قال البنك الدولي إن الصراع الذي اندلع في الشرق الأوسط خلال فبراير 2026 فرض تكاليف اقتصادية واسعة على اقتصادات المنطقة، وأدى إلى إضعاف توقعات النمو، في وقت جاءت فيه دول الخليج المصدرة للنفط ضمن الاقتصادات الأكثر تضررًا، على خلاف ما كان يحدث خلال صدمات الطاقة السابقة التي كانت عادة ما تصب في مصلحة الدول المنتجة والمصدرة للخام.
وأوضح البنك، في أحدث إصدار من تقريره عن المستجدات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، الصادر اليوم 6 أكتوبر 2026 بعنوان "سد الفجوات واغتنام الفرص: الذكاء الاصطناعي والوظائف والنمو"، أن إغلاق مضيق هرمز غيّر معادلة الاستفادة التقليدية من ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما أدى إلى انخفاض كميات الصادرات وفرض خسائر كبيرة على الناتج والإيرادات الحكومية في الدول الخليجية المصدرة للنفط.
انكماش اقتصاد المنطقة 2.1% في 2026
وتوقع البنك الدولي انكماش الناتج الإقليمي بمتوسط 2.1% خلال عام 2026، بعد نمو بلغ 3.3% في عام 2025، نتيجة التداعيات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للصراع.
وأشار إلى أن التأثير لم يقتصر على قطاع الطاقة، وإنما امتد إلى السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، في الوقت الذي انعكست فيه حالة عدم اليقين على الأسواق المالية وثقة منشآت الأعمال.
وأوضح التقرير أن الأثر الاقتصادي كان أكثر حدة على البلدان المصدرة للنفط والمتضررة من إغلاق مضيق هرمز، إذ تسبب تراجع أحجام الصادرات في خسائر كبيرة في الناتج المحلي والإيرادات الحكومية.
وتوقع البنك أن تنكمش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.3% في المتوسط خلال العام الجاري.
الدول المستوردة للنفط تظهر قدرًا من الصمود
في المقابل، أظهرت الدول المستوردة للنفط في المنطقة قدرة أكبر على الصمود أمام الصدمة الحالية، إذ توقع البنك الدولي ارتفاع معدل نمو اقتصاداتها إلى 4.3% خلال عام 2026، مقابل 3.9% في عام 2025.
ويعكس هذا التباين اختلاف طبيعة التأثير الذي أحدثه الصراع مقارنة بموجات سابقة من ارتفاع أسعار النفط، إذ لم تعد الدول المصدرة للطاقة هي المستفيد الرئيسي من الصدمة في ظل تعطل طرق التصدير وانخفاض أحجام الشحن.
ضغوط إضافية على الغذاء وسلاسل الإمداد
وأشار البنك الدولي إلى تصاعد الضغوط التضخمية في معظم أنحاء المنطقة، وخاصة عبر ارتفاع أسعار المواد الغذائية، في ظل تعطل حركة الشحن وزيادة تكاليف الاستيراد والضغوط على سلاسل الإمداد.
وأوضح أن الاقتصادات الهشة والمتأثرة بالصراعات تواجه صعوبة أكبر في امتصاص هذه الصدمة، مع تفاقم مواطن الضعف القائمة بالفعل.
ولفت التقرير إلى أن الفقر أصبح يتركز بصورة متزايدة داخل هذه الاقتصادات، مشيرًا إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان هي المنطقة الوحيدة عالميًا التي ارتفعت فيها مستويات الفقر خلال العقد الماضي، بينما تراجعت معدلاته في باقي مناطق العالم.
اقرأ أيضًا: الصراع في الشرق الأوسط.. مخاوف من اتساع عجز الموازنات
نمو قد يقفز إلى 7.8% في 2027 حال انحسار الصراع
ورغم الصورة الضعيفة لعام 2026، أشار البنك إلى إمكانية حدوث تعافٍ قوي خلال العام المقبل إذا تراجعت حدة الصراع بحلول نهاية العام الجاري.
وتوقع أن يرتفع معدل النمو الإقليمي، باستثناء إيران، إلى 7.8% خلال عام 2027، مدفوعًا بصورة رئيسية بتعافي إنتاج وصادرات الهيدروكربونات.
إلا أن البنك شدد على أن هذا التعافي ليس مضمونًا، وأن تحقيقه يتطلب استمرار جهود السياسات الاقتصادية.
وأشار إلى أن آثار الصدمة قد تستمر حتى بعد تراجع حدة الصراع، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وتأجيل الاستثمارات، واستنزاف الهوامش المالية الوقائية، وهو ما قد يضغط على النمو لفترة أطول.
حماية الأسر واستعادة القدرات الإنتاجية
وقال أوسمان ديون، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، إن حماية الأسر الأكثر احتياجًا، واستعادة القدرات الإنتاجية، والاستثمار في بنية تحتية أكثر قدرة على الصمود في قطاعي الطاقة والنقل، تمثل عناصر أساسية لضمان عدم تحول الصدمة المؤقتة إلى خسائر طويلة الأجل.
وأضاف أن هذه الخسائر يمكن أن تطال رأس المال البشري وآفاق النمو ومستويات المعيشة إذا لم تتم معالجتها بصورة مبكرة.
وأكد أن الدول التي تنجح حاليًا في تعزيز قدرتها على الصمود وبناء قدراتها ستكون في وضع أفضل للاستفادة من الفرص المستقبلية، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وبالتوازي مع التعامل مع التداعيات المباشرة للصراع، يرى البنك الدولي أن المنطقة تواجه تحولًا اقتصاديًا آخر طويل الأجل يتمثل في التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي.
وأوضح التقرير أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا واعدة لتعزيز الإنتاجية والنمو في المنطقة، ويمكن أن يسهم في رفع إنتاجية ما يصل إلى 20% من الوظائف.
وأشار إلى أن المنطقة لا تمر بتحول واحد، وإنما بمجموعة من التحولات التي تتحرك بسرعات متفاوتة بصورة كبيرة.
ويرجح التقرير أن يكون الأثر الرئيسي للذكاء الاصطناعي في المنطقة مرتبطًا بزيادة الإنتاجية أكثر من فقدان الوظائف نتيجة الأتمتة.
أقل من 10% من الوظائف معرضة للأتمتة
وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن أقل من 10% من الوظائف في المنطقة تواجه مخاطر الأتمتة على المدى القريب.
وفي المقابل، تتراوح نسبة الوظائف التي يمكن أن تحقق استفادة كبيرة من الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية بين 13% و20%.
وأشار التقرير إلى أن هذه التقنيات يمكن أن ترفع إنتاجية العمال ومنشآت الأعمال التي تتمكن من استخدامها بصورة فعالة.
ورغم الفرص المتاحة، أكد البنك أن الاستفادة الكاملة من إمكانات الذكاء الاصطناعي تتطلب معالجة مجموعة من الفجوات الهيكلية.
وتشمل هذه الفجوات ضعف تمثيل لغات المنطقة وبياناتها في أنظمة الذكاء الاصطناعي العالمية، ومحدودية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب فجوة في رأس المال تشمل رأس المال البشري والبنية التحتية.
كما أشار التقرير إلى أن محدودية ديناميكية القطاع الخاص تمثل أحد المعوقات الرئيسية أمام الاستفادة الكاملة من هذه التكنولوجيا.
قد يهمّك أيضًا: الشرق الأوسط يغلي.. الطاقة في قلب المعركة
غاتي: التحدي في بناء المهارات والبنية التحتية
وقالت روبرتا غاتي، رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان بالبنك الدولي، إن القضية لم تعد تتعلق بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤدي دورًا في مستقبل المنطقة، وإنما بمدى قدرة الدول على بناء المهارات والبنية التحتية والمؤسسات اللازمة للاستفادة منه.
وأوضحت أن التنوع الموجود بين اقتصادات المنطقة يمثل ميزة مهمة يمكن استثمارها في بناء منظومة إقليمية للذكاء الاصطناعي.
وأشارت إلى أن دول الخليج تمتلك قدرات حاسوبية قوية، في حين تتميز المنطقة بثراء لغوي، إلى جانب توافر المواهب في الاقتصادات متوسطة الدخل، وهي عناصر يمكن الجمع بينها لبناء قاعدة إقليمية أكثر قوة في مجال الذكاء الاصطناعي.
فرصة للتعاون الإقليمي في الذكاء الاصطناعي
ويرى البنك الدولي أن التعاون الإقليمي يمثل إحدى أكبر الفرص المتاحة أمام دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان للاستفادة من التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن الدول الرائدة في المجال، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، يمكن أن تنقل خبراتها في تطوير النماذج والحوكمة إلى بقية دول المنطقة.
وفي المقابل، تستطيع الدول متوسطة الدخل المساهمة من خلال الكفاءات البشرية والبيانات المحلية.
كما يمكن للاقتصادات الأكثر هشاشة تبني ما وصفه التقرير بـ"الذكاء الاصطناعي الصغير"، الذي يقوم على أدوات منخفضة التكلفة ومصممة لأغراض محددة ويمكن تشغيلها على الأجهزة المحمولة الأساسية.
وأوضح البنك أن هذا النوع من التقنيات يمكن استخدامه لتحسين الخدمات الأساسية ودعم منشآت الأعمال المحلية.
قراءة في تقرير البنك الدولي
وقالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إنه رغم ارتفاع أسعار النفط عالميًا، فإن العديد من دول الخليج تتأثر سلبًا نتيجة تأثر سلاسل الإمداد وعدم قدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجية بالصورة المعتادة.
وأوضحت رمسيس أن هذه التأثيرات ترتبط بتعطل بعض عمليات الإنتاج، إلى جانب توقف بعض المصافي عن الإنتاج بالكامل نتيجة تعرضها لهجمات، فضلًا عن استمرار استهداف منشآت ومنصات مرتبطة بقطاع النفط في منطقة الخليج.
وأضافت أن الهجمات الحوثية المستمرة على بعض المنشآت النفطية التابعة لشركة "أرامكو" أثرت سلبًا على قدرتها على استكمال عمليات التصدير، وهو ما ينعكس بدوره على اقتصادات الدول المعنية.
وأشارت إلى أن هذه الدول تحاول الحفاظ على أسعار النفط قدر الإمكان من خلال عدم زيادة الإنتاج، بما يساعد على استمرار الأسعار عند مستوياتها الحالية.
ولفتت إلى أن الضغوط قد تتزايد خلال الفترة المقبلة لزيادة الإنتاج مع دخول فصل الشتاء، وهو ما قد يؤثر على الشركات وعلى أسعار برميل النفط، فضلًا عن تأثيره على حجم الطلب.
وقالت رمسيس إن الولايات المتحدة تتجه إلى تلبية احتياجاتها من النفط من إنتاجها الخاص، أو من خلال الحصول على النفط من دول أخرى تخضع لعقوبات اقتصادية.
وأوضحت أن ذلك يؤثر على تدفقات النفط والأسعار ومستويات الربحية التي يمكن أن تحققها الدول المنتجة.
وأضافت أن هناك اتجاها خلال الفترة المقبلة لزيادة كميات النفط المنتجة، وهو ما سيكون له تأثير مباشر على الأسعار.
وأكدت أنه رغم ارتفاع أسعار النفط، فإن بعض الدول المنتجة لا تحقق الاستفادة الكاملة من هذه الزيادة.
وأشارت إلى أن بعض الدول تحاول إيجاد منافذ بديلة للتصدير إلى الخارج، موضحة أن السعودية تحاول الاستفادة من خط أنابيب "سوميد" لتصدير النفط إلى الخارج عن طريق ميناء سيدي كرير المصري.
وأضافت أن الهدف من هذه التحركات هو استمرار عمليات التصدير والاستفادة من ارتفاع الأسعار، بما يساهم في دعم أوضاع الموازنات.
وأشارت رمسيس إلى أن الكويت بدأت تواجه مخاوف مرتبطة بعجز الموازنة نتيجة الحرب وتكاليفها، إلى جانب محاولات تعزيز الدفاع عن أراضيها.
وأضافت أن خطط الدفاع المشترك مع الولايات المتحدة تتطلب تكاليف تصل إلى مليارات الدولارات، وهو ما يؤثر بدوره على اقتصادات الدول المعنية.
اقرأ أيضًا: تأثير أزمة الشرق الأوسط على اقتصاد المغرب وأسعار الطاقة
