تراجع حجم السيولة التي يسحبها البنك المركزي المصري من البنوك إلى أدنى مستوى له منذ نحو 4 سنوات، ما يعكس تغيرًا واضحًا في توجهات القطاع المصرفي خلال الفترة الأخيرة، سواء على مستوى توظيف السيولة أو زيادة الإقراض للقطاعات الإنتاجية أو اتجاه العملاء إلى أدوات استثمارية بديلة.
أسباب انخفاض سحب السيولة من قبل المركزي
وقالت حنان رمسيس الخبيرة الاقتصادية، إن هذا التراجع يرجع إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، في مقدمتها أن البنوك أصبحت أكثر اهتمامًا بزيادة العوائد على أموالها، خاصة في ظل الفارق الواضح بين العائد على الودائع الأسبوعية لدى البنك المركزي، والذي يدور حول 19.5%، وبين العائد المتاح على أذون الخزانة، والذي يصل إلى مستويات تتراوح بين 24.5% و25%.
وأوضحت أن هذا الفارق الكبير في العائد جعل البنوك تعيد ترتيب أولوياتها في توظيف السيولة، إذ أصبح من المنطقي بالنسبة لها توجيه جانب أكبر من أموالها إلى أدوات تحقق عائدًا أعلى، بدلًا من ربطها لدى البنك المركزي بعائد أقل نسبيًا.
وأضافت أن هناك عاملًا آخر يتعلق بتغير طبيعة التضخم خلال الفترة الماضية، إذ لم يكن التضخم مرتبطًا فقط بزيادة الطلب المحلي، بل تأثر أيضًا بعوامل خارجية ومستوردة، ما جعل التعامل معه عبر أدوات السياسة النقدية التقليدية أكثر تعقيدًا، ومع ذلك بدأت التطورات الأخيرة في الاقتصاد تؤثر على سلوك البنوك والعملاء معًا، سواء من حيث الإقراض أو الاستثمار أو إدارة السيولة.
اقرأ أيضًا: هل استعاد الجنيه المصري قوته بعد هبوط الدولار 5.41 جنيه؟
زيادة الإقراض المصرفي للمشاريع الإنتاجية
وأشارت إلى أن زيادة الإقراض كانت من أهم العوامل التي ساهمت في تقليص فائض السيولة لدى البنوك، موضحة أن محافظ القروض بدأت تتحرك بقوة خلال الفترة الأخيرة، بعدما كان معدل القروض إلى الودائع في القطاع المصرفي منخفضًا لفترة طويلة، وكانت البنوك في السابق تميل إلى توظيف جانب كبير من أموالها في أذون الخزانة أو لدى البنك المركزي، بدلًا من توجيهها إلى الإقراض المباشر.
وأكدت أن الوضع بدأ يتغير مع تحسن الظروف الاقتصادية وتراجع تكلفة التمويل، حيث بدأت البنوك في تمويل قطاعات إنتاجية متعددة، من بينها الصناعات الغذائية والاتصالات والحديد والأسمنت، والكهرباء، والغاز، ومشروعات الطاقة المتجددة، لا سيما مشروعات الرياح، إلى جانب قطاع العقارات الذي يشهد حضورًا واسعًا للقطاع الخاص.
ولفتت إلى أن القطاع الخاص أصبح أكثر دخولًا في هذه القطاعات مقارنة بالفترات السابقة، وهو ما انعكس على زيادة الطلب على التمويل المصرفي، خاصة مع تراجع أسعار الفائدة بنحو 8.25 نقطة مئوية، وهو ما قلل تكلفة الاقتراض على المستثمرين والشركات.
وأوضحت أن المستثمرين كانوا في السابق يواجهون تكلفة تمويل مرتفعة للغاية، إذ كانت بعض مستويات الاقتراض تدور حول 32%، وهي تكلفة مالية كبيرة على أي مستثمر أو شركة، لكن مع تراجع الفائدة إلى مستويات أقل، أصبح الاقتراض أكثر قابلية للتحمل، ما شجع قطاعات عديدة على طلب التمويل من البنوك.
وأضافت أن توافر العملة الأجنبية بوفرة أكبر داخل السوق المصرية كان عاملًا مهمًا أيضًا في تشجيع الشركات على الاقتراض والتوسع، إذ ساعدها ذلك على فتح الاعتمادات المستندية وتدبير احتياجاتها من مستلزمات الإنتاج والتوسع التشغيلي. وبذلك لم يكن انخفاض الفائدة وحده هو العامل الحاسم، بل جاء متزامنًا مع تحسن توافر النقد الأجنبي، ما منح الشركات قدرة أكبر على الحركة.
وأشارت إلى أن إجمالي الاقتراض ارتفع من نحو 10.4 تريليون جنيه إلى نحو 10.7 تريليون جنيه خلال فترة قصيرة، بما يعكس تحسن نشاط الائتمان واتجاه البنوك بصورة أكبر نحو تمويل الاقتصاد الحقيقي، بدلًا من الاكتفاء بتوظيف السيولة في أدوات الدين أو ربطها لدى البنك المركزي.
اقرأ أيضًا: تراجع البورصة المصرية للجلسة الثانية.. قراءة في الضغوط البيعية
تنويع محافظ الاستثمار البديلة
وأوضحت رمسيس أن جزءًا من السيولة خرج من الجهاز المصرفي نتيجة تغير سلوك العملاء المودعين، إذ بدأ عدد كبير منهم يتجه إلى أدوات استثمارية بديلة، مثل العقارات، والذهب، والفضة، وأذون الخزانة، وهو ما أدى إلى سحب جزء من الودائع أو إعادة توجيهها بعيدًا عن القنوات التقليدية داخل البنوك.
وأكدت أن العقار شهد إقبالًا كبيرًا خلال الفترة الأخيرة، كما حافظ الذهب والفضة على جاذبيتهما كأدوات لحفظ القيمة، إلى جانب أذون الخزانة التي جذبت بدورها شريحة من المستثمرين بسبب ارتفاع عوائدها مقارنة ببعض الأوعية المصرفية الأخرى.
ربط الودائع
وأضافت أن هناك عاملًا فنيًا يتعلق بطريقة إدارة البنك المركزي لعطاءات ربط الودائع، إذ بدأ في استخدام أساليب أقرب إلى الممارسات العالمية، ومنها أسلوب قبول جميع العطاءات أو ما يعرف بنظام “Full Allotment”، وهو نظام يتيح توزيع السيولة وقبول العطاءات بطريقة أكثر اتساقًا مع آليات إدارة السيولة المعمول بها عالميًا.
وأشارت إلى أن اجتماع هذه العوامل معًا هو ما أدى إلى تراجع حجم السيولة التي يسحبها البنك المركزي من البنوك إلى نحو 30 مليار جنيه فقط، وهو مستوى منخفض مقارنة بالفترات السابقة، ويعكس تغيرًا مهمًا في علاقة البنوك بالسيولة المتاحة لديها.
دور البنوك في تمويل الاقتصاد الحقيقي
في السياق ذاته، أشارت رمسيس إلى أن النقطة اللافتة في المشهد هي عودة البنوك تدريجيًا إلى دورها الأساسي في تمويل الاقتصاد، بعدما كان السؤال المطروح لفترة طويلة هو: لماذا لا ترتفع نسبة القروض إلى الودائع؟ ولماذا تفضل البنوك توجيه الأموال إلى أذون الخزانة أو البنك المركزي بدلًا من الإقراض؟
وأوضحت أن الإجابة الآن أصبحت أوضح، إذ إن تراجع تكلفة التمويل، وتوافر النقد الأجنبي، وتحسن فرص الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، كلها عوامل دفعت البنوك إلى زيادة التمويل، خاصة للقطاع الخاص الذي بدأ يدخل بقوة في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والاتصالات، والصناعات الأساسية، والعقارات.
وأكدت أنّ هذه التحولات تعني أن انخفاض السيولة المسحوبة من البنوك لا يجب قراءته فقط باعتباره تراجعًا في ودائع البنوك لدى البنك المركزي، بل باعتباره مؤشرًا على تغير أوسع في هيكل توظيف الأموال داخل القطاع المصرفي، حيث أصبحت البنوك تبحث عن عوائد أعلى، وتمويل أوسع، وفرص أكثر ارتباطًا بالنشاط الاقتصادي الحقيقي.
واختتمت بأن استمرار هذه الاتجاهات سيظل مرتبطًا بمسار الفائدة، وتطورات التضخم، وتوافر العملة الأجنبية، وقدرة القطاعات الإنتاجية على استيعاب التمويل الجديد، موضحة أن التوقعات السابقة كانت تشير إلى إمكانية وصول التضخم إلى مستويات أحادية، بما كان سيدعم مزيدًا من خفض الفائدة، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت مسار التوقعات أكثر حذرًا.
اقرأ أيضًا: هل تجاوز الاقتصاد المصري اختبار التوترات الجيوسياسية؟
