تقرير: باسل محمود
بعد انتهاء الانتخابات في الجزائر، فاز الرئيس عبد المجيد تبون بولاية ثانية بفارق كبير، حيث حصل على 94.65% من الأصوات. هذا الفوز، يضع تبون أمام مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة، في وقت يعد فيه الاقتصاد إحدى القضايا الرئيسية التي تشغل بال المواطنين الجزائريين، خاصة أنّ تبون وعد ببناء “جزائر جديدة” خلال السنوات الخمس المقبلة، إلّا أنّ الطريق لتحقيق هذه الوعود ليس سهلاً.
التحديات الاقتصادية في الجزائر
تُعَدُّ فترة تبون الأولى، التي بدأت في 2019، مليئة بالتحديات الاقتصادية الكبيرة، فقد شهدت الجزائر ارتفاعاً في تكاليف المعيشة ومعدلات التضخم التي وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عقود. ورغم هذه الصعوبات، يؤكد تبون أنه خلال فترته الرئاسية الأولى، تحسنت الأوضاع الاقتصادية بشكل عام، فقد شهدت الجزائر في عام 2024 نمواً اقتصادياً بنسبة 4.2%، مقارنة مع 4% في العام السابق.
ومع ذلك، يظل الاقتصاد الجزائري يعتمد بشكل كبير على قطاع الطاقة الذي تشكل صادراته 95% من موارد العملة الأجنبية. وفي تعليقه على الأداء الاقتصادي خلال ولايته الأولى، أشار تبون إلى أن التقدم كان محدوداً بسبب تحديات مثل جائحة كورونا والفساد.
وعلى الرغم من أن تبون يعتقد أن هذه الفترة كانت بمثابة حجر الأساس لبناء اقتصاد ناشئ، إلا أن الواقع الاقتصادي يظل يشير إلى ضرورة إجراء إصلاحات جوهرية للتعامل مع المشكلات الأساسية.
اقرأ أيضا: صناعة الأدوية في الجزائر.. إنتاج محلي يسعى للعالمية
أولويات رئيس الجزائر في ولايته الثانية
مع فوزه بولاية ثانية، يواجه تبون مجموعة من الأولويات الاقتصادية التي يتعين عليه معالجتها، وعلى رأسها رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 400 مليار دولار، بعد أن بلغ 267.78 مليار دولار في عام 2024، حيث يسعى تبون إلى تعزيز مكانة الجزائر في إفريقيا باعتبارها أحد أقوى الاقتصادات، مع التركيز على زيادة صادرات البلاد غير النفطية إلى 15 مليار دولار بنهاية عام 2025، و30 مليار دولار قبل نهاية 2030.
ومن الجدير بالذكر أنّ تبون يطمح إلى تعزيز احتياطي النقد الأجنبي الذي بلغ 70 مليار دولار، وذلك لضمان استقرار مالي مستدام. وفي سبيل تحقيق هذا النمو، يشير تبون إلى ضرورة مواصلة الإصلاحات في المؤسسات الحكومية، بهدف دفع عملية النمو والتطوّر، وتجاوز معوقات الفساد ومقاومة التغيير.
الاستثمار والصناعة في الجزائر
في المجال الصناعي، يعتزم تبون اعتماد استراتيجية جديدة لزيادة نسبة الإدماج للمتعاملين الجزائريين في القطاعات الصناعية المختلفة؛ حيث يهدف إلى تعزيز التصنيع الوطني في مجالات متعددة، مثل إنتاج الآلات والعتاد، والإلكترونيات، والصناعات الغذائية والعسكرية، والصيدلانية، والنسيجية، والميكانيكية، وتركيب السيارات، وصناعات الحديد والصلب، والمكننة الفلاحية، والصناعات الكهربائية.
علاوةً على ذلك، سيتم إعادة تنظيم خارطة المناطق الصناعية لتحقيق توازن صناعي بين الولايات؛ إذ إنّ تبون يخطط لتطوير المناطق الصناعية الحديثة باستخدام التكنولوجيا العصرية، مع التركيز على دعم الشباب والمشروعات الناشئة لتعزيز النشاط الاقتصادي في المناطق المختلفة.
تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز البنية التحتية
لتحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الزراعي، يهدف تبون إلى مضاعفة إنتاج القمح والشعير والذرة والحبوب الزيتية والسكر، كما أنّه يُركز على تقليص الاعتماد على الاستيراد وتعزيز إنتاج المحاصيل الإستراتيجية، وعلى تطوير زراعة الذرة واستغلالها بشكل كامل لتقليص استيراد الأعلاف، وتوفير اللحوم الحمراء والبيضاء.
في مجال النقل، ستستمر الجزائر في توسيع شبكة السكك الحديدية، مثل الخط الرابط بين العاصمة وتمنراست، مما يسهم في تنشيط المناطق غير الآهلة وتطوير الاقتصاد الوطني. بالإضافة إلى إطلاق خطوط جوية جديدة نحو عواصم أفريقية وعالمية، وتوسيع الموانئ على السواحل الجزائرية.
اقرأ أيضًا: موازنة الجزائر.. أضخم موازنة في تاريخها
تطوير قطاع الطاقة والطاقة المتجددة
فما يتعلّق بقطاع الطاقة، يخطط تبون لاستمرار تنفيذ مشاريع ضخمة لإنتاج الحديد الخام، والفوسفات، والزنك في مناطق مثل غار جبيلات وبجاية وبلاد الهدبة في ولاية تبسة، بالإضافة إلى استغلال المعادن والأتربة النادرة كمصادر هامة للإيرادات.
علاوةً على ذلك، سيتم إنجاز مشروع الربط الكهربائي مع أوروبا لأول مرة في تاريخ القارة الإفريقية، إلى جانب استكمال ربط الشبكة الوطنية للكهرباء، كما يتطلع تبون إلى إنتاج طاقات جديدة، مثل الهيدروجين الأخضر الذي يمثل مستقبل الطاقات المتجددة.
كما يشجع تبون على استخدام الطاقات النظيفة وتطوير صناعة السيارات الكهربائية، ويعتزم استغلال الجيوب الشمسية الضخمة في الصحراء الجزائرية التي تُعَدُّ أكبر احتياطي في العالم، مع توجيه جزء من الإنتاج نحو التصدير.
الآفاق والقلق
رغم التقدم الملحوظ في بعض المجالات، يبقى هناك قلق واسع بشأن حقوق الإنسان في ظل قيادة تبون، وذلك لما تُعانيه الدولة من تحديات تشمل معدلات البطالة المرتفعة، والتضخم، ونقص البنية التحتية، والعجز المالي المتزايد. هذا بالإضافة إلى المسائل الآتية:
- يعوّل البعض على اهتمام المستثمرين الدوليين بالجزائر، إلا أن الاستقرار القانوني يبقى مسألة حاسمة.
- يسعى تبون لإدماج الجزائر في مجموعة “بريكس” كفرصة لتعزيز موارد الاستثمار، لكن ما تزال هُناك تساؤلات حول تأثير هذه الخطوات على الوضع الاقتصادي الفعلي.
- تعتمد الجزائر حالياً على إيرادات النفط والغاز لتخفيف الضغوط المالية، لكن تنويع الاقتصاد يبقى هدفاً بعيد المنال.
اقرأ أيضًا: الجزائر.. اكتشافات ضخمة للنفط والغاز في 2023
الاستثمار الأجنبي في الجزائر
إلى جانب التحديات الاقتصادية التي ذكرناها آنفًا، تبقى مشكلة تنوع الاقتصاد واحدة من القضايا الأساسية؛ حيث يعتمد الاقتصاد الجزائري بشكل كبير على عائدات النفط والغاز، وهذا يُعيق تطور القطاعات الأخرى، خاصة الصناعة.
وعلى الرغم من أن هناك اهتماماً متزايداً بالجزائر كوجهة للاستثمار، إلا أن الاستقرار القانوني والبيئة التنظيمية ما تزال بحاجة إلى تحسين، إذ إنّ المستثمرين الدوليين يتطلعون إلى بيئة أكثر استقراراً وشفافية، وهو ما يشير إلى ضرورة إجراء إصلاحات تشريعية وتنظيمية لتحفيز الاستثمارات.
وفي المجمل، يُمكن القول إنّ هُناك جهودًا حثيثة تُبذل لتطوير القطاعات غير الهيدروكربونية، إلا أنّ التحديات تبقى قائمة في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وهذا يعني أنّ الجزائر ما زالت تواجه تحدّيات على مختلف الأصعدة، إلا أنّ هذا المسار مليء بالفرص التي تتطلب تحسينات اقتصادية شاملة وإصلاحات اجتماعية وحقوقية واستراتيجيات فعالة وتنفيذاً دقيقاً.
يسعى الرئيس تبون إلى تحقيق قفزات اقتصادية ملحوظة، لكن النجاح يعتمد على مدى قدرته على تنفيذ الوعود، وتحقيق التنوع الاقتصادي، وضمان استقرار حقوق الإنسان، إذ إنّ المستقبل الاقتصادي للجزائر يتوقف على تحقيق التوازن بين الإصلاحات الهيكلية وتنمية القطاعات الجديدة، مع مواجهة التحديات الحالية لضمان نمو اقتصادي مستدام.
