تقارير اقتصادية

    حرب ترامب التجارية تُشعل السباق العالمي على المعادن الحيوية

    •آخر تحديث •4 دقائق
    حرب ترامب التجارية تُشعل السباق العالمي على المعادن الحيوية

    تقرير: باسل محمود

    تُمثِّل المعادن الحيوية تحديًا جديدًا في مساعي بناء اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية، بعدما أمضت شركات النفط أكثر من قرن في بناء شبكة صناعية ضخمة لاستخراج وتكرير وتسليم منتجاتها حول العالم، وفق بلومبرج.

    وعلى مدار العقد الماضي، نجحت الصين في ترسيخ هيمنتها على سوق المعادن الحيوية، بما في ذلك معادن مثل الليثيوم، والغرافيت، والكوبالت، والمنغنيز، والمعادن الأرضية النادرة، التي تعد ضرورية لصناعة البطاريات الخاصة بالسيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، ومغانط توربينات الرياح، بالإضافة إلى استخدامات أخرى في المجالات الدفاعية والإلكترونية.

    ومع تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حربه التجارية، أعلنت الصين عن تقليص صادرات بعض هذه المعادن، خاصة المعادن الأرضية النادرة، ما زاد من إلحاح الدول الأخرى على اللحاق بالصين وتقليص اعتمادها على الواردات.

    خلفية التصعيد الأمريكي

    في منتصف أبريل، وقّع ترمب أمرًا تنفيذيًا طالب فيه وزير التجارة، هوارد لوتنيك، بإجراء تحقيق بموجب المادة 232 من قانون التوسّع التجاري، وذلك لتقييم ما إذا كان الاعتماد الأمريكي على واردات المعادن الحيوية يشكل تهديدًا للأمن القومي.

    وبحسب ما ذكره البيت الأبيض، فإن الولايات المتحدة تعتمد بنسبة 100% على الواردات في ما لا يقل عن 15 معدنًا حيويًا، وتستورد 70% من احتياجاتها من المعادن الأرضية النادرة من الصين.

    اقرأ أيضًا: ترامب يسعى لتقليص هيمنة الصين عبر تخزين المعادن

    ما هي المعادن الحيوية ولماذا هي مهمة؟

    تسعى الدول منذ عقود لتأمين المواد التي تعتبرها ضرورية لقدراتها الصناعية والعسكرية، وتضم القائمة الحالية نحو 50 معدنًا وعنصرًا، تُستخدم في تصنيع المنتجات الكهربائية والإلكترونية والبصرية والمغناطيسية.

    اختيرت هذه المعادن لدورها في دعم البنية التحتية المطلوبة لتقليل انبعاثات الكربون، كما أن بعضها يُستخدم في تصنيع أشباه الموصلات لأغراض مدنية وعسكرية.

    لماذا يُعد تأمين هذه المعادن صعبًا؟

    رغم توفّر بعض المعادن بكميات كبيرة في حالتها الخام، إلا أن عمليات استخراجها وتكريرها تُعد معقدة، وتستهلك الكثير من الطاقة، كما أنّها تُسبّب تلوثًا بيئيًا كبيرًا.

    وقد أصبحت الصين المهيمنة على سلاسل القيمة المتعلقة بهذه المعادن، لا سيما عمليات التكرير والمعالجة، وحتى المعادن الشائعة نسبيًا مثل النحاس، تعاني من فجوة في المعروض بسبب ارتفاع الطلب العالمي.

    وفي عام 2023، صنّف الاتحاد الأوروبي النحاس والنيكل كمادتين أوليتين حيويتين لأول مرة، رغم توفّرهما في عدة مواقع.

    اقرأ أيضًا: المعادن النادرة.. وقود الصراع بين القوى العظمى

    لماذا يُقلق الاعتماد على الصين الدول الغربية؟

    تحاول المصانع حول العالم تجنُّب الاعتماد المفرط على بلد واحد، لتفادي التعطّل في حال حدوث أزمات كالنقص في الطاقة أو الأوبئة أو الاضطرابات الاجتماعية.

    وفي حالة الصين، فإن العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة تجعل الوضع أكثر هشاشة، خاصة في ظل الرسوم العقابية والتشديد على القيود التصديرية التي تُفاقِم حرب ترامب التجارية.

    على سبيل المثال، فرضت بكين حظرًا على تصدير الأنتيمون والغاليوم والجرمانيوم إلى الولايات المتحدة في ديسمبر الماضي بحجة مخاوف تتعلق بالأمن القومي، وذلك بعد قيود أمريكية على وصول الصين إلى تقنيات حسّاسة.

    كما فرضت الصين شروطًا أكثر صرامة على بيع الغرافيت، وهو مكوّن رئيسي في بطاريات السيارات الكهربائية، ثم وسّعت القيود في فبراير، لتشمل التنجستن والبيزموث ومعادن متخصصة أخرى تُستخدم في صناعات الإلكترونيات والدفاع والطيران، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها، وفي أبريل أُضيفت سبعة عناصر من المعادن الأرضية النادرة إلى قائمة الحظر التصديري.

    كيف وصلت الصين إلى هذا التفوّق في قطاع المعادن؟

    منذ عام 1992، تنبّأ الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ بقوة بلاده في هذا المجال حين قال: “الشرق الأوسط يملك النفط، أما الصين فتمتلك المعادن الأرضية النادرة”.

    ومع تسارع النمو الاقتصادي، تجاوز الطلب على السلع الصناعية قدرة المخزونات المحلية، فاستثمرت بكين بكثافة في أصول التعدين خارج البلاد، وسيطرت على سلاسل المعالجة والتكرير، ما دفع الشركات الغربية إلى الانسحاب واعتماد سياسة “التعهيد الخارجي”.

    واليوم، تُهيمن الصين على إنتاج 20 معدنًا حيويًا، سواء من حيث الاستخراج أو التكرير، على سبيل المثال، تُنتج الصين 84% من إمدادات معدن الديسبروسيوم المُستخدم في الإضاءة والليزر، وتُكرّره بالكامل داخليًا. كما تُعد الصين أكبر مُنتج للكوبالت والنيكل المكرر، مع استثمارات ضخمة في مناجم بكُلٍّ من الكونغو وإندونيسيا.

    ردود فعل الدول الغربية

    في الولايات المتحدة، يهدف “قانون خفض التضخم”، الذي وقّعه الرئيس جو بايدن عام 2022، إلى تحفيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، وتخفيف الاعتماد على موردين أجانب غير موثوقين.

    ورغم انتقادات ترامب للسياسات المناخية لبايدن، إلا أن إلغاء القانون بالكامل يبدو مستبعدًا، خاصة في ظل دعم النواب الجمهوريين الذين استفادت ولاياتهم من الاستثمارات الناتجة عن القانون.

    وفي مارس 2025، استخدم ترامب صلاحيات طارئة لتعزيز الإنتاج المحلي من المعادن الحيوية، ثم أمر بفتح تحقيق رسمي حول ما إذا كانت هناك حاجة لفرض رسوم على واردات هذه المعادن في أبريل.

    اقرأ تفاصيل أمر التحقيق الذي أصدره ترامب بشأن واردات النحاس

    جهود الاتحاد الأوروبي لتأمين إمدادات المعادن الحيوية

    أقرّ الاتحاد الأوروبي بدوره قانون المواد الخام الحيوية بهدف تسهيل تمويل وموافقات مشاريع التعدين والتكرير محليًا، إلى جانب السعي لإبرام تحالفات تجارية تقلّص الاعتماد على الصين. كما يعمل الاتحاد على إطلاق “صفقة صناعية نظيفة” تتضمن آلية لتجميع الطلبات من الشركات الأوروبية على هذه المعادن.

    لكن على الرغم من محاولات الدول الغربية عقد اتفاقات تمويل وتوريد مع الدول الغنية بالمعادن الحيوية، إلا أنّ النفوذ الصيني المُسبق في كثير من هذه الدول يُعطيها ميزة تنافسية.

    فعلى سبيل المثال، تمتلك الصين أو تُسيطر على أكثر من نصف مناجم الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تُعزّز علاقاتها مع عدد من الدول الأفريقية التي يُتوقع أن تُصبح من كبار مُنتجي المعادن خلال السنوات القليلة المقبلة.

    وفي كل الأحوال، يتوقع أن يستمر التنافس على هذه الموارد في الاشتداد خلال السنوات القادمة، مما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقات الدولية وظهور تحالفات جديدة.

    قد يهمّك أيضًا: أوروبا تتأهب لصد عاصفة ترامب التجارية.. صراع المعادن يعود للواجهة