تقرير: باسل محمود
أظهر تقرير مجلس الذهب العالمي للعام 2025 أن 95% من البنوك المركزية المشاركة في الدراسة، تخطّط لزيادة احتياطاتها من الذهب خلال الاثني عشر شهراً القادمة، وهي النسبة الأعلى منذ بدء إجراء الدراسة في 2018، بحسب صحيفة فايننشال تايمز. وفي المقابل، توقّع 75% من المشاركين تقليص حيازاتهم من الدولار الأمريكي خلال السنوات الخمس المقبلة.
تلك النتائج لم تأتِ من فراغ، فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية والخشية المتنامية من استخدام الدولار كسلاح اقتصادي من قِبل واشنطن، باتت دول عديدة، خاصة من الأسواق الناشئة، تعتبر الذهب أكثر أماناً واستقلالية من أي وقت مضى.
تحول عالمي تقوده البنوك المركزية
وفي عام مضطرب من عمر الاقتصاد العالمي، وبينما تتزاحم المخاوف الجيوسياسية والعقوبات العابرة للحدود، يعود الذهب من جديد ليتربّع على عرش الأمان، وبينما تترنّح الثقة بالدولار الأمريكي تتّجه البنوك المركزية حول العالم إلى خيارٍ لطالما اعتُبر كلاسيكيًا لكنه لم يفقد بريقه، وهو المعدن الأصفر.
لم يعد الذهب مجرد ملاذ آمن للمستثمرين الأفراد، بل بات اليوم أحد أعمدة الاستراتيجية النقدية لكبريات البنوك المركزية التي تُعيد رسم خرائط احتياطاتها في مواجهة مستقبل مليء بالشكوك.
الذهب يتفوق على اليورو
التحول في سلوك البنوك المركزية تزامن مع أداء استثنائي لأسعار الذهب، حيث ارتفع بنسبة 30% منذ يناير 2025، وتضاعف تقريبًا خلال العامين الماضيين، ليتجاوز قيمة اليورو، ويُصبح ثاني أكبر أصل احتياطي عالميًا بعد الدولار.
يعود هذا الارتفاع جزئيًا إلى تدفّق الطلب من البنوك المركزية وصناديق التحوط، في وقت يبحث فيه المستثمرون عن حماية من التضخم، والتقلبات السياسية، وخطر التخلف عن السداد في الأسواق التقليدية.
اقرأ أيضًا: كمية الذهب المكتشف في العالم وتوقعات أسعار 2025
عودة احتياطات الذهب إلى الوطن
من الظواهر اللافتة في التقرير، التوجه المتزايد نحو نقل احتياطات الذهب إلى الداخل الوطني؛ فقد أعادت الهند في 2024 أكثر من 100 طن من الذهب من بنك إنجلترا إلى أراضيها، في خطوة رمزية تعبّر عن التوجّه نحو فكّ الارتباط مع البنية الغربية لتخزين الأصول، وقد اتخذ البنك المركزي النيجيري الخطوة ذاتها، حيث قام بتحويل جزء من احتياطاته إلى خزائن وطنية.
أكّدت الدراسة أن 7% من البنوك المركزية تخطط لزيادة التخزين المحلي للذهب، وهي أعلى نسبة تُسجّل منذ جائحة كورونا. ويبدو أن هذه التحركات تشير إلى أن ما يُخزّن في نيويورك أو لندن لم يعد يُشعر بعض الدول بالأمان السياسي، خاصة في ظل العقوبات المتصاعدة وأزمات الثقة الدولية.
قلق داخلي أمريكي يزيد شكوك العالم حول الدولار
التحوّط من الخارج لم يأتِ فقط بسبب التوترات الدولية، بل أيضا بسبب الإشارات القادمة من قلب الولايات المتحدة؛ فقد أثارت تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فبراير 2025 ضجة واسعة، حين تساءل علنًا خلال مقابلة إذاعية عمّا إذا كان الذهب المُخزَّن في “فورت نوكس” ما زال موجودًا بالفعل.
مثل هذه التصريحات -حتى وإن جاءت ضمن نقاشات داخلية- تسبّبت في زيادة القلق العالمي من سلامة الأصول المودعة في الولايات المتحدة، وعزّزت المخاوف من سيناريوهات تجميد الذهب الأجنبي المخزّن هناك.
ما الذي يجعل الذهب خيارًا لا يمكن الاستغناء عنه؟
أوضحت الدراسة أن أبرز دوافع البنوك المركزية لتعزيز احتياطات الذهب تتمثل في أدائه القوي خلال فترات الأزمات العالمية، وعدم وجود مخاطر للتخلّف عن السداد، وفعاليته كوسيلة للتحوّط ضد التضخم؛ حيث إنّ هذه العوامل مجتمعة تجعل الذهب أصلًا لا يمكن الاستغناء عنه، حتى في ظل الصعود السريع للعملات الرقمية والأصول المُشفّرة.
ومن العوامل المفصلية في تعجيل هذا التحوّل أيضًا الحرب الروسية الأوكرانية؛ فقد شكّل عزل روسيا من نظام المدفوعات العالمي “SWIFT” وتحويل احتياطاتها من الدولار إلى أدوات مجمدة صدمة للنظام المالي الدولي، دفعت العديد من الدول إلى مراجعة استراتيجيات احتياطاتها بعناية.
بالفعل، بعد تلك الأزمة شهد عام 2023 أكبر عمليات شراء للذهب من قبل البنوك المركزية منذ عام 1967، واستمر الاتجاه في 2024 و2025 بزخم متزايد.
قد يهمّك أيضًا: الذهب يكسر 3500 دولار.. هل يصل إلى 4 آلاف دولار؟
تحديات استخدام الذهب رغم الزخم
رغم القفزة في المشتريات فإنَّ الذهب لا يخلو من التحديات، وأبرزها ارتفاع تكاليف التخزين والتأمين مقارنةً بالأصول الورقية أو الرقمية، بالإضافة إلى بطء النقل وصعوبة التسييل الفوري في أوقات الأزمات، مقارنة بسندات الخزانة الأمريكية أو الدولار، وافتقاره لعائد دوري مثل الفائدة أو التوزيعات النقدية، مما قد يُقلل من جاذبيته في أوقات النمو الاقتصادي.
رغم ذلك، حتى مع هذه التحديات يبقى الذهب خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، يُوفّر ما لا تُقدمه أدوات الاستثمار الأخرى، من حيث الأمان في لحظات عدم اليقين.
الدولار تحت المجهر
رغم بقاء الدولار الأمريكي العملة الاحتياطية الأولى عالميًا، إلا أن حصته تراجعت إلى 58% من الاحتياطيات العالمية، وهو أدنى مستوى منذ عقود، في حين ارتفعت حصة الذهب تدريجيًا، ما يعكس تحوّلًا بنيويًا في النظام النقدي العالمي.
وفي هذا الصدد، يقول أحد مسؤولي البنوك المركزية: “لم نعد ننظر إلى الدولار باعتباره الأصل الوحيد الآمن، وقد أصبح التنويع ضرورة، والذهب عاد إلى مركز المعادلة”.
هذا يعني أنّ توجّه البنوك المركزية نحو زيادة احتياطات الذهب خيارًا مؤقتًا بل تحوّلًا استراتيجيًا تعززه الأزمات العالمية وتآكل الثقة بالعملات التقليدية، وبينما تستمر هذه الديناميكيات يبقى الذهب مرشحًا قويًا لاستعادة موقعه المحوري في النظام النقدي العالمي.
اقرأ آخر التقارير: الفضة والبلاتين يكسران سطوة الذهب
