بدأت الدول الخليجية ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في إفريقيا، ويعكس هذا التوجه اهتمامًا متزايدًا بالفرص الاقتصادية المتاحة في القارة الغنية بالثروات الطبيعية.
إلى جانب ذلك، تسعى دول الخليج لتعزيز شراكاتها الاقتصادية مع الدول الإفريقية، لتحقيق مصالح مشتركة وتعزيز استقرار واستدامة الاستثمارات في المستقبل مثل الزراعة والصناعة والبنية التحتية والطاقة.
وفي ظل هذه الاستراتيجية، تبرز أهمية التعاون والتنسيق بين الحكومات والشركات الخليجية والإفريقية، لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الاستثمارات، وتحقيق أكبر قدر من الفائدة للطرفين.
أسباب اهتمام الدول الخليجية بإفريقيا
ويقول أبو بكر الديب الباحث الاقتصادي ومستشار المركز العربي للدراسات، إن هناك 10 أسباب رئيسية وراء القفزة الهائلة في الاستثمارات الخليجية بدول القارة الإفريقية، أهمها التقارب على مستوى الزعماء والقادة السياسيين.
إلى جانب الإرادة السياسية لتعزيز العلاقات المشتركة، وتقارب المسافة الجغرافية، وتشابه المناخ، والعلاقات المتميزة على مستوى مجتمع الأعمال.

وأضاف الديب في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia“: زادت جائحة كورونا قبل 3 سنوات من رغبة رؤوس الأموال الخليجية في البحث عن مكان آمن وقريب.
وأضاف أن اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وفرض الغرب أكثر من 14 ألف عقوبة على روسيا المصدر الرئيسي للقمح والزيوت للشرق الأوسط، وكذلك تعطل إمدادات أوكرانيا للدول الخليجية، دفع الخليجيين إلى البحث عن سوق آخر للاستثمارات.
ولفت الديب إلى رغبة دول الخليج في تحقيق الاستقرار والأمن بدول القارة السمراء لأن ذلك يمثل امتدادًا للأمن القومي الخليجي والعربي بشكل عام.
علاوة على تمتع دول إفريقيا بمقومات جذب الاستثمارات الأجنبية، مثل توافر الأراضي والأيدي العاملة الرخيصة، ورغبة الأفارقة في خلع العباءة الأوروبية عنهم.
ووفقًا للخبير، بلغت الاستثمارات الخليجية في إفريقيا نحو 102 مليار دولار خلال الفترة ما بين 2012 وحتى 2022، معظمها بدول منطقة القرن الإفريقي، خاصة في جيبوتي وإثيوبيا والسودان والصومال.
وتتوزع هذه الاستثمارات على العديد من القطاعات، منها الطاقة والزراعة والنقل والتجارة والصناعات التحويلية، كما ارتفع التعاون الخليجي الإفريقي بعد أن ازدادت رغبة الطرفين في تحقيق الأمن الغذائي.
رؤوس الأموال الخليجية بين الاقتصاد والسياسة
وبحسب الإحصاءات الرسمية الخليجية، ارتفعت تدفقات رؤوس الأموال الخليجية إلى دول جنوب الصحراء الإفريقية بنحو 3.9 مليار دولار بين عامي 2005 و2015، نظرًا للأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي الذي يطل على طرق التجارة العالمية والمضائق الاستراتيجية المتجهة من دول الخليج إلى أوروبا وأمريكا.
وتوقع الديب وصول الاستثمارات الخليجية في القارة السمراء إلى 200 مليار دولار خلال العقدين المقبلين، لتتخطى استثمارات آسيا وأوروبا الغربية في أفريقيا.
وأشار الديب إلى توسع استثمارات الخليج العربي في صناعات النفط والغاز والتعدين والزراعة، وفي مجالات البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والرقمنة والبنية التحتية الرقمية والخدمات المالية.
واستطرد مستشار المركز العربي للدراسات، اتخذت التجارة بين الطرفين نموًا متسارعًا، ونمت التجارة السلعية بين دول الخليج وإفريقيا بشكل كبير في السنوات العشر الماضية، حيث بلغت 154 مليار دولار عام 2022، في حين بلغ حجم التجارة بين إفريقيا وأمريكا 74 مليار دولار، وتم ضخ الأموال الخليجية في شرايين الاقتصاد الإفريقي ووصلت إلى قطاعات النفط والغاز والتعدين والزراعة وغيرها.
واستكمل قائلا إن حركة رؤوس الأموال اقترنت بتحركات دبلوماسية وتحالفات سياسية واتفاقيات دولية، وتكتلات اقتصادية.
سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا.. من سيبسط سيطرته؟ اكتشف التفاصيل في التقرير الكامل!
النفط والغاز
وخلال موجة وباء كورونا تأثرت دول الخليج بعد انخفاض أسعار النفط إلى مستويات تاريخية وحدوث اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية.
ونتيجة لذلك، برزت أهمية التنوع الاقتصادي والأمن الغذائي كأولويات لسياسة دول مجلس التعاون الخليجي، ومنها تطوير العلاقات الاقتصادية مع إفريقيا، وزيادة فرص التعاون في مجالات متعددة.
وفي نوفمبر الماضي، وخلال عقد القمة السعودية الأفريقية، قال الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء، في كلمته بالقمة في الرياض، إن المملكة تتطلع لضخ استثمارات سعودية جديدة في مختلف القطاعات بالقارة الإفريقية بما يزيد عن 25 مليار دولار، وتأمين تمويل بـ 10 مليارات دولار من الصادرات، وتقديم تمويل إضافي بقيمة 5 مليارات دولار لإفريقيا حتى 2030.
وذلك لتطوير علاقات الشراكة مع دول القارة وتنمية مجالات التجارة والتكامل، وتم وقتها إطلاق مبادرة خادم الحرمين الشريفين الإنمائية في إفريقيا عبر تدشين مشروعات وبرامج إنمائية في القارة بقيمة تتجاوز مليار دولار على مدى 10 سنوات، وقد قدمت المملكة أكثر من 45 مليار دولار لدعم المشاريع التنموية والإنسانية في 54 دولة أفريقية.
الثروات المعدنية بإفريقيا
وعظَّمَت دول الخليج العربي الاستفادة من الثروات المعدنية والموارد الطبيعية والمواد الخام الأولية الضخمة في إفريقيا التي تعد المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي، وقد بلغت التدفقات الاستثمارية العالمية إلى إفريقيا 83 مليار دولار في عام 2021 وحده، لذا حرص رجال الأعمال الخليجيون على اقتناص الفرص في القارة السمراء.
وطبقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، توجد في القارة السمراء 30% من احتياطيات المعادن في العالم، و8% من الغاز الطبيعي، و12% من احتياطيات النفط، و40% من الذهب، و90% من الكروم والبلاتين، واحتياطيات ضخمة من الكوبالت والماس واليورانيوم، و65% من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم، و10% من مصادر المياه العذبة المتجددة. فضلاً عن الثروة البشرية والسوق الاستهلاكي الذي يزيد عن 1.4 مليار مستهلك.
وتعدّ الإمارات من اكبر المستثمرين في العالم في القارة الإفريقية باستثمارات بلغت 97 مليار دولار خلال عامي 2022 و2023.
وتحاول شركات خليجية كبرى الحصول على مساحة أكبر في صناعات النفط والغاز والتعدين في قارة إفريقيا، بالإضافة إلى مجالات تعاون أخرى مثل الطاقة المتجددة والقطاع الزراعي والبنية التحتية والنقل.
قد يهمّك أيضًا: المعادن النادرة.. وقود الصراع بين القوى العظمى
القارة البكر: دور الخليج والصين في تنمية الموارد والبنية التحتية
ووصف الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء ، قارة إفريقيا بأنها “بكر” وتحتاج إلى كثير من الاستثمارات، لافتاً إلى أنها كانت في الماضي مقسمة بين فرنسا وبريطانيا وتركز اهتمامهم على المواد الخام فقط، التي تعود إلى إفريقيا بعد ذلك في صورة سلع مرتفعة التكلفة بصورة كبيرة.
وبالتالي لم تستفد إفريقيا بصورة كبيرة من وضعها كمصدر للمواد الخام وعناصر الإنتاج، ثم تغير الحال وأصبح هناك وجود أمريكي كبير.
ويقول جاب الله في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia“: حديثًا بدأت الصين تتواجد في إفريقيا وضخت استثمارات كثيرة في البنية التحتية، تبعتها دول الخليج، لا سيما الإمارات والمملكة العربية السعودية، هو وجود مهم لكل الأطراف.
وأكد الخبير، أن إفريقيا بحاجة إلى كل تمويل يصل إليها وإلى كل من يمد لها يد العون للقيام بمشروعات بها، على الجانب الآخر، تعد استثمارات إفريقيا هامة للجانب السعودي والإماراتي ودول الخليج بصفة عامة، حيث تدخل ضمن استراتيجية تنويع الاستثمارات الخليجية.
فصناديق الاستثمار الخليجية، التي تتصدر عملية التنويع الاقتصادي، تمتلك بالفعل استثمارات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، كما تتابع امتدادها في مصر، وكان آخرها اتفاقية رأس الحكمة، التي تعد جزءًا من تنويع مجالات استثمارها الجغرافي.
واتفق جاب الله مع رأي الديب، قائلًا: تقتحم دول الخليج السوق الإفريقية لتضخ استثمارات، لا سيما في المجالات التي تحتاجها، مثل الزراعة والصناعات الغذائية، لتمد الخليج بما يحتاجه من الغذاء والحاصلات الزراعية في ظل امتلاك إفريقيا للأراضي الخصبة بوفرة كبيرة.
كما أن الاستثمار في إفريقيا مربح بطبيعة الحال، مع اتجاه الكثير من الدول الإفريقية نحو تبني برامج إصلاحات اقتصادية وبرامج تعاون اقتصادي بينها وبين دول العالم، خاصةً بعد توسعها في مشروعات البنية التحتية بالتعاون مع الصين، مما يمكن أن يساعد في أن تكون مصدرًا للمواد الخام للقطاعات الصناعية التي يتم تطويرها الآن في المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

الأمن الغذائي الخليجي
يقول الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، إن الاستثمارات الخليجية، وخاصة الإماراتية والسعودية و الكويتية، تركز بشكل خاص على تأمين الأمن الغذائي من خلال استثمارات زراعية في العديد من الدول.
يشرح الدكتور أنيس أن السبب الرئيسي وراء هذه الاستثمارات هو ارتباط الأمن الغذائي بالاقتصاد، مما دفع الدول إلى الاستثمار في الزراعة، وهذا التوجه يضمن عودة المنتجات الزراعية إلى الدول المستثمرة، مثلما يحدث في استثماراتهم في الأرجنتين وأستراليا وإثيوبيا.
وأكد الدكتور أنيس في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، أن القارة الإفريقية تُعتبر جزءًا أساسيًا من استراتيجية تأمين الأمن الغذائي للدول الخليجية، نظرًا لكونها غنية بالموارد الطبيعية ولا تزال بكرًا من حيث الاستثمار.
وأوضح أن استثمار القدرات المالية الخليجية في إفريقيا سيكون له عوائد مباشرة، نظرًا لتوافر الموارد والمعادن هناك.
قد يهمّك أيضًا: أثرياء إفريقيا يفرون منها والدول تتسابق للاستثمار فيها
النشاط الاقتصادي في القارة الإفريقية
وأضاف أن هناك مساحة واسعة للتوسع الاستثماري والنشاط الاقتصادي في القارة الإفريقية مقارنة بباقي القارات، مما يجعلها وجهة مفضلة للمحافظ الاستثمارية والصناديق الصناديق السيادية، موضحا أن هذه الصناديق عادة ما تتوجه إلى المناطق البكر لتحقيق أكبر عوائد ممكنة من استثماراتها.
وأكدت الدكتورة سمر عادل، الخبيرة الاقتصادية، أن الاستثمارات الخليجية في إفريقيا ستركز على دول منطقة القرن الإفريقي نظرًا لموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، وبالتالي فإن استثماراتها بالمنطقة ستعود عليها بمكاسب سياسية واقتصادية.
ولفتت الخبيرة في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” إلى وجود تنافس كبير بين الاستثمارات الإماراتية والسعودية، قائلة: تجهز الدولتان نفسيهما لتصبحا قوة كبرى ليس فقط في الإقليم بل في الاقتصاد العالمي.
مستقبل الاستثمارات الإماراتية
وأشارت الخبيرة إلى أن التواجد الأمريكي العسكري والأمني في إفريقيا فاق الاقتصادي، ولكن في ظل حربها مع الصين للهيمنة على النظام العالمي بدأت تزيد من حجم استثماراتها، ليصبح معدل الزيادة في حجم الاستثمارات الأمريكية في ارتفاع مقابل تراجع الاستثمارات الصينية.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة قررت العودة وبقوة للاستثمار في القارة للهيمنة على الاقتصاد والنظام العالمي، موضحة أنه في المجمل يظل حجم الاستثمارات الصينية أكبر من الاستثمارات الأمريكية حتى الأن.
وذكرت الخبيرة أن الإمارات من أهم عشر مستثمرين في القارة وفقًا لتقارير رسمية وقد تصل في المستقبل بحجم استثمارات أكبر قد يوازي استثمارات القوى الكبرى، ويمكن أن تنافس الولايات المتحدة، ولكن من الصعب منافسة الصين لسيطرتها على طريق الحرير الذي تحاول من خلاله الهيمنة على القارة اقتصاديًا وأمنيًا.
واتفق جاب الله مع رأي الخبيرة قائلًا : إن الامتداد الإفريقي مهم للدول الخليجية ويحقق مصالح الطرفين، ولا تتعارض تلك الاستثمارات مع الاستثمارات الصينية والأمريكية، حيث إن المجال في إفريقيا يتسع للجميع.
