يقول 8 من كل 10 أمريكيين إن أسعار البنزين تضغط على ميزانيات أسرهم، وفق استطلاع جديد أجرته “NPR/PBS News/Marist Poll”، حيث دفعت حرب إيران متوسط أسعار الوقود في محطات البنزين إلى الارتفاع بنسبة 55% منذ أواخر فبراير، وهذا ليس سوى الجزء الأكثر وضوحًا من تكاليف الحرب الذي تراه الأسر مباشرة، أما التكاليف المالية طويلة الأجل فهي حقيقية بالقدر نفسه حتى وإن كانت أقل ظهورًا.
وفق مكتب إحصاءات العمل، جاءت بيانات التضخم الأمريكية لشهر أبريل مرتفعة؛ حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 3.8% على أساس سنوي، في أعلى قراءة منذ مايو 2023، وبما يتجاوز كثيرًا هدف التضخم لدى الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، وقد لعبت أسعار الطاقة دورًا محوريًا في قراءة التضخم الأعلى.
وقد جاء الأثر الاقتصادي الأسرع للصراع عبر أسواق النفط؛ ففي أوائل فبراير كانت العقود الآجلة الأقرب استحقاقًا لخام غرب تكساس الوسيط تُتداول قرب 65 دولارًا للبرميل، وبحلول 12 مايو كان الخام يُتداول فوق 100 دولار للبرميل بقليل، بزيادة تقارب 54% منذ أوائل فبراير. هذه الأسعار المرتفعة تظهر في محطات الوقود، حيث كان متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة قرب 2.80 دولار للغالون قبيل اندلاع الصراع، لكنه الآن يتجاوز 4.50 دولار للغالون.
ومع الأخذ بالاعتبار أنّ النفط والغاز يدخلان في تكلفة إنتاج الغذاء، والتصنيع، والشحن، والطيران، والكهرباء، فكل ما يُزرع أو يُنقل أو يُعالَج يحمل في داخله مدخلًا من الطاقة، وعندما يقفز الخام والبنزين بأكثر من 50% خلال 3 أشهر، تتسرب هذه التكاليف إلى الاقتصاد الاستهلاكي بأكمله، وهذا أحد الأسباب التي تجعل صدمات الطاقة قادرة على رفع التضخم الأساسي، والضغط على ميزانيات الأسر بما يتجاوز تكلفة البنزين وحدها، ومن هنا يمكن القول إن الارتفاع الفوري لأسعار الطاقة ليس سوى القشرة الخارجية لتداعيات الصراع، أما التكاليف المالية الأعمق والأطول أجلاً فهي التي تشكّل الخطر الحقيقي.
29 مليار دولار كلفة الحرب
تقدّر وزارة الدفاع الأمريكية الكلفة المالية للحرب حتى الآن بنحو 29 مليار دولار، تعكس في معظمها الذخائر المستخدمة، لكن التكلفة المالية الحقيقية قد تكون أعلى بكثير؛ ففي مارس طلب البنتاغون من الكونغرس 200 مليار دولار كإنفاق حربي تكميلي، ومع احتساب تكاليف الاقتراض المرتبطة بحزمة إنفاق جديدة ممولة بالعجز يمكن أن تتجاوز الكلفة المالية التراكمية للحرب بسهولة 300 مليار دولار.
وعلى الجانب الآخر، وبشكل منفصل، اقترحت الإدارة الأمريكية ميزانية دفاعية بقيمة 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027، بزيادة تقارب 440 مليار دولار على أساس سنوي.
وتقول إدارة ترامب، إن جزءًا من هذا الإنفاق الدفاعي الجديد مطلوب لتعويض الذخائر، فمنذ بدء الحرب على إيران استهلكت الولايات المتحدة نحو نصف مخزونها من صواريخ الاعتراض ضمن منظومتي ثاد وباتريوت، علمًا أنّ هذه الصواريخ، التي تبلغ تكلفة الواحد منها ملايين الدولارات، باهظة وبطيئة الإنتاج، وسيستغرق تعويض ما استُهلك سنوات، وقد يزداد الضغط لإعادة بناء المخزون إذا قررت الإدارة إطالة أمد الصراع.
اقرأ أيضًا: خسائر الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل.. التأثيرات العسكرية والاقتصادية
ميزانية مستهلكة بالكامل
تأتي هذه التكاليف فوق ميزانية اتحادية مرهقة بالفعل، فقد تجاوز الدين الفيدرالي الذي يحمله الجمهور كامل الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد، وهو في طريقه لتجاوز ذروة ما بعد الحرب العالمية الثانية بحلول نهاية هذا العقد، كما تخطت مدفوعات الفائدة الصافية تريليون دولار في السنة المالية الماضية، وأصبحت تفوق ميزانية الدفاع الأساسية.
ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس عجزًا يبلغ تريليوني دولار ويتجه للزيادة، مدفوعًا أساسًا بالإنفاق التلقائي على برامج الاستحقاقات مثل الضمان الاجتماعي وميديكير، علمًا أنّ هذه التوقعات لا تفترض صراعًا طويلًا في الشرق الأوسط، ولا الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي التي تقترحها الإدارة.
ويكتسب ارتفاع الإنفاق بالعجز أهمية لأنه ينتقل إلى الأسعار وأسعار الفائدة، فعندما ينمو الدين بوتيرة أسرع من الاقتصاد يتوقع المستثمرون واحدًا من 3 مسارات: ضرائب أعلى، أو خفضًا في الإنفاق، أو تضخمًا يقلل القيمة الحقيقية للدين الحكومي، ويُعد التضخم الطريق الأقل مقاومة سياسيًا، وهو المسار الذي سلكته واشنطن تاريخيًا.
كورونا.. أحدث مثال لتداعيات التضخم قبل الحرب
تقدم موجة تضخم “كوفيد-19” أحدث مثال على ذلك، فقد عطلت الجائحة، واستجابة الحكومة لها، سلاسل الإمداد وسوق العمل، وسجل الكونغرس طفرة غير مسبوقة في الإنفاق الممول بالعجز، بالتزامن مع سياسة نقدية ميسرة من الاحتياطي الفيدرالي، كما قفز طلب المستهلكين فوق قدرة الاقتصاد على التوريد، فارتفعت الأسعار وأسعار الفائدة.
ولا يُعد الإنفاق بالعجز المستمر الطريق الوحيد الذي تصل عبره المسؤولية المالية الضعيفة إلى ميزانيات الأسر، فارتفاع عوائد سندات الخزانة لاستيعاب الاقتراض الفيدرالي الجديد ينتقل إلى الرهون العقارية، وقروض الشركات، وقروض السيارات، وأرصدة بطاقات الائتمان.
ضعف نمو الأجور
الدين العام يزاحم الاستثمار الخاص عندما يتجاوز تقريبا 80% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يبطئ مكاسب الأجور التي تعتمد عليها الأسر، وعندما يجتمع ضعف نمو الأجور مع استمرار الأسعار المرتفعة، يتعرض الدخل الحقيقي للأسر للضغط من الجانبين.
بالنسبة لإدارة ترامب والكونغرس، فإنّ اتخاذ خطوات سريعة لخفض تكاليف الطاقة وجعل حياة الأمريكيين أقل كلفة قد يحل ولو جزءًا من الأزمة، كما ينبغي للولايات المتحدة وبشكل فوري العمل على إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما قد يتحقق فورًا إذا اختارت واشنطن خفض التصعيد في الصراع مع إيران.
وعلى المدى الأطول، يحتاج الكونغرس إلى استعادة الانضباط المالي والنقد السليم، وذلك يعني إقرار حدود قانونية للإنفاق، ورفض زيادات إنفاق غير مبررة، وإصلاح برامج الضمان الاجتماعي وميديكير، التي تقود تقريبًا كامل العجز طويل الأجل.
وتعتمد الكلفة التراكمية للصراع بالكامل على مدته وحدته، فقد تصمد الهدنة القائمة، وتنخفض أسعار الطاقة، ويرفض الكونغرس زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، لكن سجل واشنطن في ملفات مشابهة يدعو إلى الحذر، فالحروب التي تلت هجمات 11 سبتمبر في الشرق الأوسط -على سبيل المثال- أنتجت عبئًا ماليًا إجماليًا تجاوز 8 تريليونات دولار وفق بعض التقديرات.
وإذا طال أمد الحرب وتصاعدت، فسترتفع الكلفة المالية والتمويلية أيضًا، مع آثار لاحقة على ميزانيات الأمريكيين، وعلى الأمريكيين الأكثر حساسية للتكاليف أن ينتبهوا جيدًا.
اقرأ أيضًا: انقلاب الموازين.. كيف خسرت الولايات المتحدة ميزة العائد الاستثماري الدولي؟
