اقتصاد كلي

    تصاعد الصراعات يهدد اقتصاد الشرق الأوسط وآسيا

    •آخر تحديث •5 دقائق
    تصاعد الصراعات يهدد اقتصاد الشرق الأوسط وآسيا

    تقرير: باسل محمود

    تتجلى الصورة القاتمة لتأثير الحرب والصراعات التي تُفسد الاقتصاد بصورة تتجاوز حدود الخسائر المالية المباشرة، في قلب منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى التي تعاني بالفعل من نزاعات طويلة الأمد، فعلى مدى عقود كانت هذه المناطق تعاني من الصراعات العنيفة التي تُحدث ندوبًا عميقة يصعب شفاؤها، لأنّها لا تقتصر على الخسائر البشرية أو تدمير البنية التحتية فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات اقتصادية طويلة الأمد، تُضعِف أداء الدول وتؤثر على حياة الملايين من الأفراد.

    في تقريره الأخير الذي صدر في أبريل 2024، قدَّر صندوق النقد الدولي أن اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تفقد ما يصل إلى 10% من دخل الفرد نتيجةً للصراعات العنيفة، حتى بعد مرور عقد كامل على انتهاء النزاع. هذه النسبة تفوق ما يحدث في معظم المناطق الأخرى، حيث تبدأ الاقتصادات بالتعافي بعد 5 سنوات من انتهاء النزاع عادةً، لكن في هذه المناطق المضطربة يبقى الأثر الاقتصادي قائمًا يصعب تجاوزه.

    تآكل دخل الفرد في مناطق النزاعات العنيفة

    تؤكد البيانات أن الاقتصادات المتضررة من الصراعات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تعاني من آثار أطول أمدًا وأكثر عمقًا، فبعد عام واحد من اندلاع الصراع العنيف ينخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة 2% مقارنة بما كان عليه قبل النزاع، وبعد مرور عقد كامل يصل هذا الانخفاض إلى 10%.

    وعلى النقيض من ذلك، فإن الدول الأخرى حول العالم تشهد تراجعًا مشابهًا في العام الأول، لكنها تتعافى بشكل أسرع، حيث تبدأ في استعادة مستويات ما قبل الصراع في غضون خمس سنوات، إلا أنّ ما يجعل هذه المناطق أكثر عرضة للآثار الاقتصادية العنيفة هو تكرار الصراعات وافتقار الدول إلى المؤسسات القوية القادرة على التعامل مع تداعيات هذه الأزمات.

    هذه الدول التي تشهد نزاعات متكررة، مثل العراق وسوريا وأفغانستان وفلسطين ولبنان، تجد نفسها في دوامة من العنف المستمر الذي يؤدي إلى تآكل الاقتصاد بوتيرة مُتسارعة.

    اقرأ أيضًا: نصف عام على الحرب والدمار في غزة

    لماذا تحتاج اقتصادات المنطقة لعقد كامل للنهوض؟

    لا تقتصر الخسائر الاقتصادية على الأرقام والإحصاءات فحسب، وإنّما تمتد لتُحدث تدهورًا في مستويات المعيشة، وتراجعًا في مؤشرات الاستهلاك والاستثمار، حيث تتمثّل هذه التأثيرات في ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض الصادرات والإيرادات المالية.

    ومن الجدير بالذكر أنّ الدول التي تعاني من ضعف مؤسساتها الحكومية تكون أكثر عرضة لخسائر كبيرة، كما أن ضعف البنية التحتية والمؤسسات المالية يزيد من حدة الأضرار الاقتصادية، علمًا أنّ التقرير الصادر عن صندوق النقد الدولي يؤكّد أن بعض الدول، مثل الصومال والعراق وسوريا، كانت الأكثر تأثرًا بالصراعات المتواصلة خلال العقود الماضية.

    هذه الدول واجهت نزاعات متعددة جعلت من التعافي أو بناء اقتصاد مستقر مهمة صعبةً جدًا، وعلى سبيل المثال؛ فقدت سوريا جزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية نتيجة النزاع المستمر الذي تجاوز عقدًا من الزمان.

    كلفة النزاع المباشر بين تل أبيب وطهران

    في سياق متصل، يشير تقرير آخر من بلومبرغ إنتليجنس وبلومبرغ إيكونوميكس إلى أن النزاع المحتمل بين إسرائيل وإيران قد يؤدي إلى آثار كارثية على الاقتصاد العالمي، خاصةً في أسواق الطاقة، حيث قد يرفع هذا النزاع أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل، مما قد يقلص الناتج العالمي بنحو تريليون دولار، ويؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي إذا تصاعدت الأحداث بشكل أكبر.

    يتناول التقرير أربعة سيناريوهات محتملة للنزاع وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي؛ حيث يتوقع السيناريو الأساسي نزاعًا محدود التأثير على الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يُبقي التداعيات مقتصرة بشكل كبير على المنطقة، لكن في حال تصاعدت الأمور إلى حرب شاملة فقد يشهد الاقتصاد العالمي تباطؤًا كبيرًا مع انخفاض النمو إلى 1.7%.

    السيناريو الآخر يتوقع حربًا بالوكالة بين إسرائيل وإيران عبر حلفائهما في لبنان وسوريا، مما قد يكلف الاقتصاد العالمي نحو 300 مليار دولار، ويرفع أسعار النفط بنحو 10 دولارات للبرميل. أما في حالة اندلاع حرب مباشرة، فستشهد الأسواق العالمية اضطرابات كبرى، مع احتمال ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال بنسبة 35% إذا تعطلت تدفقات الغاز من قطر عبر مضيق هرمز.

    اقرأ أيضًا: توسع الحرب في لبنان.. الشرق الأوسط يدفع الثمن

    الإنفاق العسكري يلتهم موازنة الاقتصاد الإسرائيلي

    يُعد الاقتصاد الإسرائيلي أحد أكثر الاقتصادات تأثرًا بتداعيات الصراع في المنطقة، حيث كانت إسرائيل تتطلع إلى التعافي الاقتصادي بعد فترة من الركود، إلا أن الأحداث الأخيرة أعاقت هذه التطلعات، فقد سجل الناتج المحلي نموًا بنسبة 0.7% فقط في الفترة الممتدة من أبريل إلى يونيو، وهو أقل بكثير من التوقعات.

    كما أن الإنفاق الحكومي المفرط على القطاع العسكري زاد من مخاوف المستثمرين حول استقرار الاقتصاد، ففي 16 سبتمبر 2024 طلب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش زيادة طارئة في العجز للمرة الثانية هذا العام، الأمر الذي يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة.

    بالإضافة إلى ذلك، تضاعفت عمليات نقل الأموال من البنوك الإسرائيلية إلى المؤسسات الأجنبية بين مايو ويوليو، لتصل إلى ملياري دولار، وهذا يشير إلى تصاعد القلق بين المستثمرين.

    وعلى الجانب الآخر، يواجه سوق العمل الإسرائيلي تحديات كبيرة، فهو يعاني من نقص في العمالة مع معدل بطالة منخفض جدًا يبلغ 2.7%، الأمر الذي يضع ضغوطًا كبيرة على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على العمالة الفلسطينية، والتي لم تتمكن من العمل بسبب القيود المفروضة على دخولها بعد اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023. كما أنّ صناعة البناء تأثرت بشكل خاص، حيث انخفضت بنسبة 40% نتيجة منع نحو 80 ألف عامل فلسطيني من العمل.

    قيود الحركة تزيد من حدة الركود في إسرائيل

    تفاقمت الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية مع تصاعد العجز في الميزانية، فمن المتوقع أن يصل العجز إلى 8.1% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف التوقعات السابقة، كما أن الدين العام الإسرائيلي الذي بلغ 62% من الناتج المحلي في يناير 2024 يحد من قدرة الحكومة على المناورة المالية.

    من جهة أخرى، تواجه إسرائيل خطر تخفيض تصنيفها الائتماني مرة أخرى، بعد أن خفضته وكالات التصنيف مثل فيتش وموديز في وقت سابق من هذا العام 2024، وهذا التهديد يعكس القلق المتزايد حول استقرار الاقتصاد الإسرائيلي في ظل استمرار الصراع.

    تظل السيناريوهات المحتملة للنزاع في الشرق الأوسط مثار قلق كبير في الشرق الأوسط والعالم، فإذا استمر الصراع بين إسرائيل وإيران، وتصاعد إلى حرب شاملة، فإن الاقتصاد العالمي سيواجه تحديات كبيرة، وكذلك الأمر إذا انتشر لمدن رئيسة مثل تل أبيب فإن اقتصاد إسرائيل قد ينهار، الأمر الذي سيُرافقه تدهور في قيمة الشيكل وانهيار البنوك.

    اقرأ أيضًا: بين غزة وأوكرانيا.. هل يعيش الاقتصاد العالمي أخطر لحظاته منذ عقود؟