أسواق العملات

    الدولار في أقوى حالاته منذ الثمانينات.. هل يستمر؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •3 دقائق
    شخص يعد مجموعة أوراق نقدية من فئة الـ100 دولار أمريكي.

    على مدى عقد من الزمان، فرض الدولار الأمريكي سيطرته المطلقة على سوق العملات العالمية، ورغم التوقعات المتفائلة في "وول ستريت" باحتمالية تراجعه تلقى الأخضر دَفعة قوية بفضل بيانات التضخم العنيدة، التي دفعت المستثمرين إلى التراجع عن مراهنات خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

    ورغم أن الدولار لا يزال دون ذروته المسجلة عام 2022، إلا أنه يظل باهظ الثمن تاريخياً بالقيم المعدلة حسب التضخم؛ حيث يقل بنسبة 10% فقط عن مستواه عام 1971، حين أنهى الرئيس ريتشارد نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. ووفقاً لبيانات بنك التسويات الدولية، لم يشهد العالم دولاراً بهذا المستوى من القوة المستمرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، إبان الحقبة الشهيرة لرئيس الفيدرالي الأسبق بول فولكر.

    محركات القوة: لماذا يرفض الدولار الهبوط؟

    يرى أحمد نجم، رئيس أبحاث المنطقة العربية في شركة XS.com، في تصريحات خاصة، أن الصعود الراهن للدولار يحركه مزيج معقد من السياسات النقدية والاضطرابات الجيوسياسية:

    • فجوة أسعار الفائدة: تشديد الفيدرالي لسياساته النقدية ورفع الفائدة لمواجهة التضخم جعل الأصول المقومة بالدولار أعلى عائداً وأكثر جاذبية للمستثمرين.

    • ملاذ آمن وسط الأزمات: تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية حول العالم -مثل تداعيات حرب أوكرانيا في أوروبا وتباطؤ النمو في الصين- دفع برؤوس الأموال للهروب نحو العمق الأمريكي بحثاً عن الاستقرار.

    • التحول الهيكلي للطاقة والصناعة: لم تعد الولايات المتحدة مستورداً صافياً للطاقة بل تحولت إلى مصدر صافٍ بفضل ثورة النفط الصخري، يضاف إلى ذلك السياسات الصناعية الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر، والرسوم الجمركية التي تدفع بالعملة نحو الأعلى تلقائياً.

    اقرأ أيضًا: سر هيمنة الدولار.. النفط والجيش ومعادلة البترودولار

    كيف أثرت قوة الدولار على الأسواق العالمية؟

    وعادةً ما يمنح هبوط الدولار قبلة الحياة للاقتصاد العالمي، لكون نحو نصف الفواتير التجارية وثلاثة أرباع الديون غير المصرفية حول العالم مقومة به، مما يعني أن تراجعه يخفف العبء فوراً عن الأسواق الناشئة.

    وفي المقابل، انعكس الارتفاع الحقيقي للدولار سلباً على أداء الأسواق المتقدمة خارج أمريكا الشمالية مقارنة بالسوق الأمريكي منذ الأزمة المالية العالمية؛ فبينما سجلت القيمة الحقيقية للدولار المعدلة حسب التضخم نمواً بنسبة 35% منذ نهاية عام 2009، ما تسبب في زيادة تكلفة الاقتراض الدولي وتقليص أرباح الشركات متعددة الجنسيات، حقق مؤشر "S&P 500" للأسهم الأمريكية قفزة هائلة بلغت 500% مستقطباً رؤوس الأموال بقوة بفضل طفرة عمالقة التكنولوجيا.

    هذا الأداء الاستثنائي قابله ضعف نسبي واضح في مؤشر "MSCI EAFE" للأسواق المتقدمة خارج أمريكا الشمالية، والذي لم تتجاوز نسبة نموه 200% جراء الضغوط المستمرة المرتبطة بقوة العملة الأمريكية.

    اقرأ أيضًا: حكاية غريبة عن الدولار

    رياح التغيير والتحديات المقابلة

    على المدى المتوسط، يرى محلل أسواق المال، أحمد مجدي، أن استدامة هذا الصعود تواجه تحديات هيكلية صارمة، لأنّ الدولار القوي سلاح ذو حدين؛ فهو يضعف القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية، ويقضم أرباح الشركات متعددة الجنسيات عند تحويل أرباحها الخارجية.

    وقال مجدي: "الأخطر من ذلك هو أزمة استدامة الديون للدول النامية التي تقترض بالدولار، مما قد يفجر عدم استقرار مالي يرتد أثره على واشنطن، ناهيك عن التوجه الاستراتيجي لبعض القوى الكبرى لتقليص حيازتها من السندات الأمريكية لصالح رفع احتياطيات الذهب".

    كما أن المشهد السياسي يلعب دوراً بارزاً؛ ففي حال فوز دونالد ترامب بالرئاسة، تبرز توجهات من مستشاريه الاقتصاديين تدعو إلى إضعاف الدولار عمداً لتقليص العجز التجاري، خاصة في مواجهة اليوان الصيني. بالتزامن مع ذلك، بدأت بوادر تعافٍ اقتصادي تكتسب زخماً في منطقة اليورو واليابان والصين، وهو ما يوفر تاريخياً البيئة المثالية لضعف الدولار وانتقال السيولة إلى الأسواق الدولية.

    هل يعيد التاريخ نفسه؟ درس فندق "بلازا" 1985

    يؤكد خبراء الاقتصاد أن العملات لا يمكن أن ترتفع إلى الأبد؛ ففي عام 1985، وصل الدولار إلى مستويات قياسية هددت قطاع التصنيع الأمريكي بالشلل. حينها، اضطر المسؤولون الأمريكيون لعقد اجتماع تاريخي في فندق "بلازا" بنيويورك مع قادة بريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان، أسفر عن تنسيق دولي لخفض قيمة الدولار عمداً، وهو ما أدى بحلول عام 1988 إلى فقدان الأخضر لثلث قيمته الحقيقية.

    اقرأ أيضا: هل تنتهي هيمنة الدولار على العالم؟