تقارير اقتصادية

    التحديات الراهنة لسوق العقارات في الأردن .. ارتفاع في الأسعار رغم الركود!

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •6 دقائق
    التحديات الراهنة لسوق العقارات في الأردن .. ارتفاع في الأسعار رغم الركود!

    تُعاني حركة العقارات في الأردن من ركود مُقلق، سواء في بيوعات الشقق السكنية أو الأراضي، ويُعزى هذا الركود إلى مجموعة من العوامل المحلية والخارجية، منها الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، بسبب الحرب على غزة، وما لها من تبعات على مختلف الأصعدة، خاصةً وأنّ الشارع الأردني يتبنى القضية الفلسطينية جملةً وتفصيلًا، الأمر الذي قد يؤثر على شهية المواطنين للشراء والتداول.

    مؤشرات سوق العقارات الأردني

    شهد الأردن انخفاضًا خطيرًا في بيوعات العقارات خلال نهاية عام 2023، أي مع بدء الحرب على غزة وتصاعد الصراع في المنطقة، ورغم التفاؤل بارتفاع معدّلات البيع والشراء في نهاية ذلك العام، إلا أنّ الأردن ما زال يشهد تباطؤًا ملموسًا في قطاع الإسكان، فحسبما جاء في التقرير الصادر عن دائرة الأراضي والمساحة في المملكة؛ انخفضت نسبة بيوعات العقار خلال الربع الأول من العام الجاري بنسبة 9%، حيث انخفضت بيوعات الشقق السكنية بنسبة 8%، وانخفضت بيوعات الأراضي بنسبة 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

    وقد استمر السوق في الركود خلال الربعين الثاني والثالث، فوفقًا لإحصائيات شهر حزيران؛ انخفضت بيوعات العقارات خلال النصف الأول بنسبة قدرها 8%، إذ بلغ انخفاض بيوعات الشقق ما نسبته 4%، أما بيوعات الأراضي فقد انخفض بنسبة 9% عمّا كان عليه في العام الماضي. ومن الجدير بالذكر أن بيوعات العقارات في شهر حزيران انخفضت بنسبة 22% عن الشهر المقابل له في عام 2023، و33% عن الشهر السابق من العام نفسه، وقد يرجع ذلك إلى مصادفة عيد الأضحى لمنتصف شهر حزيران تقريبًا.

    وفي الإحصائيات الأخيرة، شهد سوق العقار تباطؤًا في حركة البيع نسبتها 5% خلال الأشهر التسعة الماضية، فقد تراجع بيع الشقق السكنية بنسبة تقل عن 1% عنه في العام السابق، حيث ارتفعت بيوعات الشقق خلال شهر أيلول بنسبة 10% عمّا كانت خلال العام السابق، أما بالنسبة لبيوعات الأراضي فقد انخفضت بنسبة 4% عن العام السابق، وفيما يتعلّق إيرادات العقارات فقد انخفضت بنسبة 2%، وهذا يعتبر مؤشرًا مقلقًا.

    قد يهمك أيضًا: الأردن يطلق حزمة فرص استثمارية للقطاع الخاص

    أسباب ارتفاع أسعار العقارات في الأردن

    السؤال الذي يدور في الأذهان اليوم، ما هو سبب ارتفاع أسعار العقارات في الأردن أو بقائها على حالها رغم حالة الركود التي يشهدها سوق العقارات في المملكة؟ يُرجع الخبراء ذلك الارتفاع إلى العديد من العوامل التي قد لا يكون بعضها وليد اللحظة، بل نتاج سياسات اقتصادية وظروف معيشية متراكمة، وهي كما يأتي:

    ارتفاع أجور النقل والشحن

    تتأثر عملية البناء بأسعار النفط بشكل مباشر، فقد أدى ارتفاع أسعار النفط، على مستوى الأردن والعالم، خلال الفترة الماضية إلى زيادة أجور المركبات الناقلة لمواد البناء، فضلًا عن ارتفاع أسعار الشحن الناتج عن التوترات الحاصلة على مضيق باب المندب بسبب تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة.

    ارتفاع أسعار مواد البناء

    لا شكّ في أن ارتفاع أسعار مواد البناء يؤثر على أسعار الشقق بشكل كبير، فعلى سبيل المثال؛ بلغ سعر حديد التسليح في آخر إعلان صادر عن شركة حديد الأردن في شهر أكتوبر من العام الجاري ما قيمته (537-545) دينارًا أردنيًا للطن الواحد، شاملًا ضريبة المبيعات، في حين أنّه كان يتراوح ما بين (515-525) دينارًا أردنيًا في نفس الشهر من عام 2023.

    العبء الضريبي

    يتم احتساب الجزء المتعلّق بالضرائب، ومن ضمنها ضريبة المبيعات، على قطاع الإسكان ضمن سعر الشقق المُباعة، الأمر الذي يُسهم في رفع كُلفة الشقق بشكل ملموس، وهذا الأمر لا بد من مراعاته من قبل الجهات الحكومية المعنية، خاصة وأنّها قامت بتخفيض ضريبة المبيعات على الشقق إلى النصف في عام 2009، مما أدى إلى إنعاش عملية البيع والترخيص آنذاك.

    وقد أظهرت الدراسات الحديثة التي أُجريت في هذا الصدد أنّ حوالي 40% من أسعار الشقق في الأردن تعود إلى الضرائب والرسوم، خاصة وقد تم فرض ضريبة دخل نسبتها 2.5% على هذا القطاع، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على أسعار الشقق.

    ارتفاع أسعار الأراضي

    مع ارتفاع أسعار الأراضي في الأردن بعد عام 2003 أصبحت الأرض تأخذ قرابة 50% من سعر الشقة، الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار الشقق عمّا كانت سابقًا. وتُعتبر العاصمة عمّان الأغلى من حيث أسعار الأراضي، خاصةً مناطق مثل غرب عمان التي يتجاوز سعر الأرض العادية فيها حاجز الـ 600,000 دينار للقطعة الواحدة، ومع ذلك يبقى هُناك إقبال كبير على هذه المناطق.

    ومن الجدير بالذكر أنّ قطاع الوسط في المملكة استحوذ خلال العام الجاري على 68.5% من العقارات المرخصة، وهي أقل بنسبة 2.2% في العام السابق، أما قطاع الشمال فقد سجّل 23% من إجمالي العقارات المرخصة بانخفاض قدره 6.1%، في حين سجل الجنوب حوالي 8.5% من مساحة الأبنية المرخصة، محافظًا بذلك على نسبته من العام السابق.

    انخفاض القدرة الشرائية للمواطن

    على الرغم من الارتفاعات المتتالية لأسعار الإسكان في الأردن، إلا أنّ القدرة الشرائية للمواطن تنخفض تبعًا لعدم تطوّر مصادر دخله عمّا كانت عليه سابقًا، مع استمرار ارتفاع أسعار النفط والسلع الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي يجعله في خضم المواجهة مع الظروف المعيشية الصعبة والقدرة التمويلية المتواضعة جدًا، لذلك عادةً ما يتم اعتبار قطاع الإسكان موجهًا إلى الطبقة فوق المتوسطة، باعتبارها الأكثر احتمالًا لتكاليف الإسكان.

    رفع الفوائد البنكية 

    يعتمد العديد من المواطنين الأردنيين عند شراء العقارات على قروض الإسكان، لكن مع رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة خلال الفترة الماضية لمرات متتالية، بسبب رفعها من قبل الفدرالي الأمريكي، فإنّ المواطن الأردني لم يعد قادرًا على تحمل أعباء القروض وفوائدها العالية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض ملموس في طلبات القروض السكنية. ومع ذلك، أظهر المستثمرون العقاريون مؤخرًا تفاؤلًا بهذا الشأن، حيث خفّض البنك المركزي الأردني أسعار الفائدة بواقع 50 نقطة أساس اعتبارًا من شهر أيلول الماضي.

    ويعتقد الخبراء أنّ الفائدة على قطاع الإسكان يجب ألّا تزيد عن 4% إلى 4.5%، بحيث يكون الرفع على الفائدة التجارية فقط، ولا يشمل الفائدة السكنية، وهذا الأمر معمول به في الولايات المتحدة الأمريكية، انطلاقًا من مبدأ تحقيق الأمان الاجتماعي والحياة الفضلى للمواطن.

    اقرأ أيضًا: كيف يؤثر خفض أسعار الفائدة على القطاعات الاقتصادية المختلفة؟

    حلول مقترحة لإنعاش حركة الإسكان

    يدعو المستثمرون في قطاع الإسكان إلى التعاون مع الجهات الحكومية المعنية؛ لتخفيض الأسعار، وبيع الإسكانات للمواطنين محدودي الدخل بسعر التكلفة، وتطبيق ذلك على نحو واسع. بالإضافة إلى التوسع باتجاه خارج العاصمة عمان، مع ضمان توفير سبل المعيشة المُناسبة في هذه المناطق، مثل وسائل المواصلات، والمدارس، ودور العبادة، والأسواق ونحو ذلك.

    كما يُمكن لطرق التمويل الميسرة أن تُسهم في تحقيق حلم الكثير من المواطنين الذين يرغبون في تملك عقار، حتى لو كانت القطع صغيرة أو خارجة عن نطاق التجمع السكاني في عمّان، على أن يتم تأهيل المناطق الريفية لتُصبح مناسبة للمعيشة، وذلك من خلال منح قروض حسنة خالية من الأرباح والفوائد، أو تيسير الدفعات على المواطنين.

    كما يُظهر الخبراء تفاؤلًا بشأن انتشار السيارات الكهربائية، لأنّها تُمكن الموظفين من شراء إسكانات خارج عمان وإن كانت بعيدة عن أماكن عملهم، نظرًا لانخفاض أجور النقل فيها عن الأجور المحتملة عند الاعتماد على المحروقات. فضلًا عن إمكانية التعاون مع نقابة المهندسين الأردنيين التي تضم خبرات مؤهلة بشكل عالٍ للتوصل إلى أنظمة جديدة في البناء تُسهم في إنشاء أبنية مستدامة بأقل التكاليف.

    وفي كُل الأحوال، تبقى حالة عدم اليقين في الأحداث الجارية، والتوترات الإقليمية المؤثرة بشكل مباشر في حياة المواطنين وسبل معيشتهم عاملًا أساسيًا في الركود الحاصل، لهذا يظلّ السؤال المتعلّق بمستقبل حركة العقارات في الأردن مفتوحًا أمام هذه الظروف.