تقارير اقتصادية

    هل تنجح الحكومة في مواجهة أزمة صرف العملة في مصر؟

    •آخر تحديث •6 دقائق
    هل تنجح الحكومة في مواجهة أزمة صرف العملة في مصر؟

    مازالت أزمة سعر صرف الجنيه المصري تمثل واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، فبعد هدوء نسبي استمر عدة شهور منذ مارس الماضي، شهد سعر الدولار ارتفاعًا جديدًا مدفوعًا بتراجع الموارد الدولارية، بسبب خسائر قناة السويس والتي بلغت 500 مليون دولار شهرياً، بالإضافة إلى انسحاب الأموال الساخنة من السوق المصري بقيمة تجاوزت 1.2 مليار دولار نتيجة مبيعات المستثمرين الأجانب. 

    في ظل هذه الأزمة، يحاول البنك المركزي المصري وضع حلول جذرية للسيطرة على تراجع العملة الأجنبية ومحاولة رفع معدلاتها، يشمل ذلك اتخاذ إجراءات لتحفيز تدفق النقد الأجنبي وزيادة الاحتياطات النقدية، بالإضافة إلى تحسين مناخ الاستثمار لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. تعمل الحكومة أيضًا على تنفيذ سياسات تهدف إلى زيادة الصادرات وتحسين كفاءة إدارة الموارد المالية والنقدية لمواجهة هذه التحديات الاقتصادية الحرجة.

    سبق وأصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي توجيهات للحكومة المصرية لوضع حلول عاجلة ومستدامة للأزمات الاقتصادية، وعلى رأسها أزمة العملة التي تمثل تحدياً كبيراً للاقتصاد الوطني، وتتطلب حلولاً عاجلة ومستدامة لمواجهتها،من خلال تنويع مصادر النقد الأجنبي، وتحفيز الاستثمار الأجنبي، وزيادة الصادرات، حتى تتمكن من التغلب على هذه الأزمة وتعزز استقرارها الاقتصادي.

    أزمة صرف العملة في مصر

    وتقول الدكتورة رانيا الجندي الخبيرة  الاقتصادية، إن أزمة صرف العملة في مصر تفاقمت مع تسرب النسبة الأكبر من التحويلات المالية خارج القطاع المصرفي خلال العام الماضي بسبب أسعار السوق السوداء التي كانت تقريبًا ضعف السعر الرسمي للعملات الأجنبية. 

    وأشارت الخبيرة إلى ضرورة أن تبحث الحكومة عن حلول غير اعتيادية لحل الازمة عبر  الاستفادة من 14 مليون مصري يعملون بالخارج، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان ايتمرار تحويلاتهم عبر البنوك المصرية وعدم تسريبها للسوق السوداء، كما يجب على الحكومة تحديد السلع والمنتجات التي يتعين تصديرها والعمل على ذلك الملف بترتيب واضح والتركيز على منتج منتج بالتوالي.

    مصادر العملة الأجنبية في مصر

    وأوضحت الخبيرة في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، أن مصادر العملة الأجنبية في مصر تشمل: إيرادات قناة السويس، تحويلات المصريين بالخارج، السياحة، القروض الخارجية، الاستثمارات الأجنبية بأنواعها المباشرة وغير المباشرة، الأوعية الادخارية بالعملة الأجنبية، والتصدير

    ويجب على الحكومة استعراض جميع هذه المصادر وتشكيل لجان متخصصة من الهيئات المختلفة لكل مصدر على حدة، ومنحها كافة الصلاحيات لاتخاذ القرارات المناسبة بسرعة ودون التقيد بمركزية القرار، على أن تعرض هذه اللجان تقارير كل ثلاثة شهور لاستعراض ما تم إنجازه ومدى قدرتها على توفير حصيلة من العملة الأجنبية وعرض أية معوقات قد تقابلها في أعمالها.

    المصريين بالخارج

    واقترحت الجندي، أن تتولى الحكومة إيفاد لجان للخارج للاتصال بالمصريين المقيمين بالخارج للحصول على العملة الأجنبية بسعر مميز بدلاً من الانتظار لوصول حصيلة العملة من الخارج. ومن الأفضل الاقتداء بما فعلته الدول التي تتمتع بعمالة غزيرة في الخارج، والعمل على وضع آليات للقضاء على أزمة نقص العملة في ضوء قيام الحكومة المصرية بتنفيذ إصلاحات اقتصادية تهدف إلى وضع البلاد على المسار الصحيح من خلال انطلاقة جديدة للإصلاحات الهيكلية المتكاملة.

    ومن بين الآليات التي يجب تبنيها، التنسيق مع جهات الاختصاص لتقديم التمويل اللازم للمصنعين، حيث تم طرح أكثر من مبادرة من قبل الوزارات المختلفة لتوطين الصناعة المصرية ومنح المصدرين تمويلات بأسعار مخفضة مع تمتعهم بأسعار مميزة للعمولات لكافة الخدمات المصرفية. دعم مشاركة المصدرين في المعارض الدولية من خلال تغطية مصروفات الشحن والسفر والإقامة، وتشجيع وتمويل المشروعات الصناعية والزراعية التي تسهم في تخفيض المنتجات المستوردة.

    تنويع مصادر السيولة الدولارية

    كما يجب على الحكومة تنويع مصادر السيولة الدولارية بسرعة والتركيز على المصادر التي لا تتطلب بنية تحتية كبيرة مثل مشروعات السياحة، حيث يظهر أثر الحصول على حصيلة من العملة الأجنبية من السياحة بشكل أسرع من قطاعات أخرى، وتغليظ العقوبات على المتاجرين بالعملة الأجنبية واعتبارها من قضايا أمن الدولة العليا التي يُبت فيها من قبل القضاء العسكري لسرعة البت وتوقيع الجزاء على المخطئين ليكونوا عبرة للآخرين.

    ولفتت الخبيرة الاقتصادية إلى أن دور البنك المركزي يتمثل في التحكم في النقد الأجنبي داخل وخارج الأسواق، والعمل على النهوض بالاقتصاد القومي ودفع عجلة الإنتاج وتنفيذ السياسة الاقتصادية للبلاد. ينبغي تقديم مبادرات مالية وغير مالية للمجتمع ككل وخاصة القطاع الخاص، باعتبار مبادرات البنك المركزي لهذا القطاع نقطة فارقة في مسار دعم هذا القطاع باعتبارها من المحركات الرئيسية لعجلة النمو الاقتصادي.

    وشددت الخبيرة على  ضرورة التنسيق بين جمعية رجال الأعمال المصريين وكافة الجهات المعنية وتشكيل مجموعات تضم أكبر المصدرين ممثلين لمختلف القطاعات والأسواق لتقديم مقترحات بالإجراءات العاجلة الضرورية لزيادة الصادرات القطاعية، والاستفادة من الفرص المتاحة وغير المستغلة، وتذليل كافة العقبات التي تواجه رجال الأعمال المصريين العاملين في قطاع التصدير بهدف زيادة حجم الصادرات. يجب أن تتسع الاستفادة من الخدمات الخاصة بالتصدير لكافة المنشآت التي قد تكون مصدرًا محتملاً للتصدير.

    تحديات اقتصادية واجتماعية

    من جانبها أكدت  آمال سليمان خبيرة أسواق المال، أن مصر تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متعددة الجوانب تتطلب وضع حلول عاجلة وخطط استراتيجية لمواجهة هذه التحديات، ومن بينها التحديات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة في المنطقة واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية. يجب على الحكومة العمل على تحسين كفاءة إدارة الموارد المالية والنقدية لتوفير موارد دولارية كافية لمواجهة أية أزمات جديدة، والعمل على تحسين البنية التحتية للطاقة والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.

     ولفتت سليمان  إلى أهمية تحسين جودة المنتجات المحلية لتكون قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، ما يساعد في زيادة الصادرات وتعزيز احتياطي النقد الأجنبي، وبالتالي القضاء على السوق الموازية لسعر النقد الأجنبي.

    دعم التصدير

    وأوضحت الخبيرة في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia ، أن التضخم  يؤدي إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، مما يؤثر بشكل خاص على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وهذا يؤدي أيضًا إلى تراجع الاحتياطات النقدية الأجنبية، والتي تُعد من التحديات الكبرى التي تواجه الاقتصاد المصري.

    على هذا الأساس، يقترح مبادلة بعض الديون الخارجية بالاستثمارات المباشرة مع بعض الدول الدائنة، خصوصًا بعد حصول مصر على شهادة ثقة من صندوق النقد الدولي، مما يمكننا من تحسين درجة التصنيف الائتماني وتذليل العقبات التي تواجه رجال الأعمال المصريين العاملين في قطاع التصدير بهدف زيادة حجم الصادرات.

    واتفقت آمال سليمان مع رأي رانيا الجندي، على  ضرورة التنسيق بين جمعية رجال الأعمال المصريين وكل الجهات المعنية وتشكيل مجموعات تضم أكبر المصدرين ممثلين لمختلف القطاعات لتقديم مقترحات بالإجراءات العاجلة لزيادة الصادرات،مؤكدتان على أن التراجع في الاحتياطات أثر على قدرة الحكومة على استيراد السلع الأساسية والمواد الخام اللازمة للصناعة، مما يزيد من الضغوط المالية على الحكومة والمواطنين.

    وترى سليمان أن التوجيه الرئاسي للحكومة بحل مشكلة العملة يأتي في ظل التحديات الشديدة التي يواجهها الاقتصاد المصري، الناتجة عن التوترات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة في المنطقة، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وحالة الضبابية وعدم اليقين في المستقبل، ويؤكد التوجيه أيضًا على عدم وجود استعداد لدى الدولة لعودة السوق السوداء للصرف الأجنبي، نظرًا للمخاطر الشديدة التي ستنتج عن ذلك على الاقتصاد المصري بشكل عام.

    اقرأ أيضًا: هل الجنيه المصري على مشارف تعويم جديد؟

    فاتورة الاستيراد

    وشددت الخبيرة على ضرورة تقديم حلول عاجلة لتنقية فاتورة الاستيراد، وتقليل الاعتماد على الموارد الدولارية، وزيادة الطاقة التصديرية والانفتاح على الأسواق الأوروبية والإفريقية، وتحسين البنية التحتية السياحية واستخدام أساليب غير تقليدية للترويج للوجهات السياحية يمكن أن يكون له تأثير كبير على توفير موارد دولارية كافية لمواجهة أزمات جديدة.

    من جهته شدد الدكتور عمرو سلامة الخبير المصرفي، على أهمية تحسين إدارة الموارد المالية والنقدية لتحقيق استقرار الاقتصاد، وتبني سياسات مالية ونقدية أكثر كفاءة لمواجهة أزمة صرف العملة في مصر.

    ولفت الخبير في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia إلى ضرورة تبني البنك المركزي  سياسات نقدية صارمة للسيطرة على التضخم والتقلبات السعرية، وتقديم دعم للقطاعات الإنتاجية المحلية لتقليل الاعتماد على الواردات وزيادة التنافسية في الأسواق الدولية.
    بالإضافة إلى تحسين بيئة الأعمال، عبر تسهيل الإجراءات الاستثمارية وتحسين البنية التحتية لجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية.

    وأشار إلى أهمية الإسراع في إنتاج سلعة عليها طلب عالمي، مثل تبني تصنيع سيارة كهربائية، حتى ولو بشكل جزئي، لدعم تدفق المزيد من الموارد الدولارية بشكل مستدام، وأوصى بضرورة تحسين كفاءة قطاع الطاقة، بما يشمل تطوير البنية التحتية للطاقة والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.

    واتفق  الخبراء على ضرورة تحسين البنية التحتية السياحية واستخدام أساليب غير تقليدية للترويج للوجهات السياحية لزيادة موارد النقد الأجنبي، كما دعا الخبراء إلى تبني حلول عاجلة واستراتيجيات فعالة لمواجهة التحديات الاقتصادية والمخاطر الجيوسياسية الإقليمية والعالمية لضمان الاستقرار والتنمية المستدامة

    إقرأ أيضاً : لماذا رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود