في 14 سبتمبر 2004، عقدت الدورة الأولى للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، ومنذ تأسيسه في ذلك العام أصبح منصة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول العربية والصين.
وخلال نحو عقدين فقط، تضاعف حجم التجارة بين الدول العربية والصين 11 مرة، واقترب من 400 مليار دولار، كما تم إنشاء 19 آلية للتعاون بين الجانبين في إطار المنتدى، تغطي مجالات واسعة النطاق مثل السياسة والاقتصاد والتجارة والطاقة، والثقافة، والصحة، وغيرها. كما أصدر المنتدى 85 وثيقة ختامية، وأصبح أداة فعالة لإثراء علاقات الشراكة الاستراتيجية الصينية العربية ومنصة مهمة للحوار ودعم التعاون العملي بين الجانبين.
20 عاماً من العلاقات الصينية العربية
على مدى 20 عامًا، حققت العلاقات الصينية العربية تطورات متسارعة في العديد من المناحي؛ ففي الدورة الأولى للاجتماع الوزاري للمنتدى في عام 2004 اتفقت الصين وجامعة الدول العربية على إقامة “علاقات الشراكة” القائمة على المساواة والتعاون الشامل.
وفي الدورة الرابعة للاجتماع الوزاري في 2010، أعلن الجانبان عن إقامة “علاقات التعاون الاستراتيجي” الصينية العربية، وفي الدورة الثامنة في 2018، تم الارتقاء بالعلاقات إلى “علاقات الشراكة الاستراتيجية” الصينية العربية.
وحتى اليوم، تمت إقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين و4 دول عربية، هي مصر والجزائر والسعودية والإمارات، وعلاقات الشراكة الاستراتيجية بين الصين و10 دول عربية، هي قطر والعراق والأردن والسودان والمغرب وعمان وجيبوتي والكويت وفلسطين وسوريا.
وانضمت 13 دولة عربية إلى "مجموعة الأصدقاء لمبادرة التنمية العالمية"، وأصبحت 3 دول عربية أعضاء بمجموعة "بريكس"، و6 دول عربية شركاء في الحوار لمنظمة شانغهاي للتعاون.
اقرأ أيضًا: الصين وإفريقيا .. شراكة تثير قلق الغرب
نقطة فارقة بين الدول العربية والصين
يقول رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الدكتور كريم عادل، إنَّ منتدى التعاون الصيني العربي في دورته العاشرة يمثل نقطة فارقة في تطور حجم العلاقات الصينية العربية.
ويؤكد على مساعي الصين نحو تعميق العلاقات والارتقاء بمستوياتها، بما يحقق أهدافها التنموية والاقتصادية، وكذلك أهداف وتطلعات الدول العربية وشعوبها، ولعل هذا هو ما يميز طبيعة العلاقات الصينية العربية، والفكر الصيني في نظرته وتوجهه نحو الدول المتعاونة معها.
ومن جهته، يؤكد عضو جمعية الصداقة المصرية الصينية، الدكتور ضياء حلمي، أنَّ منتدى التعاون الصيني العربي ليس موجهاً ضد الولايات المتحدة أو الغرب، ولا ضد أي طرف، وأنّ “التوقيت الذي يتم فيه انعقاد منتدى التعاون الصيني العربي توقيت هام وبالغ الدلالة، ويعطي رسائل مختلفة للعالم، وليس للمنطقة العربية فقط".
تضاعف التبادل التجاري
منذ تأسيس المنتدى، زاد حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية عشرة أضعاف، حيث ارتفع من 37 مليار دولار في 2004، إلى 398 مليار دولار في 2023، وأصبحت الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية لسنوات عديدة متتالية، وبلغ حجم الاستثمارات الصينية في المنطقة العربية نحو 250 مليار دولار.
وحتى نهاية نوفمبر 2023، وفر بنك التنمية الصيني دعمًا مباشرًا إلى 99 مشروعًا في الدول العربية، من خلال إصدار قروض بقيمة تقدر بنحو 17.2 مليار دولار.
وقد وقع بنك الشعب الصيني اتفاقيات ثنائية لمبادلة العملات المحلية مع البنوك المركزية السعودية والمصرية والإماراتية، كما أصبحت 17 دولة عربية أعضاء ببنك آسيا للاستثمار في البنية التحتية.
اقرأ أيضًا: الإمارات تنافس أوروبا في القارة الإفريقية
مد جسور التعاون بين الصين والدول العربية
يرى الدكتور كريم عادل أنَّ الصين تسعى من خلال هذا المنتدى إلى مد جسور التعاون والتكامل مع الدول والقوى الاقتصادية الكبرى ذات الثقل والدور الفاعل والمؤثر في منطقة أفريقيا والشرق الأوسط، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل من الناحية السياسية والأمنية أيضاً، لما في ذلك من دور وأثر على تحقيق مسيرة أهدافها التنموية وعلى رأسها مبادرة الحزام والطريق.
واتضح ذلك جلياً من إطلاقها لمبادرة الأمن العالمي، ونجاحها في إنفاذ مصالحة تاريخية بين السعودية وإيران، وهي خطوة ساهمت بصورة كبيرة في تخفيف التوترات داخل المنطقة، وزادت من دور وتأثير الصين في المنطقة العربية”.
قفزة في الاستثمارات الصينية مع الدول العربية
يقول الخبير الاقتصادي من المغرب، رشيد الساري، إن الاستثمارات الصينية في العمق العربي شهدت قفزات ملحوظة في العقدين الماضيين، موضحًا أن العلاقات وصلت اليوم إلى مرحلة خاصة، ترتكز على خمسة أسس في مجالات متعددة، منها المجال التنموي، والمحافظة على البيئة، والابتكار، بالإضافة إلى المجال الثقافي والشعبي.
وبحسب الساري فإن الدول العربية لديها العديد من المقومات التي تؤهلها إلى بناء مشروعات عملاقة في مجال الطاقة النظيفة، وهو مجال سجلت فيه الصين تقدماً وتفوقًا كبيرًا على مستوى العالم، متجاوزة العديد من الدول الغربية، الأمر الذي يسهم في زيادة عدد مشروعات الطاقة النظيفة التي تمولها أو تستثمر فيها الصين في الدول العربية.
ماذا تستفيد الدول العربية من الصين؟
نتحدث اليوم عن مفهوم القطبية وهي، وفقًا للساري، ليست قطبية جغرافية، وإنما هي قطبية مرتبطة بشكل كبير جدًا بالتقاء مجموعة من وجهات النظر بين الدول العربية والصين، خاصة في المساعي الرامية إلى التخلص من هيمنة المعسكر الغربي على الاقتصاد العالي، الذي يستخدم فيه الدولار واليورو كعملة رئيسة في التبادلات التجارية العالمية.
وأشار الساري خلال حديثه إلى أنّ الصين وروسيا وعدد كبير من الدول العربية، منها ما هو عضو في مجموعة “بريكس” وآخر ليس عضواً بالمجموعة، يسعون إلى تطبيق نظام تجاري عالمي جديد، تكون فيه التجارة الدولية غير معتمدة على الدولار.
ويقول الساري إنه "من الممكن أن نشهد في هذه الفترة كتابة تاريخ جديد للاقتصاد العالمي، لا يخضع إلى التبعية الغربية، بقدر ما يخضع لما يسمى بتكافؤ الفرص”.
اقرأ أيضًا: هل تنتهي هيمنة الدولار على العالم؟
فرصة لتدويل اليوان الصيني
يرى رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الدكتور كريم عادل، أنه في ظل العديد من الاضطرابات الاقتصادية العالمية التي تشهدها اقتصادات دول كبرى، وتعطل سلاسل توريد وإمداد، استمرت الصين في العمل على إنفاذ مبادرة الحزام والطريق التي تمثل أساس تعظيم الإنتاجية والخدمات اللوجستية، وزيادة حجم التبادل التجاري بين الصين والدول الداخلة في إطار المبادرة، وكذلك فيما بينها وبين بعضها البعض.
هذا يجعل الفرصة كبيرة جداً لتدويل اليوان الصيني، حيث إن التعامل به يسهل على جميع الدول سداد قيمة واردتها من الصين به حال عدم وجود اتفاقية تمويلية دولية أخرى تمنع ذلك.
“الطريق الوحيد للاعتماد على اليوان الصيني كعملة أساسية، يرتبط بحجم علاقات الصين وتكتلاتها الاقتصادية التي تعمل على التوسع فيها الآن، مثل ما يتم من اتفاقات مع الدول العربية والأفريقية”.. بحسب عادل.
كما أشار إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه تدويل اليوان الصيني، هو أن الولايات المتحدة استطاعت أن تجعل من الدولار عملة أساسية في المعاملات التجارية الدولية، الأمر الذي أصبحت معه الدول في حاجه دائمة لتوفير الدولار حتى تتمكن من سداد قيمة وارداتها السلعية من مختلف الدول.
وأوضح أن ما زاد من أهمية الدولار والحاجة الدائمة إليه، هو أن الاقتراض يتم من مؤسسات التمويل الدولية بالدولار، وبالتالي يكون لزاماً على الدول سداد أقساط القرض وفوائد الدين بالدولار أيضًا.
اقرأ أيضًا: ماذا يعني تمديد اتفاق تبادل العملات بين مصر والصين للاقتصاد المصري؟
مجتمع دولي عادل ومتوازن
أوضح الدكتور ضياء حلمي أن العالم العربي والصين، يريدان معاً مجتمعاً دولياً عادلاً ومتوازناً، باعتبار أن ذلك يصب في مصلحة البشرية كلها وليس المنطقة العربية والشرق الأوسط الملتهب بالصراعات فحسب، مضيفًا أن طاولة المفاوضات ستكون هي الحاضرة في النهاية.
ويضيف: "إذا لماذا الحرب؟ لماذا الصراع؟ لماذا قطع سلاسل الإمداد؟ الصين تعمل دائماً على إطفاء الحرائق السياسية المشتعلة كما فعلت مع السعودية وإيران، وهي الآن دخلت على خط أزمة الحرب الإسرائيلية في غزة، وتسعى لأن تكون وسيطاً للسلام في هذه القضية الأزلية".
لكن بالرغم من النجاحات الكبيرة التي حققها منتدى التعاون الصيني العربي، إلا أنه لا زال يواجه بعض التحديات التي تتطلب تعاوناً مستمراً لمعالجتها، مثل التوترات الجيوسياسية والتحديات الاقتصادية العالمية، كما أن التقارب العربي الصيني أصبح يحظى بأصداء كبيرة لدى الحكومات الغربية التي تنظر إلى هذا التقارب على أنه يسحب البساط من تحت أقدامها في منطقة لطالما كانت من المناطق الداعمة للتواجد والنفوذ الغربي.
كما أن التوسع والتمدد الصيني في العديد من المناطق في قارتي آسيا وإفريقيا وضع الصين وشركاءها في مواجهة مباشرة مع الدول الغربية التي تحاول بكل الطرق تقييد يد الصين ومنعها من استخدام نفوذها في مناطق جديدة.
قد يهمّك أيضًا: الصين والغرب.. منافسة تهدد الاقتصاد العالمي
