يستهدف الاقتصاد التونسي في 2027 نمواً حقيقياً بنسبة 3.1%، بعد خفض تقدير نمو عام 2026 إلى 2.7% بدلاً من 3.3% كانت مقدرة في البداية، ويرتكز الهدف على رفع الاستثمار، وتحسن الصادرات، واستعادة أداء الفوسفات والطاقة، في وقت ما زالت فيه كلفة الطاقة والطلب الأوروبي والظروف المناخية عوامل ضاغطة على الاقتصاد التونسي.
المشروع المعروض على لجنة المالية والميزانية في مجلس نواب الشعب ليس قانوناً نافذاً بعد، بل وثيقة ترسم فرضيات النمو والاستثمار والتجارة والتشغيل التي ستقوم عليها سياسات عام 2027.
وتتكامل هذه الفرضيات مع مشروع قانون المالية وموازنة الدولة وخطة التنمية للفترة 2026 - 2030، وتضع الوثيقة الرسمية لمشروع الميزان الاقتصادي الهدف الرئيسي في تسريع النمو من 2.7% إلى 3.1%.
الاقتصاد التونسي يراهن على الاستثمار والصادرات
تستهدف تونس رفع حجم الاستثمار إلى نحو 32.6 مليار دينار في 2027، بما يعادل 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 28.6 مليار دينار ونسبة 15.5% متوقعة في 2026، ويعني ذلك أن الخطة تراهن على زيادة الإنفاق على المشاريع والمعدات والبنية التحتية لرفع القدرة الإنتاجية، وليس على الاستهلاك وحده.
ويتضمن المشروع استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة بنحو 4.8 مليار دينار، مقابل 4 مليارات دينار مقدرة للعام الجاري، أي زيادة مستهدفة تقارب 20%، وتربط الوثيقة هذا المسار بمشاريع الطاقات المتجددة والأنشطة الصناعية والخدمات والسياحة، وبإدماج المؤسسات التونسية بصورة أوسع في سلاسل القيمة.
كما تفترض الخطة نمو صادرات السلع والخدمات بنسبة 8% في 2027، مقابل 7.5% في 2026، مع تباطؤ نمو الواردات إلى 7.9% من 10%، وإذا تحققت هذه الأرقام، يتراجع العجز التجاري إلى 3.7% من الناتج المحلي، مقابل 3.9% متوقعة في 2026، غير أن تحسن الميزان الخارجي لا يتوقف على نمو الصادرات فقط، بل على قدرة القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية على تلبية الطلب الخارجي من دون زيادة موازية في كلفة الطاقة والمواد الأولية، ولهذا يظل الاستثمار المنتج، لا مجرد ارتفاع قيمته الإجمالية، هو العامل الذي يحدد أثره الفعلي في النمو والتشغيل.

الفوسفات والطاقة والطلب الأوروبي تحدد مسار النمو
خفضت الحكومة التونسية تقدير نمو 2026 بعد أداء أضعف من المتوقع في قطاعات الفوسفات والطاقة، إلى جانب ضغوط المناخ والاقتصاد العالمي، ويستهدف مشروع 2027 استعادة إنتاج الفوسفات إلى 4.2 مليون طن، مقابل 3.4 مليون طن مقدرة في 2026، وهو هدف مهم للصادرات والإيرادات الصناعية.
لكن الوصول إلى هذا المستوى، يتطلب معالجة الصعوبات الفنية والإنتاجية التي حدّت من أداء القطاع، كما يبقى العجز الطاقي حساساً لتحركات أسعار النفط والغاز، إذ تفترض وثيقة الميزان سعراً مرجعياً للنفط قرب 80 دولاراً للبرميل.
وتعتمد شريحة واسعة من الصناعة التونسية على الأسواق الأوروبية، لذلك فإن تباطؤ النمو في أوروبا ينعكس مباشرة في الطلب على المنتجات التونسية، خاصة الميكانيكية والكهربائية والنسيج.
وقال رئيس ديوان وزير الاقتصاد التونسي، لطفي فرادي، إن تجاوز هدف 3.1% يظل ممكناً إذا انخفضت كلفة المواد الأساسية وتراجعت الضغوط على الطاقة والفسفاط وتحسن الطلب الأوروبي، بحسب الإذاعة الوطنية التونسية.
اقرأ أيضاً: ارتفاع النقد المتداول في تونس.. ما التداعيات الاقتصادية؟
التضخم والبطالة.. تحسن مستهدف لكنه محدود
تتوقع الخطة تراجع التضخم إلى 5.2% في 2027، من 5.3% في 2026، صحيح أن الفارق محدود، ويأتي بعد تسجيل التضخم السنوي 5.6% في سبتمبر 2026، مع ارتفاع أسعار الغذاء والمشروبات 8.4% على أساس سنوي، بحسب المعهد الوطني للإحصاء.
ويستهدف المشروع خفض البطالة إلى 14.5% من 14.9%، بينما تنخفض بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً إلى 35% من 35.4%، أما بطالة حاملي الشهادات العليا، فيفترض أن تتراجع إلى 25% من 26.6%.
هذه الأهداف تضع التشغيل في صلب رهان الاستثمار، فزيادة الاستثمارات الأجنبية أو توسع المشاريع الكبرى لا ينعكسان تلقائياً على البطالة ما لم يوسعا الإنتاج ويوفرا وظائف دائمة ترتبط بالكفاءات الموجودة في السوق.
ويظل معدل بطالة الشباب المرتفع مؤشراً على أن النمو المطلوب لا يتعلق بحجم الناتج فقط، بل بنوعية القطاعات القادرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وتتوقع الوثيقة ارتفاع الدخل الفردي الاسمي من 15.6 ألف دينار في 2026 إلى 16.7 ألف دينار في 2027، لكن أثر هذه الزيادة على الأسر يتوقف على مسار الأسعار والأجور وتكلفة الغذاء والطاقة والسكن، وليس على الرقم الاسمي وحده.
الاختبار الفعلي لخطة 2027 سيكون في تحويل الاستثمار المستهدف إلى مشروعات منفذة، وتحسين إنتاج الفوسفات والطاقة، والحفاظ على قدرة الشركات المصدرة على المنافسة في أوروبا، عندها فقط يمكن للنمو المستهدف أن ينعكس في فرص العمل والدخل والميزان الخارجي.
