تقارير اقتصادية

    ترامب يعود والدولار ينتصر.. رهانات القوة والمخاطر

    •آخر تحديث •5 دقائق
    ترامب يعود والدولار ينتصر.. رهانات القوة والمخاطر

    تقرير: باسل محمود

    مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يشهد الدولار الأمريكي مرحلة صعود قوية، مع تفاؤل الأسواق حيال سياساته الاقتصادية، فمنذ فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية بدأ المستثمرون في زيادة رهاناتهم على الدولار، مستفيدين من التوقعات بأن سياسات ترامب الاقتصادية ستكون داعمة للنمو الداخلي.

    وفي الوقت الذي كانت فيه الأسواق تتأرجح بين الآمال والشكوك حول الإدارة الجديدة، بدأت رهانات المضاربين على الدولار في الصعود، خاصة في ظل التفاؤل بسياسات مالية تتسم بالتوسع، بحسب بلومبرج و”UBS”.

    ترامب يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي

    أظهرت بيانات لجنة تداول السلع الآجلة (CFTC) أن العقود المشتقة المرتبطة بمكاسب الدولار بلغت 34.6 مليار دولار أمريكي حتى 14 يناير، بزيادة مليار دولار تقريبًا مقارنة بالأسبوع السابق، ما يمثل أعلى مستوى منذ عام 2019، الأمر الذي يعزز مكانة الدولار كعملة رئيسية جذابة في الأسواق العالمية.

    الاستثمار الضخم في الدولار يعكس ثقة المستثمرين في الأداء المتوقع للاقتصاد الأمريكي في ظل سياسات ترامب الاقتصادية، فقد أصبح من الواضح أن الأسواق تُراهن على تنفيذ ترامب لسياسات اقتصادية تضخمية تستهدف دعم النمو الداخلي، أبرزها فرض تعريفات جمركية على السلع المستوردة، وزيادة الإنفاق على البنية التحتية، وتقليل الضرائب على الشركات.

    من المرجح أن تؤدي سياسات ترامب إلى تعزيز الطلب على الدولار باعتبارها المحرك الرئيس للرهانات الصعودية على الدولار، حيث يتوقع المستثمرون أن تتدفق الأموال إلى الأصول الأمريكية، ويعتقد المضاربون أنَّ قوة الدولار ستظل مدعومة بقرارات تهدف لحماية الصناعات وتعزيز مكانة الاقتصاد على الساحة العالمية.

    في هذا السياق، تقول كاثي ليين، المديرة التنفيذية لشركة BK Asset Management: “عودة ترامب تخلق بيئة استثمارية تدفع المضاربين للرهان على مكاسب أكبر للدولار، معتمدين على وعود بسياسات تعزز النمو”.

    موضوع ذو صلة: “ترامب” يهدد “بريكس” برسوم جمركية لحماية الدولار

    أرقام قياسية تعزز التفاؤل

    بجانب الرهانات السياسية على ترامب، يعكس ارتفاع مؤشر بلومبرغ لقياس أداء الدولار الذي ارتفع بنسبة 5% منذ يوم الانتخابات، مدى التفاؤل السائد في الأسواق المالية حول قدرة الدولار على الاستمرار في الصعود، ليس فقط بفضل السياسات المتوقعة، بل أيضًا استجابة للأسواق التي بدأت ترى الدولار كملاذ آمن في مواجهة التقلبات العالمية.

    الزيادة في قيمة الدولار جاءت متزامنة مع زيادة المراكز الصعودية على العملة الأمريكية، حيث رفع المستثمرون في الأسواق الأجنبية من رهاناتهم على الدولار بينما قللوا من رهاناتهم على العملات الأخرى.

    وتظهر بيانات CFTC أن هناك 34.6 مليار دولار مخصصة للعقود المرتبطة بمكاسب الدولار، ما يعكس ثقة كبيرة في العملة الأمريكية. هذه الرهانات تصاحبها أيضًا تحركات بيع على العملات الرئيسية، مثل اليورو والدولار الكندي، مما يعزز الانطباع بأن الدولار سيستمر في اكتساب القوة.

    تأثير عودة ترامب على الاقتصاد العالمي

    لم يقتصر تأثير قوة الدولار على الأسواق الأمريكية فقط، بل امتد ليضغط على عملات رئيسية مثل اليورو والين الياباني التي تُعتبر من بين أبرز المنافسين للدولار، إلا أن التغيرات في السياسة الاقتصادية الأمريكية أثرت بشكل واضح على قوتهما.

    أولاً، اليورو يعاني من تراجع حاد، حيث وصل إلى أدنى مستوياته مقابل الدولار عند 1.05، وذلك بسبب تباطؤ نمو الاقتصاد الأوروبي، إضافة إلى استمرارية السياسات النقدية التيسيرية من البنك المركزي الأوروبي.

    ثانيًا، الين الياباني شهد انخفاضًا ملحوظًا أيضًا، حيث سجل الدولار ارتفاعًا أمامه إلى مستويات تاريخية، مما دفع الحكومة اليابانية إلى التفكير في رفع الفائدة، وسط مخاوف من تأثير الضعف المستمر للين على الاقتصاد، كما لجأ بعض المسؤولين في اليابان لدراسة خيارات جديدة لرفع سعر الفائدة لكبح ضعف الين، وفقًا لتقارير رويترز.

    اقرأ المزيد من التفاصيل في هذا التقرير: الدولار في حال فوز ترامب بولاية ثانية

    ماذا تعني قوة الدولار؟

    رغم الزخم الإيجابي الذي يدفع الدولار الأمريكي نحو مستويات جديدة، يُحذر الخبراء من احتمالية حدوث تصحيح في قيمته، خاصة إذا لم تُنفذ إدارة ترامب السياسات الموعودة بالسرعة المتوقعة أو كانت هناك تحديات غير متوقعة.

    أولًا، تكدس المراكز الطويلة على الدولار يمثل تحديًا لاستمرار الزخم الصعودي، كما أشار بنك أوف أميركا إلى أن هذه المراكز هي “العائق الأكبر” أمام استمرار قوة الدولار، حيث يُظهر ذلك أن العديد من المستثمرين قد وضعوا رهاناتهم على الدولار، ما يعني أن أي تحركات غير متوقعة قد تؤدي إلى تصحيح في أسواق الصرف.

    ثانيًا، سياسات الاحتياطي الفيدرالي تُعد عاملًا آخر في تحديد مسار الدولار، فالتوقعات تشير إلى أنه قد يتم خفض أسعار الفائدة بمقدار 125 نقطة أساس بنهاية العام، وهو ما يُحتمل أن يقلل من جاذبية الدولار كملاذ آمن في المستقبل القريب.

    أخيرًا، المخاطر السياسية هي أيضًا أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر على قوة الدولار، فإذا واجهت إدارة ترامب أي صعوبات في تنفيذ سياساتها أو في التعامل مع التحديات الاقتصادية أو السياسية، فقد ينعكس ذلك سلبًا على الدولار في الأسواق العالمية.

    الدولار في فترة ترامب الأولى

    خلال ولاية ترامب الأولى، شهد الدولار تقلبات حادة، حيث تأثرت الأسواق بقرارات غير تقليدية أقدم عليها الرئيس الأمريكي، مثل الحرب التجارية مع الصين والانخراط في خلافات مع حلفاء تقليديين. ومع ذلك، فإن بعض السياسات، مثل التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق على البنية التحتية، كانت عوامل أساسية في دعم الدولار.

    بناءً على تلك التجربة، يتوقع الخبراء أن تتبع فترة ولاية ترامب الثانية نفس المسار من حيث التقلبات، ولكن بتأثيرات أكبر بسبب السياسات التوسعية التي قد تُنفذ بسرعة أكبر هذه المرة.

    إلى أين يتجه الدولار؟

    رغم أن مؤشر الدولار قد شهد صعودًا كبيرًا في الأشهر التي تلت الانتخابات، تظل هناك تساؤلات بشأن استمرارية هذا الاتجاه، ولا شك أنّ عام 2025 سيكون حاسمًا في تحديد اتجاه الدولار، حيث يُتوقع أن يواجه العديد من التحديات، خاصة إذا لم تحقق سياسات ترامب أهدافها. علمًا أنّ السيناريوهات المحتملة تشمل ما يأتي:

    • الصعود بنسبة 5%: وذلك في حال إذا استمرت إدارة ترامب في تنفيذ سياسات توسعية مدعومة بمزيد من التحفيز المالي.
    • تصحيح مؤقت: إذا تم تأجيل أو تعديل بعض السياسات الاقتصادية، قد يشهد الدولار انخفاضًا طفيفًا أمام العملات الأخرى.
    • هبوط على المدى المتوسط: تشير بعض التوقعات إلى أن الدولار قد يضعف أمام العملات الأوروبية والآسيوية بحلول نهاية 2025.

    اقرأ أيضًا: مستقبل الدولار الأميركي بعد تهديدات ترامب

    فرص استثمارية وسط التقلبات

    يُنصح المستثمرون بالاستفادة من فترات قوة الدولار، لتحويل أصولهم إلى عملات أو أصول أخرى أكثر استقرارًا، ووفقًا للخبراء؛ فإنّ من الأفضل أن يتم توجيه الاستثمارات نحو الأصول المتنوعة جغرافيًا وتحديدًا تلك التي تتسم بالاستقرار في فترات التقلبات الكبيرة.

    تمثل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، نقطة تحول رئيسية في مسار الدولار، وبينما تشير التوقعات إلى مزيد من القوة على المدى القصير، يبقى الحذر ضروريًا في ظل التحديات السياسية والاقتصادية، ويظلُّ السؤال، هل يحافظ الدولار على قوته في ظل المتغيرات العالمية، أم أن الأسواق ستشهد تقلبات تُعيد تشكيل المشهد؟