تقارير اقتصادية

    التهدئة بين أمريكا والصين: صراع المعادن النادرة والرسوم الجمركية

    •آخر تحديث •5 دقائق
    التهدئة بين أمريكا والصين: صراع المعادن النادرة والرسوم الجمركية

    في مشهد يعكس دينامية متقلبة في العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين، خفَّض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة تصعيده ضد الصين، متراجعًا عن تهديداته الجمركية القاسية، ومفضلًا إبقاء التعريفات عند مستويات معتدلة لا تتجاوز 30%، وفي الوقت ذاته وجَّه عقوبات جمركية أشد على شركاء آخرين مثل الهند والبرازيل، بحسب “DW”.

    القرار بدا مفاجئا بعد أن كان ترامب قد وصف الصين في أبريل الماضي بأنَّها “أكبر تهديد لأمريكا”، وفرض عليها رسومًا بلغت 145%، لكن خلف هذا التراجع تقف معادلات معقدة، أبرزها ورقة المعادن النادرة التي تسيطر الصين على إنتاجها عالميًا، والتي تحولت إلى سلاح استراتيجي في مواجهة الضغط الأمريكي.

    من المواجهة إلى التهدئة.. تبدل لهجة البيت الأبيض

    خلال الأشهر الماضية، بدت واشنطن في مواجهة مفتوحة مع بكين، بعدما قررت الإدارة الأمريكية فرض رسوم عقابية غير مسبوقة على البضائع الصينية، لكن سرعان ما تغيرت النبرة، فقد أعلن ترامب تعليقًا مؤقتا للرسوم، وأشاد بالرئيس الصيني شي جين بينغ بوصفه “قائدا قويا”.

    كما طرح ترامب فكرة عقد قمة ثنائية في الخريف المقبل، في خطوة عكست رغبة واضحة في كسب الوقت وتفادي تداعيات اقتصادية مباشرة على السوق الأمريكية، خاصة مع اقتراب موسم الاستهلاك في فترة الأعياد، حين يعتمد تجار التجزئة بشكل كبير على الواردات الصينية.

    ولم يكن تراجع ترامب بدافع اقتصادي فقط، بل سياسي أيضًا، فالتصعيد الجمركي كان يهدد المزارعين الأمريكيين، خاصة في ملف فول الصويا الذي يعد ورقة انتخابية حساسة في ولايات الغرب الأوسط، كما أنَّ أي زيادة إضافية على الرسوم قد ترفع الأسعار على المستهلكين الأمريكيين، وتفاقم التضخم الذي يمثل تحديًا بارزًا لإدارته، لذا جاء قرار منح الصين “مهلة” تفاوضية كجزء من استراتيجية أوسع، تهدف إلى إبرام اتفاق أكثر شمولًا يشمل ملفات الطاقة والتكنولوجيا والمعادن النادرة.

    المعادن النادرة.. السلاح الخفي لبكين

    في قلب هذه المواجهة، تبرز “المعادن النادرة” كأقوى ورقة بيد الصين، حيث إنّ هذه المجموعة من العناصر الكيميائية، التي تستخدم في صناعة السيارات الكهربائية والشرائح الإلكترونية المتقدمة وأنظمة التوجيه العسكري، تشكل العمود الفقري للتكنولوجيا الحديثة، وبحسب البيانات تسيطر الصين على نحو 60% من إنتاج هذه المعادن عالميًا، وحوالي 90% من قدرات التكرير والمعالجة.

    وعندما فرض ترامب رسومه الجمركية القاسية، ردت بكين بضوابط تصدير على سبعة معادن نادرة ومغناطيسات دائمة، وهو ما أصاب قطاعات صناعية أمريكية بالشلل الجزئي، من بينها صناعة السيارات والإلكترونيات والدفاع، حتى بات واضحًا أن الولايات المتحدة تعتمد على الصين بشكل بالغ في هذه المواد، ما يمنح بكين قدرة تفاوضية فائقة.

    وفي المقابل، واصلت واشنطن الضغط عبر ملف أشباه الموصلات، إذ شددت القيود على وصول الشركات الصينية إلى أحدث شرائح الذكاء الاصطناعي الأمريكية، وهذا التوتر المزدوج -معادن نادرة مقابل رقائق متقدمة- جعل من النزاع التجاري مواجهة تكنولوجية في جوهرها، وليس مجرد نزاع على الرسوم الجمركية.

    الزراعة كورقة أمريكية.. فول الصويا في قلب المفاوضات

    إلى جانب المعادن والرقائق، يضغط ترامب على بكين لزيادة وارداتها من فول الصويا الأمريكي أربعة أضعاف، وهذه الخطوة تخدم هدفين أساسيين: أولًا دعم المزارعين الأمريكيين الذين يمثلون قاعدة انتخابية حاسمة، وثانيًا تقليص العجز التجاري الهائل مع الصين، والذي بلغ نحو 254.5 مليار يورو العام الماضي.

    أما بكين فتسعى من جهتها إلى مقايضة هذه الزيادة بخفض دائم للرسوم الجمركية الأمريكية، خاصة على منتجات التكنولوجيا والتصنيع.

    اقرأ أيضًا: الناجون والمهددون.. من أبرم اتفاقًا مع أمريكا قبل مهلة ترامب ومن ينتظر؟

    ملفات جيوسياسية داخلية وخارجية تضغط على ترامب

    بحسب الخبيرة الاقتصادية أليسيا غارسيا هيريرو من مركز “بروغل” البحثي في بروكسل، فإن ترامب اختار التهدئة مع الصين لأنه يواجه “ما يكفي من التحديات”، فالرئيس الأمريكي كان منشغلًا أيضًا بملفات جيوسياسية حساسة، مثل لقائه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا.

    إلى جانب تحديات داخلية مرتبطة بالتضخم والاستثمار، لذا بدا أن “شراء الوقت” مع الصين يتيح له إدارة هذه الملفات دون فتح جبهة اقتصادية شاملة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

    الهند والبرازيل: من شركاء مفضلين إلى أهداف جمركية

    في المقابل، لم تحظَ الهند بالمعاملة نفسها، فبعد أن كانت شريكًا مفضلًا لترامب في بداية ولايته الثانية، أصبحت الآن هدفًا لتعريفات عقابية، تصل إلى 50%، وربما تزيد، والسبب يعود إلى استمرار نيودلهي في استيراد النفط الروسي، وهو ما أثار غضب واشنطن، فالرسوم المفروضة على الهند تشمل 25% على السلع العامة، و25% إضافية على بعض الواردات النفطية، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 27 أغسطس.

    ويرى أنطونيو فاتاس، أستاذ الاقتصاد في كلية “إنسياد”، أن الهند “لا تملك قوة الصين الاقتصادية ولا صادرات حاسمة للإضرار بالولايات المتحدة”، ما يجعلها أكثر هشاشة في مواجهة الرسوم الأمريكية.

    ولم تكن الهند وحدها، فالبرازيل أيضا دخلت دائرة الضغط الأمريكي، إذ فرضت واشنطن رسومًا مرتفعة على منتجاتها، في خطوة بدت كرسالة إلى بقية الاقتصادات الناشئة بأنَّ “المعاملة التفضيلية” ليست مضمونة في ظل سياسة ترامب القائمة على مبدأ “أمريكا أولا”.

    تحذيرات من الإفراط في الثقة الصينية

    رغم أن بكين تبدو صاحبة اليد العليا بفضل ورقة المعادن النادرة، إلا أن بعض الخبراء يحذرون من الغرور، ويرى هان شين لين، الخبير في مجموعة “آسيا” للاستشارات الاستراتيجية، أنَّ ميل ترامب للفوضى يمنحه قدرة على تنفيذ “مناورات غير متوقعة” قد تربك الحسابات الصينية، ويؤكد أن “الولايات المتحدة تظل أكبر سوق استهلاكي عالمي، وهو ما يفرض على الدول إعادة التفكير بحذر قبل الرهان على الصين وحدها”.

    اللافت أن التهدئة الأمريكية الصينية جاءت على حساب أطراف ثالثة مثل الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية واليابان، فقد فرض ترامب رسومًا بنسبة 40% على دول جنوب شرق آسيا -مثل فيتنام وماليزيا وتايلاند- بتهمة تسهيل مرور السلع الصينية وإخفاء مصدرها، وهذه السياسة جعلت الحلفاء التقليديين يشعرون بالتهميش، في وقت تُفتح فيه نافذة للتفاهم بين واشنطن وبكين.

    خلاصة المشهد: تهدئة مؤقتة وتصعيد كامن

    السيناريو الحالي يعكس معادلة معقدة؛ فالولايات المتحدة تحاول حماية مكانتها الاقتصادية عبر الرسوم والسيطرة على التكنولوجيا المتقدمة من جهة، ومن جهة أخرى توظف الصين سيطرتها على المعادن النادرة للي ذراع واشنطن، وبين الطرفين تتأثر سلاسل التوريد العالمية، من الإلكترونيات إلى السيارات والطاقة النظيفة.

    وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن النزاع الأمريكي الصيني دخل مرحلة جديدة، عنوانها التهدئة المؤقتة والتصعيد الكامن، فالمعادن النادرة تظل ورقة بكين الأقوى، في حين تراهن واشنطن على هيمنتها التكنولوجية وسوقها الاستهلاكي.

    اقرأ تفاصيل الاتفاق التجاري بين أمريكا والصين وتأثيره على الاقتصاد العالمي