تقرير: باسل محمود
في ظل تزايد الاشتباكات الدفاعية ضد الصواريخ التي تنطلق من اليمن ولبنان وإيران تجاه إسرائيل، أصبحت وسائل الإعلام تعتمد بشكل متزايد على مقارنة تكلفة الصواريخ الاعتراضية بالمسيّرات أو الصواريخ التي يتم اعتراضها. فمثلًا، تناولت بعض التقارير استخدام البحرية الأمريكية لصاروخ “Standard Missile-2” الذي تبلغ تكلفته مليوني دولار، لاعتراض مسيرات حوثية تكلف نحو 2000 دولار فقط.
نسبة تبادل التكلفة: بين الجاذبية الإعلامية والتحديات التقنية
الإطار المعتمد على “نسبة تبادل التكلفة” جذاب، لأنه يستند إلى حقيقة أن الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي والصاروخي الأمريكي أغلى نسبيًا من الصواريخ الهجومية، وفقًا لما جاء في وثائق موازنة السنة المالية 2024، ويرجع ذلك إلى المتطلبات التقنية العالية للصواريخ الاعتراضية التي تحتاج إلى سرعة ودقة أعلى لاعتراض الصواريخ الهجومية بنجاح.
لكن على الرغم من التحديات التقنية، هناك دلائل على أن البحرية الأمريكية نجحت في تخفيض تكلفة الصواريخ الاعتراضية مع مرور الوقت، حيث انخفضت تكلفة الوحدة من صواريخ “Standard Missile-6″ و”Standard Missile-2″ و”Evolved Sea Sparrow” على مر السنوات، علمًا أنّ الزيادات في التكلفة غالبًا ما ترتبط بإدخال نسخ جديدة أكثر تطورًا.
اقرأ أيضًا: هل يتحمل الاقتصاد الإيراني تداعيات الصراع المرتقب؟
كلفة الصواريخ مقابل قيمة الأهداف
قرارات الدفاع الجوي والصاروخي لا تعتمد فقط على مقارنة تكلفة الصواريخ، فعلى متن السفن يفضل الضباط اختيار الخيارات الأقل تكلفة لمواجهة التهديدات، لكن في بعض الحالات تدعو الحاجة إلى استخدام صواريخ أغلى لتغطية مناطق واسعة أو للتعامل مع تهديدات أكبر وأكثر خطورة، مثل الصواريخ الباليستية التي أطلقها الحوثيون.
إضافة إلى ما سبق ذكره هُناك ثغرة أُخرى، وهي تجاهل قيمة الأصول المحمية، ففي حالة اعتراض الصواريخ الحوثية تحمي الدفاعات الجوية السفن التجارية في البحر الأحمر التي تمثل نحو 10% من التجارة البحرية العالمية، وبالتالي فإن حماية هذه الأصول الحيوية تبرر التكلفة المرتفعة للصواريخ الاعتراضية.
حجم السوق العالمي لأنظمة الدفاع الجوي
وصل حجم سوق أنظمة الدفاع الجوي العالمي إلى 47.2 مليار دولار في عام 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى 70.5 مليار دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.43% خلال الفترة من 2024 إلى 2032، ومن أبرز العوامل التي تقود هذا النمو؛ التوتر الجيوسياسي المتزايد، والتقدم التكنولوجي المستمر، وزيادة الميزانيات الدفاعية، وارتفاع التهديدات السيبرانية.
دوافع تسريع الطلب على أنظمة الدفاع الجوي
يُسهم التفاقم في حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي والنزاعات عبر الحدود، والخلافات الإقليمية بين الدول، والتمردات السياسية، وزيادة الحروب الجوية في دفع الطلب على أنظمة الدفاع الجوي الفعالة، كما أنّ الحاجة المتزايدة لتحديث الدفاعات القديمة والتقنيات العتيقة تزيد من الطلب على الأنظمة المتقدمة للدفاع الجوي.
علاوة على ذلك، تعمل الحكومات في العديد من الدول على تحديث معدات القوات الأرضية، إلى جانب زيادة الميزانيات العسكرية، وذلك لمواكبة الاستثمارات المتزايدة من قِبَل اللاعبين الرائدين في السوق في أنشطة البحث والتطوير التي تهدف إلى تطوير معدات وأسلحة متقدمة سريعة الحركة وذاتية القيادة وغير قابلة للتتبع، وهذا بدوره يُسهم في دفع نمو السوق.
التحديات التقنية والفرص المستقبلية
تُعتبر التكاليف المرتفعة لأنظمة الدفاعات والتكنولوجيا وسلاسل التوريد المرتبطة بها من العوامل التي تعرقل نمو السوق، إلا أنّ الابتكارات في تقنيات الرادار، وتوجيه الصواريخ، وأجهزة الاستشعار تفتح فرصًا لتطوير أنظمة دفاع جوي أكثر فعالية وكفاءة، كما تُقدّم الأسلحة القائمة على الطاقة الموجهة وأنظمة الدفاع ضد الصواريخ فائقة السرعة فرصًا جديدة للنمو في السوق.
اقرأ أيضًا: هل تضرب إسرائيل منشآت النفط الإيرانية؟
الميزانيات الدفاعية المرتفعة محرك الأنظمة المتقدمة
تشكل الميزانيات الدفاعية المتزايدة دافعًا مهمًا لنمو سوق أنظمة الدفاع الجوي، فوفقًا لدراسة سنوية أجرتها مؤسسة فكرية عسكرية، ارتفعت الإنفاقات الدفاعية العالمية بنسبة 9% لتصل إلى مستوى قياسي قدره 2.2 تريليون دولار في عام 2023، نتيجةً للتوترات الجيوسياسية المتصاعدة بسبب غزو روسيا لأوكرانيا؛ إذ إنّ الميزانيات المرتفعة تمكن الدول من الاستثمار في تقنيات دفاع جوي متقدمة؛ تشمل أنظمة الرادار الجديدة، والصواريخ، وآليات الاعتراض.
كما تؤدي الاتفاقيات الدفاعية التعاونية والشراكات بين الدول دورًا محوريًا في تعزيز السوق ونموه، حيث تتضمن في كثير من الأحيان تبادل التكنولوجيا وبرامج التطوير المشتركة، فعلى سبيل المثال، تعاونت شركة “RTX Corporation”، في يناير 2024، مع “Kongsberg Defense & Aerospace” ومختبر الأبحاث الجوية الأميركي، بهدف تطوير الأداء الخاص بمستشعر “GhostEye MR” لنظام الدفاع الصاروخي الوطني “NASAMS”.
وتُسهم التحسينات المستمرة على تكنولوجيا الرادار، والصواريخ، والأتمتة في تعزيز فعالية أنظمة الدفاع الجوي، مما يجعلها أكثر جاذبية للاستثمار العسكري. على سبيل المثال، أعلنت منظمة الأبحاث والتطوير الدفاعي الهندية في أغسطس 2024 عن تطوير صاروخ سطح – جو بعيد المدى جديد لصالح البحرية الهندية بمدى يتجاوز 250 كيلومترًا، مما يوفر حماية قوية للسفن الحربية ضد مجموعة متنوعة من التهديدات الجوية.
تصاعد التهديدات الأمنية يرفع الحاجة إلى أنظمة دفاع مرنة
أسهمت التوترات الجيوسياسية المتزايدة وانتشار الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز في زيادة الطلب على أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة؛ حيث تستثمر الدول في الدفاعات الجوية لحماية مواطنيها وثرواتها من أي تهديد خارجي. وتشمل أنظمة الدفاع الجوي أنواعًا عديدة؛ مثل أنظمة الدفاع الصاروخي، وأنظمة الدفاع المضادة للطائرات، وأنظمة مواجهة الطائرات بدون طيار، وأنظمة الدفاع ضد الصواريخ والمدفعية والهاون.
وأخيرًا، يُمكن القول إن أهمية الدفاع الجوي شهدت تزايدًا ملموسًا في هذا العالم الذي تتصاعد فيه التهديدات الأمنية، إذ تُعتبر هذه الأنظمة ضرورة استراتيجية لحماية الأصول الوطنية والمصالح الحيوية. كما أنّ الابتكارات التكنولوجية وزيادة الميزانيات الدفاعية أسهمت في تطوير أنظمة دفاعات جوية فعالة وذات كفاءة عالية، مما جعلها واحدة من أسرع القطاعات نموًا في مجال الدفاع.
