يقف الاقتصاد المصري على أعتاب عام 2026 عند مفترق طرق، فبين تحسن المؤشرات الكلية تدريجيًا خلال الفترة الماضية، وتحديات معيشية وضغوط خارجية لا يمكن تجاهلها، تتجه الأنظار إلى قدرة الدولة على تحويل الاستقرار المالي إلى نمو مستدام.
وفي إطار توقعاته لمستقبل الاقتصاد المصري، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن الاقتصاد المصري يدخل عام 2026 وهو محاط بحزمة معقدة من المتغيرات العالمية والإقليمية، تضعه في موقع دقيق يجمع بين فرص واعدة وتحديات مستمرة، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحويل المؤشرات الكلية الإيجابية إلى تحسن ملموس يشعر به المواطن والمستثمر على حد سواء.
أداء الاقتصاد المصري في 2025
أوضح شوقي أن الاقتصاد المصري حقق خلال الفترة الماضية تحسنًا واضحًا في معظم المؤشرات الكلية، لكن التحدي الأساسي يتمثل في مدى صمود هذه المؤشرات أمام بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وسياق عالمي يتغير بوتيرة سريعة، مشددًا على أن النجاح الحقيقي لا يقاس بالأرقام المجردة، بل بقدرة الاقتصاد على خلق فرص استثمار حقيقية، وزيادة الصادرات، وتقليص الفجوة المعيشية التي تمثل العبء الأكبر على الطبقة المتوسطة، باعتبارها العمود الفقري للتنمية الاقتصادية.
وأشار إلى أن الدولة المصرية قطعت شوطًا طويلًا خلال السنوات العشر الماضية في بناء بنية تحتية قوية، والتحول التدريجي من اقتصاد خدمي إلى اقتصاد إنتاجي، بالتوازي مع الاستثمار في تطوير الإنسان المصري، بما يسمح بإقامة صناعات حديثة ذات قيمة مضافة مرتفعة، وبالتالي فإنّ التحدي في عام 2026 لا يكمن في البدء من جديد، بل في تحقيق الاستدامة والحفاظ على الاستقرار المالي في ظل الضغوط العالمية.
وحول معدلات النمو، أوضح الدكتور أحمد شوقي أن الاقتصاد المصري حقق معدل نمو في حدود 3.8%، بينما تشير التوقعات إلى أن يتراوح معدل النمو خلال عام 2026 بين 4.3% و5%، وهو معدل يُعد جيدًا من الناحية النظرية، لكنه يظل غير كافٍ لاستيعاب الزيادة السكانية التي تتراوح بين 1.4 و1.5 مليون نسمة سنويًا، وبهذه الوتيرة فإنّ مصر تحتاج إلى معدلات نمو تتراوح بين 6 و7% سنويًا لتحقيق الشرط الكافي للتنمية الشاملة وخلق فرص عمل مستدامة.
اقرأ أيضًا: مؤشر مديري المشتريات في مصر يتجاوز 50 نقطة لأول مرة منذ 2020
السياسة النقدية المصرية واحتواء التضخم
وفي ما يتعلق بالسياسة النقدية، أكد شوقي أن السياسة النقدية المصرية حققت نجاحًا ملحوظًا في احتواء معدلات التضخم، التي بلغت ذروتها عند نحو 37% في عام 2023، قبل أن تبدأ في التراجع التدريجي.
وأوضح أن التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية لعب دورًا حاسمًا في تحقيق هذا التوازن، رغم القيود الخارجية والإقليمية التي فرضت ضغوطًا إضافية، سواء عبر ارتفاع أسعار الطاقة أو السلع الأساسية، أو تراجع إيرادات قناة السويس في فترات معينة.
وأشار إلى أن أسعار السلع الأساسية مرشحة للتهدئة خلال عام 2026، في ظل توقعات بانخفاض أسعار البترول نتيجة زيادة الإنتاج الأمريكي، ورفع منظمة “أوبك” لمستويات الإنتاج، إلى جانب تباطؤ النمو العالمي، وتوسع الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة قد تسهم في خفض الضغوط التضخمية، إذا ما استمر الاستقرار الإقليمي ولم تطرأ صدمات دولية جديدة.
وأوضح شوقي أن التقديرات تشير إلى تراجع معدل التضخم إلى نحو 10.5% خلال عام 2026، وفق توقعات البنك المركزي المصري وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات التصنيف الائتماني، معتبرًا أن هذا التراجع يمثل عنصر دعم مهم للقوة الشرائية للمواطن.
استقرار الجنيه المصري أمام الدولار
وفيما يخص سعر الصرف، أكد الخبير الاقتصادي أن السياسة النقدية المصرية تتبنى نظام سعر صرف مرن قادر على استيعاب الصدمات، مشيرًا إلى أن الجنيه المصري أظهر قدرًا من القوة خلال الفترة الأخيرة، مدفوعًا بزيادة إيرادات السياحة، وتحسن تحويلات المصريين بالخارج، وبدء عودة إيرادات قناة السويس إلى مستويات قريبة من الطبيعية، إلى جانب تراجع الدولار عالميًا، وأضاف أن استمرار تدفقات النقد الأجنبي قد يدفع الجنيه المصري إلى مستويات تتراوح بين 45 و46 جنيهًا للدولار، وهو ما ينعكس إيجابًا على مناخ الاستثمار.
اقرأ أيضًا: تراجع الدولار في مصر.. هل يعيش الجنيه فوق قيمته الحقيقية؟
رهان الحكومة على القطاع الخاص وبيئة الاستثمار
يرى الدكتور أحمد شوقي أن الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يظل على القطاع الخاص، حيث تستهدف الدولة رفع مساهمة القطاع الخاص إلى نحو 65% من إجمالي النشاط الاقتصادي، مقارنة بنحو 40% سابقًا، مؤكدًا أن قانون الاستثمار المصري يضمن المساواة الكاملة بين المستثمر المحلي والعربي والأجنبي، ما ساهم في جذب استثمارات مباشرة تُقدّر بنحو 47 مليار دولار في قطاعات الصناعة والعقار واللوجستيات.
وحول القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمار، توقع شوقي استمرار قوة القطاع العقاري، خاصة في المناطق الجديدة مثل مدينة العلمين، إلى جانب الصناعات التحويلية، والصناعات الحديثة المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، والصناعات الطبية والدوائية، والصناعات الكيماوية، مؤكدًا أن القيمة المضافة للاستثمار في هذه القطاعات داخل مصر تعد مرتفعة مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى.
وأشار إلى أن السوق المصرية تتمتع بميزة تنافسية مزدوجة، تتمثل في سوق محلية يتجاوز حجمها 120 مليون نسمة، إلى جانب سوق خارجية تتجاوز 1.25 مليار مستهلك بفضل اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها مصر، ما يوفر فرصًا واسعة لتصريف الإنتاج محليًا وخارجيًا.
الدين العام وخدمة الدين وأثرهما على الموازنة
في السياق ذاته، أوضح شوقي أن الدين العام بلغ نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وتهدف الدولة إلى خفضه إلى ما بين 75% و80%، وهو ما يمثل نطاق الأمان، وأكد أن خدمة الدين تستحوذ على نحو 45% من إجمالي المصروفات في الموازنة العامة، ما يفرض ضغوطًا كبيرة، ويستدعي العمل على خفض هذه النسبة لتوفير موارد إضافية لقطاعات الصحة والتعليم والاستثمار والبنية التحتية.
كما شدد على أن التحدي الاجتماعي يظل حاضرًا بقوة في عام 2026، موضحًا أن تقليص الفجوة المعيشية بين الدخل والإنفاق يمثل أولوية قصوى، إلى جانب الاستمرار في تشجيع الاستثمار لخلق فرص عمل جديدة، وخفض معدلات البطالة، والحفاظ على عجز الموازنة في حدود آمنة تقل عن 6%، مع تحقيق فائض أولي يتراوح بين 3% و4%.
التجارة الخارجية المصرية
أكد شوقي أن الصادرات المصرية شهدت تحسنًا ملحوظًا، لا سيما في قطاعات الزراعة والكيماويات والملابس الجاهزة، متوقعًا ارتفاع الصادرات السلعية غير البترولية من 55 إلى 60 مليار دولار، موضحًا أن تراجع الواردات بنسبة تتراوح بين 16 و17% لا يعكس فرض قيود، بل نتيجة إحلال جزئي للواردات بفضل زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي.
وأشار إلى أن العجز التجاري لا يزال قائمًا، نظرًا لاعتماد نحو 80% من الواردات المصرية على مدخلات إنتاج وآلات ومعدات، وهي واردات ضرورية لدعم الاستثمار، وأكد أن ميزان المعاملات الجارية يستفيد من إيرادات قطاع الخدمات، وعلى رأسها السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، التي تمثل دعامة أساسية لتدفقات النقد الأجنبي.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح الاقتصاد المصري في عام 2026 يظل مرهونًا باستمرار الاستقرار الإقليمي، وتجنب الصدمات الدولية، نظرًا لاعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على قطاع الخدمات، وشدد على أن صناع القرار الاقتصادي مطالبون بإدارة دقيقة ومتوازنة بين الضغوط الخارجية ومتطلبات الداخل، بما يضمن تحقيق أهداف رؤية مصر 2030 وترسيخ أسس الجمهورية الجديدة لصالح المجتمع المصري.
قد يهمّك أيضًا: صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل.. ما وراء الأرقام وحسابات الاستقرار الإقليمي
