تقارير الطاقة

    البرنامج النووي السعودي.. كواليس الاتفاق مع واشنطن

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    برج تبريد ضخم تابع لمحطة طاقة نووية. الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.

    دخل البرنامج النووي السعودي مرحلة جديدة، بعدما كشفت تقارير أمريكية عن موافقة إدارة الرئيس دونالد ترامب على اتفاق للتعاون النووي المدني بين واشنطن والرياض يمتد لنحو 30 عامًا، ويمنح الشركات الأمريكية دورًا رئيسًا في بناء وتطوير البنية التحتية النووية داخل المملكة.

    ولا تقتصر أهمية الاتفاق على دعم خطط السعودية لتنويع مصادر الطاقة وتحقيق مستهدفات رؤية 2030، بل تمتد إلى احتمال دراسة تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية، بما يفتح الباب أمام تحولات استراتيجية قد تؤثر في موازين القوى ومستقبل الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط.

    وقال محمد خيري، الباحث في الشؤون الدولية، إن الاتفاق لا يقتصر على تقديم الخبرات الفنية أو بناء المفاعلات النووية، بل يشمل أيضًا إمكانية دراسة إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل المملكة في مرحلة لاحقة، شريطة أن تخلص دراسة مشتركة بين واشنطن والرياض إلى جدوى هذا الخيار ومدى توافقه مع المعايير الدولية لمنع الانتشار النووي.

    ولفت خيري إلى أن موافقة الإدارة الأمريكية لا تعني دخول الاتفاق حيز التنفيذ بصورة فورية، إذ لا يزال يتعين استكمال الإجراءات القانونية الأمريكية اللازمة قبل أن يصبح نافذًا رسميًا، لكنّ الخطوة تمثل تطورًا مهمًا في مسار التعاون النووي بين البلدين.

    أهداف البرنامج النووي السعودي

    وأكد الباحث في الشؤون الدولية أن السعودية تؤكد، منذ بدء المفاوضات وحتى إعلان الموافقة الأمريكية، أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، ويستهدف دعم أهداف رؤية المملكة 2030 وتحويل السعودية إلى مصدر رئيس لمختلف أشكال الطاقة، وليس الوقود الأحفوري فقط.

    وأوضح أن المملكة تسعى إلى أن تصبح مركزًا لإنتاج وتصدير أنواع متعددة من الطاقة، بما في ذلك الطاقة النووية السلمية، ما يعني أن المحرك الأساسي المعلن للمشروع يرتبط بالاقتصاد والتنمية وتنويع مصادر الطاقة والدخل.

    وأشار إلى أن السعودية تعتزم استخدام الطاقة النووية السلمية في دعم قطاع الكهرباء وتشغيل مشروعات تحلية المياه، التي تمثل تحديًا حقيقيًا أمام تحقيق أهداف رؤية 2030.

    وأضاف أن تحلية المياه تمثل قضية استراتيجية بالنسبة إلى المملكة ودول المنطقة عمومًا، بسبب محدودية موارد المياه العذبة، ما يجعل توفير مصادر طاقة مستقرة لمشروعات التحلية جزءًا من متطلبات الأمن الوطني السعودي.

    ويرى خيري أن الاتفاق يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية للجانبين، إذ يوفر للسعودية التكنولوجيا والخبرات اللازمة لتطوير برنامجها، بينما يمنح الشركات الأمريكية فرصًا اقتصادية واستثمارية واسعة في سوق الطاقة النووية السعودية.

    وأوضح الباحث أن الاقتصاد لا يمثل الجانب الوحيد في الاتفاق، لأن القضية تمتد إلى الأمن الإقليمي وقواعد منع الانتشار النووي، خصوصًا في ظل الحديث عن إمكانية تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية.

    اقرأ أيضًا: الاستثمارات الأجنبية في السعودية تقفز إلى 20 مليار ريال

    الخط الفاصل بين الطاقة السلمية والاستخدام العسكري

    ولفت إلى أن الجدل بشأن التخصيب يتزامن مع حرب تتوسع في منطقة الشرق الأوسط، ويُعد أحد أسبابها الرئيسة قيام دولة بتخصيب اليورانيوم بطريقة تعتبرها الولايات المتحدة غير مقبولة.

    وأشار إلى أن تخصيب اليورانيوم يمثل النقطة الفاصلة بين الاستخدامين المدني والعسكري للطاقة النووية؛ فالبرامج المدنية تستخدم الوقود النووي في إنتاج الكهرباء وتشغيل المفاعلات، بينما يتطلب تصنيع السلاح النووي رفع نسبة التخصيب إلى مستويات مرتفعة.

    وأضاف أن عملية التخصيب تمثل المرحلة التي يمكن عندها أن يتحول البرنامج المدني إلى قدرة عسكرية محتملة، ولذلك تشكل جوهر الخلاف والمخاوف المحيطة بأي برنامج نووي يتضمن منشآت تخصيب محلية.

    لماذا يثير ملف التخصيب مخاوف إقليمية؟

    وأكد أن إعلان أي دولة سلمية برنامجها لا يلغي المخاوف الدولية؛ لأن امتلاك منشآت التخصيب يمنحها القدرات الفنية التي يمكن استخدامها مستقبلًا لرفع النسب، ما يثير تساؤلات بشأن النوايا والالتزام بقواعد عدم الانتشار.

    وقال خيري إن القضية ترتبط مباشرة بالأمن الإقليمي، في ظل مخاوف من أن يؤدي امتلاك السعودية قدرات تخصيب محلية إلى إطلاق سباق نووي جديد أو تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط.

    وأضاف أن منظومة منع الانتشار النووي تفرض قيودًا صارمة على الأنشطة التي يمكن استخدامها في الأغراض العسكرية، وهو ما يجعل التخصيب محورًا دائمًا للمراقبة والجدل الدولي.

    اقرأ أيضًا: أين تنتشر المفاعلات النووية في العالم؟

    أبعاد المقارنة بالنموذج الإيراني

    وأشار خيري إلى أن تجربة البرنامج النووي الإيراني تمثل نموذجًا حاضرًا في المناقشات المتعلقة بالبرنامج السعودي، بعدما بدأ البرنامج الإيراني بتعاون أمريكي وغربي مخصص للأغراض المدنية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز مصادر الصراع الإقليمي والدولي.

    وأوضح أن الولايات المتحدة وإيران وقعتا عام 1957، خلال حكم الشاه محمد رضا بهلوي، اتفاقًا للتعاون النووي المدني ضمن مبادرة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور المعروفة باسم "الذرة من أجل السلام".

    وأضاف أن واشنطن ساعدت طهران على تطوير بنيتها النووية للأغراض السلمية، من خلال التدريب ونقل التكنولوجيا، كما زودتها عام 1967 بمفاعل أبحاث في طهران ووقود نووي لاستخدامه في المجالات العلمية والطبية.

    وأشار إلى أن دولًا أوروبية شاركت في تطوير البرنامج النووي الإيراني خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 وسقوط نظام الشاه وصعود نظام الجمهورية الإسلامية.

    ولفت إلى أن البرنامج الذي ساعدت الولايات المتحدة في إنشائه تحول بعد الثورة إلى مصدر قلق لواشنطن، ثم أصبح لاحقًا هدفًا للسياسات والعمليات العسكرية الأمريكية، ما يثير تساؤلات بشأن الضمانات التي تمنع تكرار التجربة مع السعودية.

    وأكد خيري أن مستقبل البرنامج النووي السعودي وتأثيره في استقرار المنطقة سيتوقفان على طبيعة السلوك السعودي والالتزام بالطابع السلمي للمشروع.

    وأوضح أنه إذا ظل البرنامج النووي السعودي مخصصًا للاستخدامات المدنية، كما تشير التقارير وتتوقع الإدارة الأمريكية، فقد يمثل عنصرًا للاستقرار داخل المملكة والمنطقة، وربما يشجع دولًا أخرى على التخلي عن أية توجهات عسكرية.

    أما إذا تحول البرنامج النووي السعودي، إلى وسيلة لبناء قدرة عسكرية والحصول على أسلحة نووية، كما يخشى بعض الجمهوريين والديمقراطيين، فإن ذلك سيزيد حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

    اقرأ أيضًا: تحالف دولي لمواجهة أزمة الطاقة العالمية

    كيف يغير البرنامج النووي السعودي خريطة الشرق الأوسط

    وأضاف أن نجاح السعودية في تطوير برنامج عسكري قد يدفع دولًا إقليمية أخرى، في مقدمتها تركيا ومصر، إلى التحرك في الاتجاه نفسه، خصوصًا إذا شعرت بأن ميزان القوى تغير بصورة تهدد مصالحها وأمنها.

    وأشار خيري إلى أن الاتفاق يثير تساؤلات بشأن مواقف إيران وإسرائيل والكونغرس الأمريكي، رغم أن موافقة الكونغرس ليست شرطًا لتمرير القرار، باعتباره صادرًا مباشرة عن الرئيس الأمريكي.

    وأوضح أن إيران قد تنظر إلى الاتفاق باعتباره تطورًا يعزز الموقع الإقليمي للسعودية، حتى إذا بقي البرنامج في إطار الاستخدامات المدنية، في ظل استمرار المنافسة بين الرياض وطهران على النفوذ في المنطقة.

    أما إسرائيل، فتتابع أي تعاون نووي في الشرق الأوسط بحذر، وتركز بصورة خاصة على طبيعة الضمانات وآليات المراقبة الدولية ومدى قدرة السعودية على التحكم في دورة الوقود النووي.

    هل تعرقل مخاوف إسرائيل الاتفاق؟

    وأوضح محمد خيري أن الاتفاق يُعدّ بالنسبة للسعودية خطوةً محورية ضمن مساعيها لترشيد الاعتماد على النفط، وتنويع مصادر الطاقة عبر تطوير برنامج نووي مدني يلبّي احتياجاتها المستقبلية. وفي المقابل، يتيح للولايات المتحدة فرصًا اقتصادية واعدة لشركاتها، ويُعزّز نفوذها الاستراتيجي في منطقة تشهد سباقًا محمومًا بين القوى الدولية.

    وتوقع خيري ألا يثير البرنامج النووي السعودي ارتياح إسرائيل، لأنه يمنح دولة كبيرة ومؤثرة في المنطقة برنامجًا نوويًا قد ينهي حالة التفرد الإسرائيلي بالقدرات النووية في الشرق الأوسط.

    وأوضح أن المخاوف الإسرائيلية لا ترتبط فقط بالاعتقاد السابق بوجود علاقة بين التعاون النووي السعودي وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، إذ لا يظهر هذا الربط في المعلومات المنشورة عن الاتفاق.

    وأشار إلى أن التحفظ الإسرائيلي الأساسي يتعلق بالبند الذي يسمح بدراسة إمكانية تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية. وأضاف أن إسرائيل تخشى من أن تتحول القدرات والمعلومات الخاصة بعملية التخصيب إلى ملكية سعودية كاملة في مرحلة لاحقة، حتى لو بدأ المشروع تحت إشراف ورعاية أمريكية.

    كما تخشى تل أبيب من أن تطالب دول عربية أخرى بالحصول على ترتيبات مماثلة، بما يؤدي إلى انتشار القدرات النووية في المنطقة وظهور مخاطر جديدة على أمن إسرائيل.

    النموذج الإماراتي مقابل الطموح السعودي

    وأشار إلى أن السعودية ليست الدولة الوحيدة في المنطقة التي سعت إلى تطوير برنامج نووي؛ فقد حاولت إيران بناء برنامجها، لكن ذلك انتهى بفرض العقوبات عليها وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدها.

    وفي المقابل، نجحت الإمارات في تطوير برنامج نووي سلمي بموافقة الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويخضع البرنامج الإماراتي لعمليات رقابة دورية.

    وأوضح أن الإمارات لا تخصب اليورانيوم داخل أراضيها، بل تحصل على الوقود النووي المخصب من كوريا الجنوبية، وهو ما يميز نموذجها عن الطموح السعودي.

    وأضاف أن السعودية تسعى إلى برنامج أكثر طموحًا يتضمن تخصيب اليورانيوم داخل المملكة بأيدي علماء سعوديين، وهو السبب الرئيس وراء المخاوف من احتمال انتقال البرنامج مستقبلًا من الطابع المدني إلى الصبغة العسكرية، خاصة أنّ عددًا من البرامج العسكرية بدأ في الأصل تحت غطاء الاستخدامات السلمية قبل انتقاله إلى أهداف عسكرية.

    واختتم محمد خيري تصريحاته بالتأكيد على أن منح السعودية إمكانية تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، بالتعاون مع شركات أمريكية، ينقل العلاقات بين واشنطن والرياض إلى مستوى جديد ويحقق فوائد اقتصادية للطرفين.

    قد يهمّك أيضًا: الإمارات تنافس العالم في صناعة الطاقة الشمسية