تجاوز إجمالي الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، بعدما أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية وصول الدين العام القائم إلى 40.047 تريليون دولار.
ويأتي هذا التطور بعد أقل من خمسة أشهر من تجاوز الدين مستوى 39 تريليون دولار، ليعكس استمرار اعتماد الحكومة الفيدرالية على الاقتراض لتمويل عجز الموازنة، بالتزامن مع نمو الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية ومدفوعات الفائدة.
ولا يقتصر الرقم على السندات التي يشتريها المستثمرون؛ إذ يتضمن 32.266 تريليون دولار من الدين المحتفظ به لدى الجمهور، إلى جانب 7.782 تريليون دولار من الديون داخل الحكومة، وهي التزامات مرتبطة بحسابات وصناديق فيدرالية مثل الضمان الاجتماعي.
الدين الأمريكي يقترب من مستويات الحرب العالمية الثانية
رغم ضخامة رقم 40 تريليون دولار، فإن المقياس الذي تتابعه الأسواق ومكاتب الأبحاث بصورة أدق هو الدين المحتفظ به لدى الجمهور مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي؛ فهذا المقياس يعكس حجم اقتراض الحكومة من الأسواق، وتأثيره المحتمل في أسعار الفائدة والاستثمار الخاص.
وتشير تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس، إلى أن الدين المحتفظ به لدى الجمهور يعادل نحو 101% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، ومن المتوقع أن يصل إلى 120% بحلول 2036 إذا استمرت سياسات الإنفاق والضرائب الحالية.
ويعني ذلك أن الدين يقترب من تجاوز المستويات المسجلة عقب الحرب العالمية الثانية، وهي فترة شهدت هي الأخرى توسعاً كبيراً في الاقتراض الحكومي.

كيف تراكم الدين الأمريكي؟
لم تكن المالية العامة الأمريكية تعاني هذا المستوى من الضغوط في بداية الألفية؛ ففي عام 2001، كان الدين المحتفظ به لدى الجمهور يعادل نحو 31.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد سنوات سجلت فيها الموازنة فوائض مالية.
لكن المسار تغيّر مع تخفيضات ضريبية وحروب مكلفة، ثم الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009. وبعد ذلك، رفعت جائحة كورونا الاقتراض إلى مستويات استثنائية، مع تمويل برامج الدعم الصحي والاقتصادي في مواجهة الإغلاق والبطالة.
واستمر الضغط على الدين الأمريكي بعد الجائحة، مع ارتفاع كلفة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية نتيجة تقدّم السكان في العمر، فيما لم تنمُ الإيرادات بالوتيرة نفسها.
الفائدة تتحول إلى عبء أكبر
لا يمثل الدين وحده التحدي الرئيس لواشنطن، بل كلفة خدمته، فكلما ارتفع الدين أو بقيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، زادت الأموال التي تخصصها الحكومة لدفع الفوائد بدلاً من توجيهها إلى بنود إنفاق أخرى.
وقد تجاوزت كلفة الفائدة على الدين الأمريكي تريليون دولار خلال الفترة الماضية، لتصبح من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي. ومع زيادة إصدارات السندات وارتفاع العوائد، يتوقع أن تظل هذه الكلفة عاملاً رئيساً في اتساع العجز.
وتنعكس عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل على الاقتصاد بشكل أوسع، فارتفاعها لا يزيد كلفة اقتراض الحكومة الأمريكية فقط، بل يضغط عادة على معدلات الرهن العقاري وقروض السيارات وتمويل الشركات.
اقرأ أيضاً: كيف تؤثر أسعار الفائدة على التضخم والاقتصاد العالمي
لماذا لا تواجه أمريكا أزمة فورية؟
حتى الآن، لا تبدو سوق السندات الأمريكية في حالة ذعر، فما زالت سندات الخزانة تحظى بطلب واسع من البنوك والصناديق والمستثمرين داخل الولايات المتحدة وخارجها، باعتبارها من أكثر الأصول أماناً وسيولة في العالم.
وتمنح مكانة الدولار وسوق الخزانة الواسعة الولايات المتحدة قدرة أكبر على الاقتراض مقارنة بمعظم الاقتصادات، كما أن المستثمرين يحتاجون إلى سوق ضخمة يمكنهم الدخول إليها والخروج منها بسرعة، وهو ما توفره السندات الأمريكية بدرجة لا تتوافر في كثير من الأسواق المنافسة.
لكن هذا الطلب لا يعني اختفاء المخاطر، فزيادة المعروض من السندات قد تدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى، خاصة إذا ارتفع التضخم أو تراجعت شهية المستثمرين الأجانب للأصول الأميركية.
اقرأ أيضًا: قرار أمريكي يضيف 1.2 تريليون دولار إلى الذهب والكريبتو
الدين والعجز.. الحلقة التي يصعب كسرها
يتراكم الدين عندما تنفق الحكومة أكثر مما تحصل عليه من الضرائب، وكلما استمر العجز احتاجت الخزانة إلى إصدار سندات جديدة، ومع زيادة الدين ترتفع فاتورة الفائدة، فتتسع الحاجة إلى تمويل إضافي.
وتظهر هذه الحلقة بوضوح في تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس الأمريكي، الذي يتوقع أن ترتفع مدفوعات الفائدة بوتيرة أسرع من النمو الاقتصادي على المدى الطويل، مع استمرار العجز بصورة مرتفعة.
في المقابل، تبقى خيارات معالجة العجز في الموازنة الأمريكية محدودة سياسياً، فخفض الإنفاق يلامس برامج تحظى بحساسية كبيرة، مثل الضمان الاجتماعي و"ميديكير"، بينما تعني زيادة الإيرادات فتح نقاش صعب حول الضرائب.
ماذا يعني تجاوز 40 تريليون دولار؟
لا يعني الرقم أن الولايات المتحدة اقتربت من التخلف عن السداد، لكنه يوضح حجم التحدي الذي يواجه الموازنة الأمريكية، فالخطر لا يأتي من محطة واحدة، بل من استمرار الدين في النمو بوتيرة تفوق نمو الاقتصاد، ومن تحوّل الفائدة إلى بند يزاحم الدفاع والرعاية الصحية والاستثمار العام.
ومع اقتراب الدين المحتفظ به لدى الجمهور من مستويات تاريخية مقارنة بالناتج المحلي، سيبقى تركيز الأسواق خلال الفترة المقبلة على ثلاثة مؤشرات: حجم العجز، واتجاه عوائد السندات، وقدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على نمو يكفي لاحتواء كلفة الاقتراض.
اقرأ أيضًا: حرب إيران ترفع كلفة المعيشة على الأسر الأمريكية
