اقتصادات عالمية

    البيروقراطية تُكلّف الاقتصاد الألماني 67 مليار يورو وتهدد تنافسيته

    •آخر تحديث •3 دقائق
    البيروقراطية تُكلّف الاقتصاد الألماني 67 مليار يورو وتهدد تنافسيته

    كشفت دراسة حديثة صادرة عن الاتحاد الألماني لشركات الأدوية البحثية أنَّ التكلفة الإجمالية للبيروقراطية في ألمانيا بلغت نحو 67 مليار يورو خلال عام 2024، وهو ما يعادل 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وأشارت الدراسة إلى أن هذه الأعباء لم تعد مجرد تكاليف مالية يتحملها الاقتصاد الألماني، بل تحولت إلى خطر استراتيجي يهدد مكانة ألمانيا كوجهة استثمارية عالمية، مع ظهور مؤشرات واضحة على أن بعض الشركات بدأت تفكر جديًا في إعادة النظر بوجودها داخل السوق الألمانية.

    البيروقراطية من أداة للرقابة إلى عائق أمام النمو

    أوضحت الدراسة أن الإجراءات الإدارية تستهلك جزءًا كبيرًا من ساعات العمل، حيث يضيع ما يقارب 20% من الوقت في بعض القطاعات على استيفاء متطلبات التوثيق والالتزام باللوائح، ففي قطاع الصناعات الدوائية يتم نخصيص ساعة كاملة من كل خمس ساعات عمل للأعباء الإدارية وحدها، ما يمثل نزيفًا حقيقيًا للإنتاجية.

    وبحسب التفاصيل فإنّ نحو 51 مليار يورو من هذه التكاليف ترتبط بلوائح عامة مثل قوانين العمل والضرائب وإجراءات محاسبة الرواتب، وحوالي 16 مليار يورو ناتجة عن لوائح خاصة بكل صناعة، مع تحمّل قطاع الخدمات المالية النصيب الأكبر بسبب القواعد الصارمة لحماية المستهلك، أما قطاع التصنيع فيتكبّد خسائر سنوية تصل إلى 2.5 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 1400 يورو لكل موظف.

    وقد أكَّد الاتحاد في دراسته أن البيروقراطية لم تكن في الأصل عبئًا، بل وسيلة لضمان الجودة والسلامة وسيادة القانون، وهي أعمدة أساسية لاقتصاد السوق الألماني، إلا أنَّ تضخم الإجراءات وتعددها حوّلها إلى عائق مباشر أمام النمو، ما دفع شركات كبرى للتفكير في نقل أنشطتها إلى دول أوروبية أكثر مرونة مثل هولندا وأيرلندا، حيث تكاليف الامتثال أقل والرقمنة متقدمة بدرجة تسمح بإنجاز الإجراءات خلال ساعات بدلاً من أسابيع.

    اقرأ أيضًا: صعود دول جنوب أوروبا على ألمانيا وفرنسا في تحول اقتصادي

    الحاجة الملحة للإصلاح والرقمنة

    قال كبير خبراء الاقتصاد في الاتحاد، كلاوس ميشلزن، إن الهدف ليس إلغاء القوانين المنظمة، بل تحديثها وتبسيطها بما يتماشى مع المعايير الدولية، وأضاف: “البيروقراطية المرنة يمكن أن تتحول من عائق إلى ميزة، لكن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تراجع مكانة ألمانيا كموقع اقتصادي مفضل”. وأكد أنَّ تسريع الرقمنة وتبسيط اللوائح يمثلان الحل الأمثل لتقليل الهدر في الوقت والموارد.

    وأظهرت المقارنة مع تجارب أوروبية أخرى حجم الفجوة، ففي هولندا تسمح منصات إلكترونية موحدة بإنجاز معظم الإجراءات الحكومية خلال ساعات، بينما تحتاج نفس العمليات في ألمانيا لأسابيع، هذا التفاوت جعل المستثمرين يفضلون أسواقًا بديلة، وهو ما يُفاقم من خطر تراجع التنافسية الألمانية عالميًا، خاصة مع تباطؤ النمو الصناعي وتراجع موقع البلاد في سلاسل القيمة.

    جدل متصاعد حول الضرائب

    تزامنت أزمة البيروقراطية مع جدل داخلي محتدم حول زيادة ضريبة الميراث على التركات الكبيرة، وأظهر استطلاع للرأي أن 57% من الألمان يؤيدون هذه الخطوة، بينما اعتبرها 38% غير عادلة. ومع أن الحكومة ترى في هذه الضريبة وسيلة لمعالجة اختلال توزيع الثروة فإن تزامنها مع الأعباء البيروقراطية يضاعف الضغوط على مجتمع الأعمال، ويرفع المخاوف من انسحاب مزيد من الشركات نحو أسواق أكثر استقرارًا ومرونة.

    اقرأ أيضًا: السوريون في ألمانيا.. كيف أصبحوا قوة محركة لسوق العمل والاقتصاد؟

    ألمانيا تخسر ميزتها التنافسية لصالح هولندا وأيرلندا

    علّق الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، على نتائج الدراسة قائلًا: “67 مليار يورو تكلفة ضخمة لا يمكن تجاهلها، فهي تعادل نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي الألماني، وهذا يعني أن البيروقراطية لم تعد مجرد مسألة تنظيمية بل تحولت إلى أزمة اقتصادية حقيقية”.

    وأضاف: “الأعباء المالية ليست هي الأخطر، إذ إنّ فقدان الإنتاجية وتآكل الابتكار هما ما يدمر قدرات أي اقتصاد، فعندما يتم إهدار ساعة من بين كل خمس ساعات عمل في المستندات، فإن الشركات تخسر ميزة الابتكار والتطوير”.

    وأوضح يوسف أنَّ الأرقام تؤكد حجم المشكلة؛ حيث إنّ “51 مليار يورو ناتجة عن اللوائح العامة، و16 مليارًا من لوائح خاصة، مع تحمّل قطاع الخدمات المالية العبء الأكبر، أما التصنيع فخسائره بلغت 2.5 مليار يورو سنويًا، أي 1400 يورو لكل موظف”.

    ومن جانبه حذَّر يوسف من خطورة استمرار الوضع الحالي، قائلاً: “عندما تتحول البيروقراطية من وسيلة لضمان الجودة إلى عبء ثقيل، فإن ألمانيا تفقد ميزتها أمام دول مثل هولندا وأيرلندا التي تُنجز إجراءاتها خلال ساعات، هذا الفارق يجعل المستثمرين يفكرون بجدية في نقل أعمالهم إلى بيئات أكثر مرونة”.

    واختتم قائلاً: “المطلوب ليس إلغاء القوانين، بل إصلاحها وتحديثها ورقمنتها، وفي حال لم يتم التحرك سريعًا فإنَّ ألمانيا لن تخسر المليارات فقط، بل ستفقد استثمارات وفرص عمل، ما يهدد دورها كقوة صناعية كبرى داخل الاتحاد الأوروبي وعلى الساحة العالمية”.

    قد يهمّك أيضًا: من المسؤول عن خسارة أوروبا؟ عقود من الأخطاء لا ترامب