أشعل السباق العالمي لتطوير الذكاء الاصطناعي موجة من التفاؤل بشأن قدرته على رفع الإنتاجية وتسريع الابتكار في قطاعات مثل الطب والعلوم والتعليم، لكنه في المقابل فتح واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية حساسية: ماذا سيحدث للوظائف عندما تصبح الآلات قادرة على تنفيذ عدد متزايد من المهام التي يؤديها البشر؟
لم يعد القلق مقتصراً على الوظائف اليدوية أو الأعمال الروتينية؛ فالذكاء الاصطناعي يتقدم سريعاً في القانون وخدمة العملاء والبرمجة والطب والتصنيع وغيرها من المجالات التي تعتمد بدرجات مختلفة على العمل المعرفي.
ويقول بيل غيتس إن هذه الموجة ستصل إلى هذه القطاعات خلال نحو عقد، وليس على مدى أجيال كما حدث مع التحولات التكنولوجية السابقة، محذراً من أن عدد الوظائف الجديدة قد يكون أقل بكثير من الوظائف التي ستتأثر إذا لم تُصمم السياسات المناسبة.
بيل غيتس يقرع جرس الخطر
في مقال مطول نشره حديثاً، وصف بيل غيتس التحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي بأنه مرحلة شديدة الاضطراب، ودعا الحكومات إلى الاستعداد مبكراً للتغيرات التي ستطال سوق العمل. وهو يرى أن الذكاء الاصطناعي لن يقتصر تأثيره على قطاع واحد، لأنه أصبح قادراً على الرؤية والاستماع والتحدث والاستدلال، ومع تطور الروبوتات يمكن أن تمتد قدراته مستقبلاً إلى العمل المادي أيضاً.
ويحذر غيتس من أن الوظائف الجديدة لن تعوض بالضرورة الوظائف المفقودة بالسرعة نفسها؛ فالعامل الذي يفقد وظيفة بسبب الأتمتة قد يحتاج إلى سنوات لاكتساب المهارات اللازمة للانتقال إلى وظيفة أخرى، بينما يمكن للتكنولوجيا أن تتطور خلال الفترة نفسها.
ولهذا فهو يرى أن التحدي الاقتصادي لا يتعلق فقط بعدد الوظائف التي قد تختفي، بل بقدرة العمال والمؤسسات على التعامل مع سرعة التحول.
اقرأ أيضا: أرباح قياسية لشركات التكنولوجيا من طفرة الذكاء الاصطناعي
الوظائف المبتدئة تحت الخطر
أحد أخطر جوانب التحول المحتمل يتعلق بالوظائف المبتدئة، التي تمثل عادة نقطة الدخول إلى سوق العمل؛ فالخريج يبدأ في وظيفة أولى لاكتساب الخبرة، ثم ينتقل تدريجياً إلى أدوار أكثر تعقيداً ومسؤولية، وإذا تمكن الذكاء الاصطناعي من تنفيذ جزء كبير من المهام التي كانت تمنح الموظفين الجدد هذه الخبرة، فقد يصبح المسار التقليدي لبناء المهارات المهنية أكثر صعوبة.
وتنسجم هذه المخاوف مع نتائج استطلاع أجراه مركز Pew للأبحاث؛ حيث قال 32% من العاملين الأمريكيين إن استخدام الذكاء الاصطناعي في مكان العمل سيؤدي على المدى الطويل إلى فرص عمل أقل لهم، بينما رأى 6% فقط أنه سيؤدي إلى فرص أكثر. وقال 31% إن استخدام الذكاء الاصطناعي لن يحدث فرقاً كبيراً في فرصهم الوظيفية.
أي القطاعات أكثر عرضة للخطر؟
الحديث عن اختفاء الوظائف لا يعني أن جميع الوظائف معرضة للخطر بالدرجة نفسها؛ فالذكاء الاصطناعي قد يستبدل بعض المهام داخل الوظيفة بدلاً من إلغاء الوظيفة بالكامل، وقد يرفع إنتاجية الموظف بدلاً من الاستغناء عنه. وفي بعض القطاعات، يمكن أن يؤدي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى ظهور وظائف جديدة مرتبطة بتطوير النماذج وإدارتها ومراقبتها وتطبيقها.
لكنّ المشكلة هي أن حجم الوظائف الجديدة وطبيعتها لا يزالان غير محسومين. ويشير غيتس إلى أن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف جديدة، لكنه يحذر من أنه، دون سياسات مناسبة، قد يكون عددها أقل بكثير من الوظائف الموجودة اليوم، وهذا ما يجعل إدارة الانتقال الاقتصادي مسألة سياسية واجتماعية، وليست مجرد قرار تتخذه الشركات بشأن التكنولوجيا.
غيتس يريد وظائف "محجوزة للبشر"
هنا يطرح غيتس واحدة من أكثر أفكاره إثارة للجدل: إنشاء فئة من الوظائف التي تكون "محجوزة للبشر"، أو ما يسميه Human Reserved. الفكرة لا تقوم على منع الذكاء الاصطناعي من التطور، بل على أن تقرر المجتمعات أن بعض الأعمال يجب أن تظل للبشر حتى لو أصبحت التكنولوجيا قادرة على تنفيذها.
وشبّهت صحيفة فايننشال تايمز الفكرة بالمحميات الطبيعية، حيث تُخصص مناطق معينة للحفاظ على شيء يعتبر المجتمع حمايته أمراً مهماً. وبالمثل، يرى غيتس أن بعض الوظائف يمكن أن تحظى بحماية خاصة من الاستبدال الكامل، خصوصاً عندما تكون القيمة الإنسانية للتفاعل أهم من مجرد زيادة الكفاءة أو خفض التكلفة.
الرعاية والتعليم في المقدمة
يرتبط تصور غيتس خصوصاً بالوظائف التي تعتمد على التفاعل الإنساني والثقة والعلاقات الشخصية. ومن بين المجالات التي يناقشها التعليم والرعاية وبعض أدوار الصحة النفسية والصحية، فحتى إذا تمكن نظام آلي من تنفيذ جزء من مهمة المعلم أو مقدم الرعاية، فقد يقرر المجتمع أن وجود الإنسان نفسه يمثل قيمة لا ينبغي التضحية بها مقابل خفض التكلفة.
ولا يعني ذلك منع استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه القطاعات، على العكس، يمكن للمعلم أو الطبيب أو مقدم الرعاية استخدام التكنولوجيا لتقليل الأعمال الروتينية وتحليل المعلومات والوصول إلى أدوات أفضل، لكن يبقى القرار والتفاعل الإنساني في يد الشخص المسؤول.
قد يهمّك أيضًا: كيف يغير الذكاء الاصطناعي أساليب التسويق الحديثة؟
لماذا لا يقترح غيتس إيقاف AI؟
رغم تحذيراته، لا يدعو غيتس إلى وقف تطوير الذكاء الاصطناعي؛ فهو يرى أن التكنولوجيا يمكن أن تحقق فوائد هائلة في مجالات مثل الطب والعلوم والتعليم، وأن قدرتها على معالجة كميات ضخمة من المعلومات قد تساعد الباحثين والأطباء على تحقيق تقدم أسرع.
المشكلة، وفق هذا التصور، ليست في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي ستتوزع بها مكاسبه وتكاليفه؛ فإذا حصلت الشركات ومالكو رأس المال على معظم مكاسب الإنتاجية، بينما تحمل العمال تكلفة فقدان الوظائف أو انخفاض الأجور، فقد يتحول الذكاء الاصطناعي من محرك للنمو إلى مصدر جديد لعدم المساواة. ويقول غيتس إن التكنولوجيا يمكن أن تكون أعظم أداة لتحقيق المساواة أو أحد أسوأ مصادر الظلم، بحسب طريقة إدارتها.
ضريبة على الروبوتات والذكاء الاصطناعي
من بين الحلول التي يناقشها غيتس تغيير النظام الضريبي بحيث لا تكون الأتمتة دائماً الخيار الأكثر جاذبية مالياً بالنسبة إلى الشركات. وطرح فكرة فرض ضرائب على الروبوتات وبعض استخدامات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك ما يرتبط بالـAI tokens، بهدف تقليل الحافز لاستبدال العمال بسرعة وتمويل برامج تساعد المتضررين من التحول.
لكن غيتس لا يقدم الضريبة باعتبارها وسيلة لمعاقبة التكنولوجيا، فهو يهدف من خلالها إلى استخدام جزء من العوائد الناتجة عن الأتمتة لتمويل إعادة تدريب العمال وشبكات الأمان الاجتماعي، مع تجنب فرض أعباء تعرقل الاستخدامات التي يمكن أن تحقق فوائد كبيرة، مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب والتعليم.
من المستفيد الأكبر من طفرة الذكاء الاصطناعي؟
السؤال الأكبر اقتصادياً هو: إذا تمكن الاقتصاد من إنتاج المزيد باستخدام عدد أقل من العمال، فمن سيحصل على المكاسب؟ نظرياً، يمكن لارتفاع الإنتاجية أن يؤدي إلى نمو اقتصادي أكبر وأسعار أقل وخدمات أفضل، لكن توزيع هذه المكاسب ليس مضموناً تلقائياً.
إذا تركزت ملكية شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق والنماذج المتقدمة في عدد محدود من الشركات والمستثمرين، فقد ترتفع قيمة رأس المال بصورة أسرع من دخول العمال.
لذلك بدأ النقاش حول سياسات تسمح للجمهور بالحصول على حصة أكبر من العوائد، سواء من خلال الضرائب أو التحويلات النقدية أو صناديق استثمار عامة أو ملكية غير مباشرة في الشركات المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضًا: شركات التكنولوجيا تستبدل الوظائف بالذكاء الاصطناعي
الدخل الأساسي كحل محتمل
أحد الحلول التي ظهرت في النقاش العالمي هو الدخل الأساسي أو التحويلات النقدية المنتظمة. الفكرة بسيطة: إذا أدت الأتمتة إلى تقليص الوظائف، يحصل المواطنون على دخل نقدي يساعدهم على مواجهة تكاليف المعيشة والانتقال إلى وظائف جديدة أو اكتساب مهارات مختلفة.
لكن الدخل الأساسي الشامل يواجه تحدياً رئيساً هو التمويل، فكلما اتسعت قاعدة المستفيدين وارتفعت قيمة الدفعة ارتفعت التكلفة على الموازنة العامة، ولهذا يختلف مؤيدو الفكرة حول مصادر التمويل، بين الضرائب العامة وضرائب الشركات والروبوتات وعوائد صناديق الاستثمار الحكومية.
جزر مارشال تطبق برنامجاً وطنياً
تقدم جزر مارشال تجربة عملية مهمة في هذا المجال؛ فقد أعلنت وزارة المالية أن أكثر من 33 ألف مواطن سجلوا للحصول على برنامج ENRA، مع بدء التوزيعات في نوفمبر 2025. واستخدم البرنامج قنوات متعددة للدفع، شملت الإيداعات المباشرة والشيكات ومحفظة رقمية مخصصة للمواطنين.
لكن من المهم عدم تقديم تجربة جزر مارشال باعتبارها دليلاً على نجاح الدخل الأساسي في مواجهة بطالة الذكاء الاصطناعي، فالبرنامج تجربة وطنية في التحويلات النقدية، بينما لا تزال آثار الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العالمي في طور التشكل. لذلك يمكن الاستفادة من التجربة لدراسة آليات التوزيع، لكن لا يمكن اعتبارها حلاً مثبتاً لمشكلة لم تتبلور بالكامل بعد.
تايوان توزع "عائد AI"
وفي تايوان ظهر نموذج آخر أكثر ارتباطاً بطفرة الذكاء الاصطناعي؛ فقد أعلن الرئيس لاي تشينغ-تي في أغسطس 2026 تخصيص 235.7 مليار دولار تايواني، أي نحو 7.4 مليار دولار، لتمويل دفعة نقدية تبلغ 10 آلاف دولار تايواني لكل شخص في 2027. وقال لاي إن الهدف هو أن يتشارك السكان في عوائد النمو الاقتصادي المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي.
ولا ينبغي وصف هذه الدفعة بأنها دخل أساسي شامل دائم، لأنها دفعة نقدية مقررة ضمن موازنة 2027 وليست نظاماً دائماً للدخل. لكنها تقدم مثالاً على فكرة بدأت تكتسب حضوراً سياسياً، وهي استخدام جزء من الإيرادات والنمو المرتبطين بالاقتصاد الجديد لإعادة توزيع الأموال مباشرة على السكان.
اقرأ أيضًا: سامسونغ.. الذكاء الاصطناعي يقفز بأجور عمال الرقائق الإلكترونية
إعادة تدريب العمال ليست كافية
يظل تدريب العمال أحد أكثر الحلول التقليدية المطروحة للتعامل مع الأتمتة، فإذا اختفت بعض الوظائف يمكن للعمال الانتقال إلى وظائف جديدة بعد اكتساب المهارات المطلوبة. لكن هذه العملية ليست فورية، وقد تكون صعبة خصوصاً عندما تتغير التكنولوجيا بسرعة.
المشكلة الأخرى أن التدريب لا يخلق الوظائف بحد ذاته؛ حيث يمكن للحكومة أن تدرب آلاف الأشخاص على مهارة جديدة، لكن إذا لم يكن الاقتصاد يولد وظائف كافية تستخدم هذه المهارة فإن العامل سيظل يواجه المشكلة نفسها. ولهذا يحتاج التدريب إلى أن يرتبط بالطلب الحقيقي من الشركات وبالقطاعات التي يُتوقع أن تنمو، وليس بمجرد برامج تعليمية عامة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف العمل
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد لا يقود بالضرورة إلى عالم بلا عمل، بل إلى عالم تختلف فيه طبيعة العمل جذرياً؛ فقد يستطيع الموظف الواحد إنجاز ما كان يحتاج في السابق إلى فريق كامل لإنجازه، ما يرفع الإنتاجية ويقلل الحاجة إلى بعض المهام، لكنه في الوقت نفسه يخلق طلباً على مهارات جديدة.
وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض عدد ساعات العمل في بعض القطاعات بدلاً من اختفاء الوظائف بالكامل. وغيتس نفسه طرح في سياقات سابقة فكرة أن زيادة الإنتاجية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي قد تسمح للمجتمعات مستقبلاً بإعادة التفكير في أسبوع العمل وفي المجالات التي نريد استخدام الذكاء الاصطناعي فيها أصلاً.
اقرأ أيضا: بطالة الشباب ترتفع عالمياً.. والدول العربية في الصدارة
توقعات اقتصاد 2030
بحلول عام 2030، يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن يشهد سوق العمل العالمي تحولاً واسعاً، مع اختفاء نحو 92 مليون وظيفة مقابل إنشاء 170 مليون وظيفة جديدة، بما يعني زيادة صافية قدرها 78 مليون وظيفة.
وستتركز الضغوط بصورة أكبر على الوظائف الإدارية والكتابية وإدخال البيانات وخدمة العملاء وبعض المهام المالية والقانونية، بينما سيرتفع الطلب على متخصصي الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني والمهارات التقنية.
ولا يتوقف التأثير عند سوق العمل، إذ تقدر شركة ماكينزي أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنوياً إلى الاقتصاد العالمي، من خلال رفع الإنتاجية وأتمتة مجموعة واسعة من المهام في قطاعات متعددة. وتشير تقديراتها إلى أن التأثير الأكبر سيتركز في قطاعات مثل الخدمات المصرفية، والتكنولوجيا، والاتصالات، والتجزئة، والقطاع الصحي، إضافة إلى الأعمال التي تعتمد بدرجة كبيرة على المعرفة والمهام المكتبية.
خلاصة
ربما يكون أهم ما تغير في النقاش هو أن السؤال لم يعد ببساطة: هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي في الوظائف؟ هذا التأثير بدأ بالفعل، كما تظهر بيانات استخدام العمال ومخاوفهم. السؤال الأصعب أصبح: إلى أي مدى سيصل الاستبدال، ومن سيدفع ثمنه، ومن سيحصل على مكاسب الإنتاجية؟
فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ عدد متزايد من المهام بتكلفة أقل، سيكون أمام الحكومات خياران: الانتظار حتى تتضح الأضرار ثم محاولة إصلاحها، أو وضع قواعد مبكرة تحدد كيفية توزيع مكاسب التكنولوجيا وحماية الفئات الأكثر تعرضاً للخطر.
المصادر: المنتدى الاقتصادي العالمي – تقرير مستقبل الوظائف 2025، وشركة ماكينزي – التقرير الاقتصادي حول الإمكانات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي التوليدي- بلومبرغ
