تقارير اقتصادية

    أثر الاقتصاد الأمريكي في توجيه بوصلة الانتخابات الرئاسية

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •6 دقائق
    مركز اقتراع مُجهز للانتخابات الأمريكية.

    مع بدء العد التنازلي للانتخابات الأمريكية، يبرز ملف الاقتصاد كلاعب رئيس في المنافسة بفعل الأزمات المتعددة التي تؤثر على أكبر اقتصاد في العالم، وتتمثل هذه الأزمات في التضخم المتزايد، وارتفاع أسعار الفائدة التي وصلت إلى أعلى مستوياتها في 22 عامًا، إضافة إلى تراكم الديون الفيدرالية والخلافات حول الإنفاق الحكومي.

    وتعكس هذه الأوضاع توجه الناخبين نحو السياسات التي يرون أنها تضمن الاستقرار الاقتصادي وتوفر فرص العمل. وتشير التوقعات إلى إمكانية فوز المرشح الرئاسي دونالد ترامب، نظراً لقدراته على إدارة الملف الاقتصادي بشكل محكم يلبي احتياجات المواطن الأمريكي.

    الاقتصاد والانتخابات الأمريكية

    ويقول الدكتور مازن إرشيد، الباحث في الشئون الاقتصادية، إن الأوضاع الاقتصادية تلعب دورًا حاسمًا في الانتخابات الأمريكية تاريخيًا، حيث يتأثر اختيار الناخبين بشكل كبير بالأداء الاقتصادي للبلاد على مر العقود.

    وأضاف: "لاحظنا أن الاقتصاد يمكن أن يكون عاملًا محوريًا في نجاح أو فشل الرؤساء المرشحين، على سبيل المثال كان للأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008 تأثير كبير على نتائج انتخابات 2008، حيث ساهمت في فوز باراك أوباما على جون ماكين بسبب الاضطرابات الاقتصادية التي حدثت في فترة حكم الرئيس جورج بوش الابن، وأيضًا شهدت الانتخابات الرئاسية في عام 1992 تحولًا جذريًا بسبب الركود الاقتصادي الذي ساعد بيل كلينتون في التغلب على الرئيس جورج بوش الأب".

    كما أشار إرشيد في تصريحاته إلى أنّ الاقتصاد في الانتخابات الحالية يعتبر أحد المحاور الرئيسة في الحملات الانتخابية، يأتي هذا في ظل التضخم المرتفع والتحديات الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا وأزمة سلسلة التوريد العالمية.

    وأوضح إرشيد أن الرئيس بايدن يركز في حملته على تعزيز الاقتصاد من خلال خطط إعادة البناء بشكل أفضل، والاستثمار في البنية التحتية والطاقة النظيفة، والتوسع في برامج الرعاية الاجتماعية مثل خطة الإنقاذ الأمريكية، ومن جهة أخرى يركز ترامب على إعادة تأكيد سياساته السابقة التي تضمنت تخفيضات ضريبية كبيرة للشركات والأفراد، وتقليل القيود التنظيمية لدعم الأعمال التجارية والنمو الاقتصادي.

    من حيث الأرقام، شهدت فترة ترامب انخفاضًا في معدل البطالة إلى حوالي 3.5% في أواخر عام 2019، وهو أدنى مستوى له منذ خمسين عامًا، ومع ذلك ارتفع معدل البطالة بشكل كبير خلال جائحة كورونا، حيث بلغ حوالي 14.8% في أبريل 2020، قبل أن يتعافى تدريجيًا، وفي الفترة الحالية -تحت إدارة بايدن- بلغ معدل البطالة حوالي 3.6% في أوائل عام 2024، حيث تركز السياسات على تعزيز الوظائف من خلال الإنفاق الحكومي ودعم القطاعات المتضررة.

    وحول اختلافات الاقتصادية بين بايدن وترامب، يقول إرشيد: "يفضل بايدن سياسات الضرائب التصاعدية، حيث يسعى إلى زيادة الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى لتمويل برامجه الاجتماعية والبنية التحتية، في المقابل ينتهج  ترامب سياسات تخفيض الضرائب لدعم النمو الاقتصادي من خلال زيادة الاستثمار الخاص وتحفيز الإنفاق الاستهلاكي. كما أنّ بايدن يركز على مكافحة التغير المناخي من خلال سياسات الطاقة النظيفة، بينما يفضل ترامب تعزيز قطاع الطاقة التقليدي مثل النفط والغاز".

    تحديات فترة رئاسة بايدن

    وأكد الدكتور أحمد عبد الفتاح، محلل أسواق المال، أن  فترة رئاسة “جو بايدن” شهدت مجموعة من العقبات الاقتصادية الكبيرة، منها ارتفاع معدلات التضخم، الذي عانى منه الأمريكيون خاصة ذوي الأصول الإفريقية، كما انخفض دخل الأسرة الحقيقي بنحو 2000 دولار في عام 2022، ولم ينمُ طوال عهد بايدن، كما شهد عهده أعلى مستوى من تأخر سداد بطاقات الائتمان، وبالتوازي مع ذلك ارتفعت البطالة بين الأمريكيين.

    بالإضافة إلى تقديم الدعم لحربيين لا تُشارك الولايات المتحدة فيهما فعليًا بمبالغ طائلة، ما قد يزيد فرصة الإطاحة بقيادة جو بايدن وعدم توليه فترة رئاسية جديدة، في حين كانت ولاية ترامب ترامب تعطى استقرارًا أكبر للاقتصاد الأمريكي علاوة على الابتعاد عن المشاركة السياسية خارج البلاد، الأمر الذي أضاف له شعبية كبيرة وقد تكون هي أحد العوامل التي ترجح تفوقه على خصمه خلال السباق الانتخابي.

    الوضع الاقتصادي الحالي

    وأشار عبدالفتاح، في تصريحات خاصة، إلى أنّ الاقتصاد الأمريكي يمر بفترة من التعافي بعد جائحة كوفيد-19، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، متمثلة في ارتفاع معدلات البطالة، والتضخم، وأسعار الفائدة، والنمو الاقتصادي، وهذه قضايا رئيسة تشغل بال الناخبين.

    وتابع: "أداء الإدارة الحالية في التعامل مع هذه القضايا سيكون له تأثير كبير على قرارات الناخبين، فإذا شعر الناخبون بتحسن في أوضاعهم الاقتصادية فقد يميلون لدعم الإدارة الحالية، بينما قد يؤدي التباطؤ الاقتصادي أو ارتفاع معدلات البطالة والتضخم إلى تراجع الدعم".

    وتؤكد الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أن "الاقتصاد القوي والمستقر هو مفتاح النجاح لأي إدارة سياسية، وسيلعب الدور الأكبر في تحديد هوية الساكن الجديد للبيت الأبيض".

    وتتزايد المخاوف في الأوساط الأمريكية نتيجة لتراكم التحديات، بدءاً من التبعات الهيكلية لفترة ما بعد الجائحة، والتوترات الجيوسياسية العالمية التي تعد واشنطن لاعباً رئيساً فيها، وصولاً إلى استطلاعات الرأي التي تعكس تنامي القلق الشعبي؛ إذ يرى 57% من الأمريكيين أن الأوضاع الاقتصادية الحالية "سيئة"، ما يضع المرشحين أمام اختبار حقيقي لطرح برامج واقعية ومقنعة.

    أولويات المواطن: الأجور، الضرائب، والرعاية الصحية

    تتصدر مسألة خلق فرص العمل وتحسين البيئة التشغيلية اهتمامات الشارع الأمريكي، ويتفق الخبراء على أن نجاح خطط تعزيز سوق العمل يتطلب رؤى مبتكرة لتوفير وظائف بأجور عادلة، مدعومة ببرامج تدريبية متطورة وإعادة تأهيل مهني لتلبية متطلبات قطاعات المستقبل.

    وفي هذا السياق، يبرز ضغط شعبي موازٍ يطالب بـ:

    • سياسات ضريبية عادلة تلبي تطلعات الطبقة الوسطى وتضمن توزيعاً متوازناً للأعباء المالية.

    • تقديم خطط حاسمة لخفض تكاليف الرعاية الصحية وتحسين جودة الخدمات، حيث تشكل النفقات الطبية عبئاً ثقيلاً يؤثر مباشرة على الاقتصاد الشخصي للأسر الأمريكية ومستوى مدخراتها.

    • البنية التحتية والمناخ واللتان تعدان محركات النمو المستقبلي.

    وفي هذا السياق، يشير الخبراء إلى أن الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا يمثل حجر الزاوية لتحفيز الاقتصاد الوطني. وتتجه الأنظار نحو قدرة الإدارة القادمة على تمويل المشروعات الكبرى ودعم الابتكار التقني لخلق قطاعات إنتاجية جديدة.

    بالتزامن مع ذلك، تحول التغير المناخي من قضية بيئية إلى ملف اقتصادي حيوي؛ حيث يواجه المرشحون ضرورة صياغة سياسات خضراء تدعم الطاقة المتجددة بطريقة ذكية، تضمن مكافحة الانبعاثات وتحقيق النمو الاقتصادي، مع توفير فرص عمل جديدة في القطاعات الصديقة للبيئة.

    اقرأ أيضا: ويلز فارجو يحذر من أزمة في الاقتصاد الأمريكي في 2024

    إرث بايدن مقابل وعود ترامب

    شهدت المواجهات المباشرة بين الرئيس جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب سجالاً حاداً حول الأداء الاقتصادي؛ إذ دافع بايدن عن إرثه مؤكداً أنه تسلم اقتصاداً متهالكاً، لكنه نجح في إضافة 14 مليون وظيفة، وخفض معدلات البطالة بين الأقليات إلى مستويات قياسية، فضلاً عن شطب مليارات الدولارات من قروض الطلاب، متهماً ترامب بمكافأة الأثرياء على حساب الفقراء.

    في المقابل، يرى قطاع واسع من مجتمع المال والأعمال أن ترامب يمثل الخيار الأفضل لأسواق المال، مدفوعاً بتوجهاته السابقة نحو خفض الضرائب وتسهيل بيئة الاستثمار، إلى جانب الإنفاق السخي الذي أقرته إدارته لاحتواء الصدمة الأولى لأزمة كورونا. كما تميزت حقبة ترامب بمعدلات تضخم منخفضة، وأسعار فائدة متدنية، وأسعار وقود رخيصة.

    من جهتها، تقول مروى خضر: "واجهت إدارة بايدن تحدي التضخم المستمر الذي سجل أعلى مستوياته منذ 40 عاماً عقب الجائحة، وطال الارتفاع أسعار السلع الغذائية والوقود والرعاية الصحية. ورغم تراجع التضخم عن ذروته، إلا أن الأسعار لا تزال أعلى بنحو 3% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. والمواطن الأمريكي يعيش حالة استياء بسبب أسعار الفائدة المرتفعة التي تسببت في تآكل القيمة الشرائية لمدخراته بالدولار، وهو ما ينعكس سلباً على تقييمه للإدارة الحالية".

    ورغم هذه الضغوط، حافظت أسواق الأسهم على مسارها الصعودي الذي بدأ في عهد ترامب واستمر إبان حقبة بايدن، مدعومة مؤخراً بتفاؤل الأسواق باقتراب بنك الاحتياطي الفيدرالي من إنهاء دورة التشدد النقدي.

    صدى الصندوق الأمريكي في الأسواق العالمية

    لا تتوقف تأثيرات الانتخابات الأمريكية عند الحدود المحلية؛ بل تمتد لتهز أركان الاقتصاد العالمي. وتؤكد الدكتورة مروى خضر أن أي تغيير في هوية القيادة الأمريكية يتبعه تحول جذري في السياسات التجارية والمالية لواشنطن، مما يؤثر مباشرة على معنويات المستثمرين وقراراتهم عالمياً.

    هذا الأثر يظهر بوضوح في أسواق العملات؛ حيث تتأثر أسعار الصرف بالتوجهات النقدية والمالية للأحزاب الفائزة، أما أسواق السندات فترتبط عوائدها مباشرة بآلية إدارة الديون الأمريكية وحجم الإنفاق الحكومي المقترح، مما يعيد رسم خارطة تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود.

    اقرأ أيضًا: قبضة الدولار تكسر الاقتصادات الضعيفة