سجلت عملة “البتكوين” قفزة نوعية منذ مطلع العام الجاري بنسبة بلغت 61%، مدفوعة بتزايد شهية الاستثمار لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء. وتأتي هذه المكاسب القوية، التي بلغت قيمتها السوقية نحو 513 مليار دولار، كناتج مباشر للموافقة على إدراج صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) الخاصة بالعملة المشفرة، ما منحها زخماً إضافياً في الأسواق العالمية.
وفي سياق رصد أبعاد هذا الصعود، استطلعت “إيكون بيديا” آراء نخبة من محللي أسواق المال للوقوف على المسببات الجوهرية لهذا الارتفاع، وقراءة تداعياته المحتملة على المشهد الاقتصادي العالمي.
الـ “Halving”.. سبب ارتفاع سعر بتكوين
عزا المدير التنفيذي لشركة “VI Markets” مصر، أحمد معطي، هذا التسارع السعري إلى تضافر جملة من العوامل؛ أبرزها ترقب الأسواق لعملية “التنصيف” (Halving) المرتقبة في أبريل المقبل؛ حيث تؤدي هذه العملية الدوريّة، التي تحدث كل أربع سنوات، إلى تقليص مكافآت التعدين بنسبة 50%، مما يحد من المعروض النقدي للعملة ويخلق ضغوطاً شرائية تدفع بالأسعار نحو الأعلى وفق قاعدة العرض والطلب.
وإلى جانب العامل التقني، أشار “معطي” إلى الدور الجوهري الذي لعبته موافقة لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية على إطلاق صناديق “البتكوين” المتداولة (ETFs)؛ حيث حفزت هذه الخطوة التدفقات النقدية المؤسسية، وعززت من جاذبية العملة كخيار استثماري رغم ما يحيط بها من تذبذبات سعرية حادة.
من جانبه، أكد محمد هشام، كبير استراتيجيي الأسواق في “غولدزون”، لـ “إيكونبيديا” أن تنامي ثقة الشركات الكبرى في الأصول المشفرة أسهم بشكل مباشر في رفع مستويات الطلب، موضحاً أن سهولة الاستثمار التي وفرتها الصناديق المتداولة، بالتوازي مع التغييرات الهيكلية في قواعد التعدين، أوجدت حالة من التفاؤل العام بشأن الآفاق المستقبلية للعملة في الأسواق الدولية.
اقرأ المزيد حول صناديق البيتكوين المتداولة.. تحول تاريخي يشعل سوق الكريبتو
رفض بريطاني لاستخدام العملات المشفرة
وعلى صعيد التحركات التنظيمية الدولية، يرى أحمد معطي أن تحفظ المملكة المتحدة في وضع لوائح صارمة للأصول المشفرة ينبع من مخاوف عميقة تتعلق بالاستقرار النقدي؛ إذ لا تزال لندن تنظر إلى هذه العملات كتهديد محتمل لقيمة “الجنيه الإسترليني” وفاعلية السياسة النقدية للبلاد.
وفي هذا الصدد، أوضح محمد هشام أن المساعي البريطانية تهدف في جوهرها إلى فرض إطار من الشفافية والأمان داخل السوق، عبر إلزام مقدمي الخدمات بالحصول على التراخيص اللازمة لحماية المستهلكين. وأضاف هشام أن الضخامة التي بلغتها القيمة السوقية للأصول المشفرة -والتي تجاوزت حاجز 2.5 تريليون دولار- جعلت من تنظيم هذا القطاع أولوية قصوى للحكومات الساعية لاحتواء المخاطر وضمان الرقابة الفعالة.
اقرأ أيضًا: جي بي مورغان يحذر من العملات المشفرة في 2024
ترامب: لا حظر لـ “البتكوين”
في قراءة للمواقف السياسية المؤثرة على سوق الكريبتو، علّق أحمد معطي على تصريحات الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” -التي أشار فيها إلى اعتزامه عدم التضييق على “البتكوين” في حال عودته للبيت الأبيض- معتبراً أن “ترامب” ينطلق من خلفيته كرجل أعمال؛ فهو يميل برغماتياً نحو الخيارات التي تعزز بيئة الأعمال وتخدم المصالح التجارية الربحية.
بالمقابل، قدم محمد هشام قراءة مغايرة تستند إلى عقيدة “أمريكا أولاً” التي يتبناها ترامب، موضحاً أن الأخير يولي الأولوية القصوى لهيمنة الدولار كعملة احتياط عالمية، وهو ما يفسر وصفه السابق للبتكوين بأنها “عملة احتيالية” تهدد مكانة العملة الخضراء. ومع ذلك، يظل للميدان الكلمة الفصل؛ إذ لم تكد تصريحات ترامب الأخيرة تتردد أصداؤها حتى استجابت السوق بزخم قوي، دافعةً “البتكوين” لتسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة ناهزت حاجز الـ 72 ألف دولار.
هل ينهار النظام المالي العالمي أمام الأصول الرقمية؟
بعد التحركات التي شهدتها عملة بتكوين في الفترة الأخيرة، قال أحمد معطي إن سيناريو وصول سعر “بتكوين” إلى 100 ألف دولار أصبح ممكناً بشكل كبير. واتفق معه محمد هشام، الذي قال: “على الأرجح سيكون سيناريو الـ 100 ألف دولار أكثر احتمالًا إذا ما قام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة هذا العام”.
كما أشار أحمد معطي في تصريحاته إلى أنه إذا وصل سعر “بتكوين” إلى مليون دولار، سيواجه الاقتصاد العالمي حينها تحديات غير مسبوقة، خاصة وأن قيمة المليون دولار هي ضعف الرقم الحالي عشر مرات تقريبًا، وهذا يعني زيادة الاعتماد على “بتكوين” بشكل رئيس، مقابل تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
وبحسب محمد هشام، فإن بلوغ سعر عملة البتكوين مليون دولار سيجذب المزيد من المستثمرين لسوق العملات المشفرة، وقد يؤدي لتغيير النظام المالي العالمي، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تقييم لدور الأصول الرقمية في المحافظ الاستثمارية والاستراتيجيات المالية.
وأوضح أن الدول الناشئة التي تعاني من ضعف في قيمة عملاتها قد تجد في العملات المشفرة ضالتها باعتبارها بديلًا استثماريًا ماليًا جذابًا، وواحدة من قنوات تبادل التجارة، وهذا سيؤثر بشكل مباشر على العملات الناشئة واقتصاداتها.
اقرأ أيضًا: نيجيريا تسمح للبنوك بفتح حسابات لشركات العملات المشفرة
البتكوين مقابل الذهب
في سياق المقارنة التاريخية، تزايدت في الآونة الأخيرة توصيفات “البتكوين” بوصفها “ذهباً رقمياً”؛ استناداً إلى خصائصها التي تتقاطع مع المعدن النفيس كونه ملاذاً آمناً ومخزناً للقيمة. ويرى أنصار هذا التوجه أن وصول العملة المشفرة إلى عتبة المليون دولار من شأنه أن يرسخ مكانتها كبديل استراتيجي للذهب، لا سيما لدى الأجيال الجديدة من المستثمرين الأكثر ميلاً للأصول الرقمية.
إلا أن “أحمد معطي” يتبنى رؤية أكثر تحفظاً في هذا الصدد، مستبعداً أن تتحول البتكوين إلى منافس مباشر للذهب في وظيفته التقليدية كملاذ آمن. وبحسب معطي، فإن تقنين صناديق الاستثمار المتداولة من قبل هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية يخدم بالدرجة الأولى استراتيجيات “تنويع المحفظة الاستثمارية”؛ حيث تنجح العملات المشفرة في استقطاب حصة من السيولة العالمية كأداة استثمارية رديفة، دون أن تزيح الذهب عن عرشه التاريخي.
هل يستمر صعود البتكوين؟
في استشرافه لمستقبل السوق، توقع معطي استمرار المسار الصاعد للبتكوين، مستنداً في ذلك إلى تنامي ثقة المنظومة الاقتصادية الأمريكية في صناديق الاستثمار المشفرة؛ حيث منحتها الرقابة التنظيمية الصادرة عن هيئة الأوراق المالية والبورصات غطاءً شرعياً عزز من جاذبيتها المؤسسية.
من جهة أخرى، حصر محمد هشام التحدي الرئيس في “المسألة التنظيمية”، مؤكداً أن المشهد بدأ يتشكل نحو مأسسة السوق ووضع أطر واضحة للتعاملات، وهو يرى أنَّ التوجهات الحكومية لفرض ضرائب على الأرباح وزيادة الوعي بالمخاطر، رغم كونها أدوات رقابية، إلا أنها تمثل حجر زاوية في حماية المستثمرين وضمان استدامة السوق.
واختتم هشام رؤيته بالإشارة إلى أن تدفق السيولة نحو الصناديق المتداولة سيظل المحرك الأساسي لرفع مستويات الطلب، ما يفتح الباب أمام قمم سعيرية جديدة.
