اقتصاد كلي

    هل ينقذ تعويم الجنيه الاقتصاد المصري؟

    •آخر تحديث •دقيقتان
    هل ينقذ تعويم الجنيه الاقتصاد المصري؟

    عاش الاقتصاد المصري يوماً مفصلياً بامتياز، إثر حزمة من القرارات الجريئة التي استهدفت إعادة هيكلة المشهد النقدي بالكامل، حيث استهل البنك المركزي المصري تحركاته بخطوة استباقية تمثلت في رفع أسعار الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس (6%)، لتقفز إلى ذروة تاريخية عند 27.25%، ولم يكن هذا الرفع سوى ممهد للقرار الأبرز؛ وهو إطلاق العنان لقوى السوق لتحديد قيمة الجنيه، في خطوة تهدف إلى إنهاء حالة التعدد في أسعار الصرف التي أربكت الأسواق طويلاً.

    تحرير سعر الصرف ضرورة لإنهاء “السوق الموازية”

    يُمثل التحول نحو مرونة سعر الصرف نقطة تحول استراتيجية لتجاوز عثرات العامين الماضيين، حيث تسببت ندرة السيولة الدولارية وتصاعد التضخم في ضغوط غير مسبوقة على النشاط الاقتصادي.

    ومن خلال هذا “التعويم”، يسعى البنك المركزي إلى تجفيف منابع السوق السوداء والقضاء على تراكم الطلب المتراكم على النقد الأجنبي، مؤكداً أن الأولوية القصوى للمرحلة المقبلة هي كبح جماح التضخم وجعله المرتكز الأساسي للسياسة النقدية، مع ترك السعر الرسمي والواقعي يلتقيان عند نقطة توازن واحدة تفرضها آليات العرض والطلب.

    تزامناً مع هذه التحركات الهيكلية، نجحت الحكومة المصرية في انتزاع اتفاق معزز مع صندوق النقد الدولي، يقضي برفع قيمة برنامج التمويل المبرم في ديسمبر 2022 من 3 مليارات دولار إلى نحو 8 مليارات دولار. ولا تقتصر المساندة الدولية عند هذا الحد، إذ من المقرر أن يستفيد الاقتصاد المصري من تمويل إضافي بقيمة 1.2 مليار دولار عبر “صندوق الصلابة والاستدامة” التابع للصندوق، مما يمنح صانع القرار النقدي هامش مناورة أوسع لاستعادة ثقة المستثمرين وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.

    تعويم الجنيه لجذب الاستثمارات الأجنبية

    تأتي الأحداث الجديدة التي شهدها الاقتصاد بعد أقل من أسبوعين من إعلان مصر عن اتفاق شراكة مع شركة القابضة ADQ الإماراتية في مشروع رأس الحكمة، باستثمارات تبلغ قيمتها الإجمالية 35 مليار دولار، شكلت قاعدة متينة ارتكز عليها البنك المركزي لاتخاذ قرار تحرير سعر صرف الجنيه بعد انتظار استمر لسنوات.

    لطالما شكل توحيد سعر الصرف العقدة الأبرز في مسار الإصلاح الاقتصادي؛ إذ كان مطلباً جوهرياً لصندوق النقد الدولي لإتمام مراجعاته الدورية، وشرطاً لا غنى عنه للمستثمرين الأجانب؛ فبدون سعر صرف مرن يخضع لآليات السوق تظل عملية تقييم الأصول وضخ الاستثمارات الجديدة محفوفة بمخاطر عدم اليقين.

    اقرأ ايضًا: كيف يؤثر تحويل الودائع السعودية إلى استثمارات على الاقتصاد المصري؟

    جذور الأزمة والتحديات الجيوسياسة

    تعود جذور الأزمة الراهنة إلى التداعيات العنيفة للحرب الروسية الأوكرانية، التي أدت إلى نزوح استثمارات المحفظة (الأموال الساخنة) بنحو 20 مليار دولار في غضون أسابيع قليلة، وهو ما وضع المالية العامة أمام كشف حساب قاسٍ أظهر عمق الفجوة التمويلية.

    ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل تفاقمت بفعل التوترات في قطاع غزة، وما تلاها من اضطرابات في الملاحة بالبحر الأحمر جراء هجمات الحوثيين. هذه التطورات ألقت بظلال قتامة على أحد أهم موارد النقد الأجنبي لمصر؛ إذ تراجعت إيرادات قناة السويس بنحو النصف مطلع العام الجاري 2024، مما وضع الاقتصاد المصري في مواجهة مباشرة مع أزمة سيولة دولارية مزدوجة، استوجبت هذه الجراحة النقدية الشاملة.