في سوق اعتادت الضجيج، جاءت الإشارة هذه المرة همسًا لا انفجارًا سعريًا تقوده ساعات رياضية فولاذية ضخمة، ولا موجة مضاربات قصيرة النفس، بل ارتفاع هادئ ومتراكم في فئة طالما اعتُبرت رصينة أكثر مما ينبغي، وهي الساعات الرسمية الأنيقة “Dress Watches”.
خلال عام 2025، وصلت أسعار الساعات الفاخرة في السوق الثانوية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عامين، لكن اللافت لم يكن الرقم بحد ذاته، بل ما يقف خلفه من تحول ثقافي، وديموغرافي، وسلوكي يعيد تشكيل قواعد واحدة من أكثر أسواق السلع الفاخرة حساسية للذائقة.
مؤشر يلتقط المزاج قبل الأرقام
عندما يرتفع مؤشر “Bloomberg Subdial Watch Index” بنسبة 8% خلال عام واحد، في سوق تقاس ثقتها بالاستمرارية لا بالقفزات، فذلك يعني أن الاتجاه أعمق من موجة موسمية، فالمؤشر -الذي يتتبع أكثر 50 ساعة تداولًا من حيث القيمة- استعاد زخمه بعد تراجع طفيف في نوفمبر، ثم انطلق مجددًا بدعم مشتريات موسم العطلات، ليبلغ أعلى مستوياته منذ أكتوبر 2023، وهذه العودة السريعة بعد التراجعات تشير إلى طلب “ذكي” ينتظر نقاط الدخول، لا حمى مضاربات.
هذا التحول الجوهري لا يكمن في المنتج وحده، بل في المشتري؛ فانتقال الثروة بين الأجيال بدأ يُظهر أثره بوضوح على اختيارات جامعي الساعات، إذ لا يبحث جيل “Gen Z” عن إعادة إنتاج رموز الهيمنة السابقة، بل عن التفرد والأناقة وكسر القوالب. هذا الجيل الذي نشأ في اقتصاد المنصات والهوية المرنة ينفر بطبيعته من “الزي الرسمي” الذي فرضته الساعات الرياضية الضخمة لسنوات، ويميل إلى تصاميم أصغر، وأكثر حرفية، وأقل صخبًا.
الساعة الصغيرة كبيان ثقافي
الارتفاع المتزامن في الطلب على الساعات الصغيرة ذات الطابع الحُلِيّ “Jewelry-Style Watches” ليس صدفة؛ فهذه الساعات باتت تُرى بوصفها قطعة تعبير لا مجرد أداة لقياس الوقت. وتلخص كريستي ديفيس، الشريكة المؤسسة لمنصة Subdial، المشهد بقولها إن السوق يشهد “اتجاها واضحًا نحو التصاميم الصغيرة ذات الطابع الحُلِيّ”، ولعلّ هذا التصريح، في جوهره، ليس مجرد ملاحظة سوقية بل توصيف لتحول اجتماعي أوسع.
هذا التحوّل لا يظهر بنفس الحدّة التي نراها في أرقام “Cartier”؛ فوفقاً لبيانات منصة “Chrono24” ارتفعت حصة كارتييه من إنفاق عملاء الجيل “Gen Z” إلى 7.9% في عام 2025 مقارنة بـ2.1% فقط في 2018. هذا لا يُعد نمواً تدريجياً بقدر ما يمثّل إعادة تموضع استراتيجية داخل السوق، وعلى مستوى جميع الفئات العمرية توسّعت الحصة من 3% إلى 5.6% خلال الفترة نفسها.
بمعنى آخر، انتقلت كارتييه من كونها خياراً يُنظر إليه كـ”بديل أنيق” إلى علامة مركزية في محافظ هواة جمع الساعات، مستفيدة من التقاطع بين الموضة والهوية المرنة لدى المستهلكين الجدد.

اقرأ أيضًا: صناعة الساعات السويسرية تحت ضغط الرسوم الأمريكية
انحسار النموذج الرجولي الكلاسيكي
اللافت أن التحول لا يسير في اتجاه واحد، والفاصل التقليدي بين “ساعات رجالية” و”ساعات نسائية” بدأ يتآكل، فالنساء أكثر تقبلًا للتصاميم الأكبر والأجرأ، فيما يميل الرجال إلى ساعات أصغر مصنوعة من معادن نفيسة، وهذا التداخل لا يوسع قاعدة الطلب فحسب، بل يرفع “نطاق التقبل” للسوق بأكمله، وأي ساعة كانت تعتبر يوما ما “خارج الذوق السائد” أصبحت اليوم مقبولة، وربما مرغوبة.
كما لم يعد تأثير المشاهير مجرد دعاية عابرة، فعندما تظهر تايلور سويفت أو تيموثي شالامي بساعات صغيرة كلاسيكية، فإنهما يرسخان اتجاهًا يتجاوز الموضة إلى إعادة تعريف ما هو “ذو قيمة”، فحضور هذه الساعات على معاصم مؤثرة يعيد توزيع الاهتمام الاستثماري، ويمنح علامات محددة -خاصة الكلاسيكية منها- دفعة طلب يصعب تصنيعها عبر التسويق التقليدي.
الساعات الرياضية.. من يقود السوق الآن؟

السوق الثانوية للساعات الرياضية الفولاذية -خاصة من علامات مثل Rolex- شهدت تقلبات حادة، وقد كانت هذه الساعات لسنوات مرادفًا للاستثمار الآمن داخل عالم الرفاه، لكن موجات التصحيح المتتالية زرعت إحباطًا لدى شريحة من المشترين، لا سيما الأصغر سنًا، وهذا لا يعني اختفاء الطلب، بل انتقال مركز الثقل، فالنماذج الأيقونية لا تزال تحظى بمكانتها، لكن الهالة المطلقة تراجعت.
حتى في هذا السياق، تبقى بعض النماذج الرياضية قادرة على الأداء المتفوق، فبحسب بيانات “Subdial”، برزت ساعات مثل “Patek Nautilus Perpetual Calendar 5740/1G-001″، و”Patek Nautilus Rose Gold 5711/1R-001″، ضمن الأفضل أداء، وهذه النماذج تؤكد أن السوق لا يعاقب الرياضة بحد ذاتها، بل فائض التكرار والنماذج التي فقدت ندرتها السردية.
الصناع المستقلون.. حيث تصنع الندرة
ربما يكون أكثر التحولات دلالة هو صعود صانعي الساعات المستقلين، وهنا لا تقاس القيمة بحجم الإنتاج، بل بصرامة الفلسفة. ومن جهتها، تجسد دار “F.P. Journe” -وهي دار سويسرية مستقلة متخصصة في الساعات الراقية- هذا الاتجاه بأوضح صورة، فساعات الدار المصنفة غالبا ضمن “Dress Watches” تباع في المزادات بأسعار تفوق التقديرات بهوامش غير مسبوقة.
الصفقة التي تحولت إلى رمز هي بيع نموذج “F.P. Journe FFC Prototype”، المملوك للمخرج “Francis Ford Coppola”، مقابل 10.8 مليون دولار في مزاد ساعات بنيويورك، رغم تقدير قيمته بأكثر قليلًا من مليون دولار، وهذه الفجوة ليست ضجيجًا مضاربيًا، بل إشارة واضحة إلى ما يكافئه السوق اليوم؛ وهو القصة، والتفرد، واليد التي صنعت القطعة.
ووفق بيانات “Subdial”، انتقلت أسعار ساعات “F.P. Journe” من نحو 6% فوق التقديرات في مزادات 2024، إلى قرابة 120% فوق التقديرات بنهاية 2025، باستثناء صفقة كوبولا الاستثنائية، وهذه القفزة توضح كيف يكافئ السوق الحِرفية الخالصة عندما تتقاطع مع طلب جيلي طويل الأجل.
لماذا الآن؟ ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟
الجواب يكمن في تلاقي ثلاثة مسارات: الأول هو تشبع الساعات الرياضية الاستثمارية بفعل سنوات من المبالغة في التسعير، والثاني انتقال ثروة حقيقي إلى جيل يبحث عن التعبير لا الامتثال، أما الثالث فهو البيئة الاقتصادية التي تعيد الاعتبار للأصول “الملموسة” ذات القيمة الثقافية، لا المضاربة الصرفة.
وبالنسبة لهواة الجمع والمستثمرين الرسالة واضحة، وهي أن السوق يعيد تسعير الذوق، فالقيمة لم تعد محصورة في الفولاذ والانتظار في القوائم المغلقة، بل في الحِرفية والقصة والملاءمة الثقافية، والساعات التي تجمع بين هذه العناصر مرشحة لالتقاط علاوة سعرية مستدامة، لا طفرة مؤقتة.
أسعار الساعات الفاخرة وصلت إلى أعلى مستوى لها في عامين، لكن الأهم أنها وصلت إليه بهدوء، والتحول نحو الساعات الكلاسيكية الأنيقة والساعات الصغيرة المزخرفة لا يمثل انقلابًا مفاجئًا، بل نضجًا في ذائقة سوق طالما كافأ الضجيج، وفي هذا النضج تعود الكلاسيكية لاعبًا رئيسيًا، لا بوصفها حنينًا للماضي، بل كاستثمار في معنى يدوم أطول من الاتجاهات العابرة.
قد يهمّك أيضًا: استثمارات تركية وصينية تدفع طفرة صناعة الملابس في مصر
