اقتصادات عربية

    الدعم في مصر.. أيهما الأفضل النقود أم السلع؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •4 دقائق
    مواطن يُعاين الفاكهة في سوق شعبي للخضار والفاكهة في مصر.

    عاد ملف الدعم ليتصدر نقاشات الشارع المصري والأوساط الاقتصادية، في وقت تسعى فيه الدولة لموازنة التزاماتها المالية مع توفير شبكة أمان اجتماعي تضمن العيش الكريم للمواطنين. ويظل السؤال المحوري الذي يشغل صانعي السياسات والمستحقين على حد سواء: أيهما أفضل.. الدعم العيني أم الدعم النقدي؟

    وتكتسب هذه المفاضلة أهمية بالغة بالنظر إلى حجم المخصصات الضخمة؛ حيث تشير بيانات وزارة المالية المصرية إلى ارتفاع إجمالي مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في الموازنة العامة إلى 636 مليار جنيه، بزيادة قدرها 106 مليارات جنيه مقارنة بالعام المالي السابق الذي سجل 530 مليار جنيه.

    كيف تتوزع مخصصات الدعم في الموازنة العامة؟

    يستأثر الدعم السلعي بالكتلة الأكبر من المنظومة، وهو ما توضحه المؤشرات المالية الآتية:

    بند الدعم

    القيمة المادية

    النسبة من الإجمالي

    إجمالي الدعم والمنح والمزايا

    636 مليار جنيه

    100%

    الدعم السلعي الإجمالي

    298 مليار جنيه

    47% من إجمالي الدعم

    دعم السلع التموينية

    134 مليار جنيه

    45% من الدعم السلعي

    الدعم العيني: أداة حمائية وملاذ ضد التضخم

    وفي قراءة لطبيعة المنظومة، يرى أستاذ الاقتصاد ومساعد وزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، الدكتور مدحت نافع، في تصريحات خاصة، أن الدعم النقدي ليس حلاً جذرياً لمشكلة الدعم في حد ذاتها، بل هو أداة لمعالجة عدم الكفاءة في إدارة منظومة الدعم العيني.

    وأوضح نافع أن الدعم العيني أداة حمائية عالمية، حيث تظهر الدراسات أن 44% من سكان العالم يتلقون شكلاً من أشكال الدعم العيني، سواء في الدول المتقدمة، أو الناشئة، أو النامية. وحذر من التوقيت الحالي للتحول، قائلاً:

    التحول إلى الدعم النقدي يتزامن مع معاناتنا من مستويات تضخم مرتفعة، لاسيما في مجموعة الطعام والشراب، والدعم النقدي يسهم في تعزيز هذه المعدلات التضخمية. لذا، يفضل المواطن المصري الدعم العيني نتيجة لتغير أسعار السلع بوتيرة متسارعة، وكان يجب توفير آليات تحوط ضد التضخم قبل الإقدام على هذه الخطوة.

    مزايا وعيوب الدعم العيني

    المزايا:

    • ضمان وصول السلع الأساسية (الغذاء والوقود) للمواطنين بمعزل عن تقلبات الأسعار.

    • تقليص فرص التهريب واستغلال التجار غير الشرعيين.

    • الحفاظ على استقرار أسعار السلع في الأسواق المحلية.

    العيوب:

    • ارتفاع التكلفة الإدارية لإدارة وتوزيع السلع.

    • احتمالية هدر الموارد عند غياب آليات التوزيع الفعالة.

    • صعوبة وصول السلع للمستحقين في بعض الأحيان.

    الدعم النقدي: ترشيد الإنفاق ومخاطر السيولة

    من جانبه، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، الدكتور وليد جاب الله، أن التوجه نحو الدعم النقدي لا يستهدف تقليص المخصصات، بدليل الزيادة المسجلة في الموازنة والبالغة 106 مليارات جنيه. ومع ذلك، يرى جاب الله أن قدرة هذه الزيادة على تغطية الدعم النقدي تظل محل شك في ظل عدم وضوح مسار التضخم العالمي.

    وأشار جاب الله إلى وجود ثغرات في المنظومة العينية الحالية تستوجب الترشيد، مثل حصول المقيمين غير المصريين على دعم الوقود والكهرباء، وتسرب جانب من دعم الخبز لغير غرض الطعام، واستفادة شرائح غير مستحقة. وأضاف:

    الحكومة تتجه للتحول التدريجي نحو الدعم النقدي لقصر المساندة على الشرائح المستحقة من المصريين، على أن يتحمل الأجانب والقادرون التكلفة الفعلية للسلع والخدمات".

    وفي هذا السياق، دعا جاب الله إلى تصميم برنامج التحول بناءً على الدراسات والبيانات المتوفرة عبر صياغة حوار مجتمعي شامل.

    مزايا وعيوب الدعم النقدي

    المزايا:

    • مرونة الاستخدام للمستفيدين لشراء احتياجاتهم الفعلية.

    • تكلفة إدارية أقل تعقيداً مقارنة بالعيني.

    • تحفيز الاقتصاد المحلي عبر زيادة القدرة الشرائية للأفراد.

    العيوب:

    • مخاطر تصاعد التضخم نتيجة زيادة النقود والمعروض المالي في أيدي المواطنين مما يرفع الطلب.

    • غياب الضمانة لتوظيف الدعم في شراء السلع الأساسية بدلاً من السلع غير الضرورية.

    تساؤلات التوقيت والآليات الموازية

    وترى الخبيرة المصرفية، الدكتورة مروة الشافعي، أن إلغاء الدعم العيني بشكل كامل قد يجانبه الصواب نظراً لإشكاليات غياب الرقابة الكافية على الأسواق والبيروقراطية، لكنها استدركت بأن إهدار الموارد يفرض التفكير في البديل النقدي.

    وفي السياق ذاته، تساءلت الشافعي عن أسباب إرجاء التطبيق الكامل لعام 2025، وعن مدى كفاية التدفقات الدولارية الأخيرة التي تلقتها الدولة في تغطية استحقاقات مصر دون المساس بالقدرة الشرائية للمواطن البسيط.

    كما شددت على أن ضخ السيولة النقدية دون إجراءات موازية سيعمق أزمة التضخم، مختتمة: "كان من الأجدى على الحكومة الموازنة بين رفاهية المواطن ومعدلات التضخم عبر اتخاذ خطوات تدعم زيادة الإنتاج وتشجيع المشروعات متناهية الصغر، بالتزامن مع إجراء حصر شامل ودقيق للمستحقين وضمان الرقابة الصارمة على الأسواق لتوفر المنظومة حماية مجتمعية حقيقية".

    كيف نجحت الهند والبرازيل في إعادة هيكلة الدعم؟

    أبرز التقرير تجربتين دوليتين نجحتا في الانتقال نحو الدعم النقدي المشروط؛ الأولى هي تجربة الهند حين تحولت من دعم السلع العيني إلى الدعم النقدي في عدد من الولايات، مما أسفر عن تقليل معدلات الفساد وتحسين كفاءة وصول المساندة للمستحقين.

    أما الثانية فهي تجربة البرازيل، عبر برنامج "Bolsa Família" الشهير، الذي يقدم دعماً نقدياً مباشراً للأسر الأكثر احتياجاً، مما ساهم بفعالية في تقليص معدلات الفقر وتحسين مؤشرات التعليم والصحة لشرائح واسعة من المجتمع.