلبات السندات والدولار والأسهم.

    اقرأ المزيد حول كواليس تلميحات ترامب بإقالة رئيس الفيدرالي الأمريكي في هذا التقرير!

    الدولار يتراجع.. والذهب يتوهّج

    في أعقاب التصريحات النارية لترامب، تراجع الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ عام 2023، ليُضيف مزيدًا من الزخم لصعود الذهب، فكلما فقد الدولار جاذبيته، زادت شهية الأسواق نحو الأصول المقوّمة بالعملات الأخرى، وفي مقدمتها المعدن الأصفر.

    وقد سجَّل الذهب مكاسب بنسبة 2.2% يوم الثلاثاء، بعد ارتفاع بنسبة 2.9% في الجلسة السابقة، وبهذا يكون قد قفز بأكثر من 30% منذ بداية العام، وهو الأداء الأقوى له منذ الأزمة المالية العالمية.

    الذهب يُخالف كل التوقعات.. ويتقدّم على الزمن

    ما يُثير الدهشة في هذا الصعود أنَّ الذهب تجاوز التوقعات الزمنية للمؤسسات المالية الكبرى؛ ففي الأسبوع الماضي فقط توقَّعت جوني تيفيس، المحللة الاستراتيجية في “يو بي إس”، أن يصل السعر إلى 3500 دولار في ديسمبر 2025.

    بينما راهنت لينا توماس من “غولدمان ساكس” على سعر 3700 دولار بنهاية 2025، لكن المعدن النفيس لم ينتظر كل هذه التواريخ، مما أدى إلى دخول السوق مرحلة جديدة من التقديرات المفتوحة التي تعكس هشاشة المشهد الاقتصادي، وثقة متزايدة في أن الأزمة المقبلة قد تكون أعنف من أي دورة سابقة.

    اقرأ أيضًا: سباق الذهب عبر الأطلسي.. لماذا تفرّغت خزائن لندن؟

    البنوك المركزية والصناديق تُضيف وقودًا للاندفاعة

    لم يكن هذا الارتفاع مجرَّد استجابة مؤقتة للتوتر السياسي، بل جاء أيضًا مدعومًا بتدفقات قوية من المؤسسات المالية الكبرى؛ فالصناديق المتداولة المدعومة بالذهب شهدت تدفقات تاريخية، مع تفضيل المستثمرين حماية رأس المال على أي ربح قصير الأجل.

    كما استمرَّت البنوك المركزية -خاصة في الدول الناشئة- في تعزيز احتياطياتها من الذهب، كوسيلة للتحوّط من تقلبات الدولار والتوترات الجيوسياسية.

    ووفقًا لتقارير بلومبرغ، فإن غالبية البنوك المركزية في الشرق الأوسط وآسيا تعتزم رفع احتياطياتها من الذهب خلال العامين المقبلين، ما يُضيف طلبًا مستقرًا وطويل الأجل على المعدن.

    الهدف التالي.. 4 آلاف دولار للأونصة؟

    في تقرير حديث، توقّع محللو “غولدمان ساكس” أن يصل سعر الذهب إلى 4000 دولار للأونصة بحلول منتصف 2026، في حال استمرار التوتر السياسي، وتصاعد التوقعات بخفض أسعار الفائدة في أمريكا وأوروبا.

    هذه التوقعات ليست مبالغًا فيها، بل تستند إلى مزيج من المؤشرات؛ وهي تباطؤ النمو العالمي، وزيادة الطلب الاستراتيجي من البنوك المركزية، وتدهور الثقة في أدوات الدين الحكومية.

    اقرأ أيضًا: لماذا يشتعل الذهب العالمي؟ 5 أسرار تقود الأسعار إلى القمة

    الأسهم المرتبطة بالذهب تُحلّق

    لم تتوقّف انعكاسات الصعود عند السعر الفوري للمعدن، بل امتدت إلى أسواق الأسهم، خاصة شركات التعدين؛ ففي هونغ كونغ قفز سهم شركة “زيجين ماينينغ غروب” الصينية -الرائدة في إنتاج المعادن- بأكثر من 6% خلال جلسة الثلاثاء، ليسجّل ارتفاعًا تجاوز 25% منذ بداية العام.

    هذه القفزات تُعبّر عن ثقة المستثمرين بأن دورة أسعار الذهب لن تكون مؤقتة، بل قد تستمر لعدة سنوات مدفوعة بمخاوف التضخم، وتراجع الثقة في أدوات الدين التقليدية.

    العوامل الجيوسياسية تُضيف طبقات جديدة من التوتر

    بعيدًا عن أمريكا والفيدرالي، تُشكّل التوترات الجيوسياسية خلفية ملتهبة لهذا الصعود، من الحرب التجارية المتجددة بين واشنطن وبكين، إلى أزمة الطاقة، مرورًا بتقلبات الشرق الأوسط، كلها عناصر تُغذي الحاجة إلى الأمان المالي.

    وفي ظل تصاعد الحديث عن عودة “الحمائية الاقتصادية”، وتهديدات ترامب بإعادة رسم قواعد التجارة العالمية، يُصبح الذهب مرة أخرى “العملة الحقيقية” في عيون المتداولين.

    ما الذي يمكن أن يوقف هذه الموجة؟

    رغم الزخم القوي، لا تخلو التوقعات من المحاذير، إذ يرى بعض المحللين أن أي تحول مفاجئ في السياسة النقدية -كرفع الفائدة مجددًا أو استقرار الدولار- قد يُبطئ صعود الذهب، أو يدفعه إلى موجة تصحيح قصيرة.

    كما أن هدوءًا سياسياً مفاجئاً من جانب إدارة ترامب، أو تثبيت جيروم باول في منصبه بدعم قضائي أو برلماني، قد يُعيد بعض التوازن للأسواق، لكن في ظل المؤشرات الحالية غير المستقرة، يبدو أنّ السيناريو الأرجح هو استمرار حالة “الذعر الذهبي” التي تُهيمن على حركة رؤوس الأموال.

    اقرأ أيضًا: كمية الذهب المكتشف وتوقعات أسعار 2025