تقارير اقتصادية

    كيف أصبح أداء الاقتصاد الإسرائيلي بعد 10 شهور من الحرب؟

    •آخر تحديث •7 دقائق
    كيف أصبح أداء الاقتصاد الإسرائيلي بعد 10 شهور من الحرب؟

    شكلت تداعيات الحرب على غزة ضغطاً كبيراً على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يواصل تراجعه للشهر العاشر على التوالي، مما يثير تساؤلات حول قدرة الاقتصاد المنهك على التعافي والعودة إلى مساره الطبيعي في ظل هذه الظروف الصعبة، وسط توقعات بمزيد من التراجع حال توسع رقعة الصراع بمنطقة الشرق الأوسط ونشوب حرب مع حزب الله.

    وتسببت الحرب على غزة في آثار سلبية كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي، شملت توقف الإنتاج، وزيادة الإنفاق الحكومي، واضطرابات الأسواق المالية، وأضرار اقتصادية طويلة الأمد، وهذه العوامل مجتمعة قد تؤثر على النمو الاقتصادي في المدى القريب وتفرض تحديات كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي في المستقبل.

    وتهاوى الشيكل الإسرائيلي ليصبح ثاني أسوأ أداء عملة على مستوى العالم، رغم إنفاق  المركزي الإسرائيلي ما يقرب من 30 مليار دولار لانقاذه، بالإضافة إلى بيع 15 مليار دولار في فترة لاحقة لانقاذه، إلا أن استمرار الحرب يهوي بالعملة الإسرائيلية إلى مستويات خطرة.

    تباطؤ الاقتصاد الإسرائيلي

    يقول الدكتور مازن إرشيد الباحث في الشأن الاقتصادي، بدايةً شهد الاقتصاد الإسرائيلي تباطؤاً ملحوظاً في معدلات النمو الاقتصادي، حيث تشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي قد تراجع بمعدل 2.5% خلال هذه الفترة، يعود هذا التراجع إلى عدة عوامل، منها الانخفاض الحاد في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تقلصت بنسبة تقارب 30% مقارنةً بنفس الفترة من العام السابق، لاسيما أصبحت الشركات الأجنبية أكثر حذراً من المخاطر السياسية والأمنية التي تحيط بالمنطقة، مما أدى إلى إعادة تقييم خططها الاستثمارية في إسرائيل.

    وأضاف إرشيد في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia ، من ناحية أخرى، كان لقطاع السياحة ضربة قاسية، حيث تراجعت الإيرادات السياحية بنسبة 40% خلال فترة الحرب، فالعديد من شركات الطيران العالمية أوقفت رحلاتها إلى إسرائيل، وفضل السائحون وجهات أخرى أكثر استقراراً، فالسياحة التي تمثل جزءاً كبيراً من الدخل القومي الإسرائيلي تأثرت بشكل كبير، مما زاد من الضغط على الحكومة لتعويض هذا النقص من خلال تدابير اقتصادية أخرى.

    إقرأ أيضاً : هل سيتحمل اقتصاد لبنان فاتورة النزاع؟

    وتابع  إرشيد، أما الإنفاق العسكري المتزايد أدى إلى تفاقم العجز في الموازنة العامة للدولة، وقُدّر الإنفاق العسكري الإضافي بأكثر من 10 مليار دولار خلال الأشهر العشرة، مما دفع بالعجز إلى مستويات قياسية تجاوزت 8% من الناتج المحلي الإجمالي، هذا العجز أجبر الحكومة على زيادة الضرائب وفرض تدابير تقشفية، مما أدى إلى تراجع الاستهلاك المحلي وزيادة التضخم الذي بلغ 6.2% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عقد.

    وحول التأثير على القطاع العقاري، يرى الخبير أن الحرب على غزة ألقت بظلالها أيضاً  على  القطاع العقاري، حيث شهدت أسعار العقارات تراجعاً بنسبة 15% في المناطق المتضررة بشكل مباشر من الصواريخ والهجمات، وهذا التراجع نتج عن هجرة العديد من السكان من هذه المناطق بحثاً عن أمان أكبر، مما أدى إلى انخفاض الطلب وارتفاع عدد العقارات غير المباعة.

    من جانبه أكد الدكتور محمد عبد الهادي الخبير الاقتصادي،في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia أن الحرب على غزة تسببت في ارتفاع عجز الموازنة خاصة في ظل السياسات الاقتصادية والنقدية التي تتبعها حكومة نتنياهو والتي اتسمت بإهدار المساعدات الأميركية وزيادة الإنفاق الحكومي لتمويل الحرب علي القطاع ، وهو ما كبد الاقتصاد خسائر إجمالية قاربت 200 مليار دولار في شهور قليلة.

    خسائر الاقتصاد الإسرائيلي

    واتفق محمد عبد الهادي مع رأي إرشيد مؤكدًا أن الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من خسائر متزايدة جراء الحرب المستمرة على قطاع غزة، بسبب  زيادة الإنفاق العام، وتراجع التصنيف الائتماني، وتأثر الشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة بشكل سلبي،

    وفيما يلي أبرز هذه الخسائر على الصعيدين الكلي والجزئي:

    العجز المالي

    اتسع العجز المالي في إسرائيل في يونيو 2024 ليصل إلى 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر الـ12 السابقة، أي ما يعادل 146 مليار شيكل (39.77 مليار دولار)، مقارنة بنسبة 7.2% في مايو من نفس العام، هذا الارتفاع يعني أن العجز تجاوز المستهدف الحكومي البالغ 6.6% للسنة الحالية.

    خلال شهر يوليو وحده، بلغ العجز المالي 14.6 مليار شيكل (4 مليارات دولار)، مقارنة بـ6.4 مليارات شيكل (1.74 مليار دولار) في يونيو 2023. ومنذ بداية عام 2024، وصل العجز إلى 62.3 مليار شيكل (17 مليار دولار)، مقارنة بفائض 6.6 مليارات شيكل (1.8 مليار دولار) في النصف الأول من عام 2023.

    الإنفاق الحكومي

    شهد الإنفاق الحكومي منذ بداية العام ارتفاعاً كبيراً، حيث تجاوز 300 مليار شيكل (81.72 مليار دولار)، بزيادة 34.2% عن نفس الفترة من العام السابق، ويعود هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى زيادة الإنفاق على الدفاع والوزارات المدنية بسبب الحرب، حتى باستبعاد نفقات الحرب، فإن الزيادة في الإنفاق الحكومي تبلغ نحو 9.3%، مقارنة بزيادة طفيفة بلغت 3.3% في إيرادات الدولة منذ بداية العام، حيث بلغت الإيرادات حوالي 238 مليار شيكل (64.83 مليار دولار).

    وتتوقع وزارة المالية أن يصل العجز إلى ذروته بحلول سبتمبر 2024 قبل أن يبدأ بالتراجع.

    نمو الاقتصاد الإسرائيلي

    خفض بنك إسرائيل (المركزي) توقعاته للنمو الاقتصادي، مشيراً إلى “مستوى مرتفع” من عدم اليقين الجيوسياسي في ظل توقعات بحرب طويلة الأمد مع المقاومة الفلسطينية، وزيادة خطر التصعيد مع حزب الله على الحدود الشمالية. توقع البنك أن ينمو الاقتصاد بنسبة 1.5% في عام 2024، انخفاضاً من التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى 2%. كما خفض البنك توقعاته للنمو في السنة المقبلة إلى 4.2% من 5%.

    تصنيف الاقتصاد الإسرائيلي

    خفضت وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني لإسرائيل إلى “إيه+” من “إيه إيه-“، فيما تصنف وكالة “موديز” إسرائيل عند “إيه2″، وهو ما يعادل “إيه” على مقياس “ستاندرد آند بورز”. من جانبه، حذر مفوض الميزانيات في وزارة المالية الإسرائيلية يوغيف غرادوس من أن التأجيل المتكرر للمناقشات بشأن موازنة عام 2025 قد يؤدي إلى مزيد من خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل، مما سيزيد من تكلفة جمع الديون ويزيد الضغط على الموازنة في السنوات المقبلة.

    سعر الفائدة

    أبقى بنك إسرائيل المركزي خلال الشهر الجاري سعر الفائدة دون تغيير عند 4.50% للاجتماع الرابع على التوالي، متمسكاً بسياسة حذرة بسبب الحرب. ورغم خفض البنك سعر الفائدة في يناير 2024 بواقع 25 نقطة أساس، إلا أنه استمر في الحفاظ على هذه السياسة دون تغيير بعد ذلك.

    خسائر الشركات

    تتوقع التقديرات أن تغلق 60 ألف شركة خلال السنة الحالية، بسبب ارتفاع الفائدة، ونقص القوى العاملة، وتراجع حجم الأعمال، علاوة على أن77% من الشركات التي أغلقت أبوابها منذ بداية الحرب هي شركات صغيرة تضم ما يصل إلى 5 موظفين. 

    أدت الحرب إلى اضطراب كبير في قطاع البناء والتشييد نتيجة منع 85 ألف عامل فلسطيني من العمل في إسرائيل منذ بداية الحرب، بالإضافة إلى رحيل العديد من العمال الأجانب. كما فرضت تركيا حظراً على التجارة مع إسرائيل، مما أثر على استيراد مواد البناء ودفع المستوردين إلى البحث عن مصادر بديلة بتكلفة أعلى.

    كما تواجه الشركات الإسرائيلية تواجه تحديات معقدة تشمل زيادة تكاليف التمويل، تراجع الطلب، وتحديات لوجستية مستمرة بسبب الحرب، مما يهدد بتدهور أكبر في الاقتصاد الإسرائيلي خلال الفترة المقبل.

    من جانبها تقول الدكتورة نهى خطاب الخبيرة الاقتصادية، إن الشركات الإسرائيلية تواجه تحديات معقدة بسبب الحرب تشمل زيادة تكاليف التمويل، وتراجع الطلب، مما يهدد بتدهور أكبر في الاقتصاد الإسرائيلي خلال الفترة المقبل. 

    وتراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 40%، مسجلة 15 مليار دولار في النصف الأول من 2024 مقابل 25 مليار دولار عن نفس الفترة في عام 2023، وذلك يعكس تراجع ثقة المستثمرين الأجانب في السوق الإسرائيلية.

    كما انخفض حجم الصادرات بنسبة 15% في الربع الأول من عام 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فأثر ذلك سلبًا على العائدات

    أكثر قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي تضررا

    وسلطت صلاح الضوء على أكتر القطاعات تضررا بالاقتصاد الإسرائيلي نتيجة  الحرب على غزة، والتي تسببت في تداعيات واسعة النطاق شملت عدة جوانب اقتصادية.

    1. التأثير على القطاعات الإنتاجية:
      تعرضت الصناعات الإسرائيلية، وخاصة تلك القريبة من غزة، لتوقف أو تعطيل بسبب الهجمات الصاروخية. توقف الإنتاج في العديد من المصانع والمرافق الحيوية بسبب المخاوف الأمنية، مما أدى إلى خسائر مالية كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، تضرر قطاع الزراعة بشكل خاص، حيث تم تدمير العديد من المزارع والمحاصيل نتيجة للهجمات.
    2. تراجع السياحة:
      تعرض قطاع السياحة لضربة كبيرة نتيجة الحرب، حيث تراجعت أعداد السياح الوافدين إلى إسرائيل بشكل ملحوظ. الامتناع عن السفر إلى المناطق المتضررة، وإلغاء الرحلات الجوية والفنادق، أدى إلى خسائر ضخمة في إيرادات السياحة، وهو قطاع حيوي يعتمد عليه الاقتصاد الإسرائيلي بشكل كبير.
    3. زيادة الإنفاق الحكومي:
      اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى زيادة الإنفاق العسكري بشكل كبير خلال الحرب، ما أثر على الميزانية العامة للدولة. تكلفة العمليات العسكرية والدفاع المدني، بالإضافة إلى تعويضات الأضرار التي لحقت بالممتلكات والبنية التحتية، زادت من العجز المالي، مما قد يؤدي إلى تقليص الاستثمارات في مشاريع أخرى.
    4. تأثيرات على الأسواق المالية:
      تراجعت أسواق الأسهم الإسرائيلية خلال فترة الحرب، حيث أدت المخاوف الأمنية وعدم الاستقرار إلى هروب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية من السوق. هذه الاضطرابات المالية أدت إلى خسائر كبيرة للمستثمرين وإلى انخفاض قيمة العملة المحلية، الشيكل، مقابل العملات الأجنبية.
    5. الآثار الاقتصادية طويلة الأمد:
      تسببت الحرب في أضرار اقتصادية للسكان، خاصة في المناطق القريبة من غزة، ما أثر على الإنتاجية والإقبال على العمل، كما أن إعادة إعمار المناطق المتضررة يتطلب وقتًا وموارد كبيرة، مما يزيد من الأعباء الاقتصادية على الحكومة .

    إقرأ أيضاً : تداعيات استهداف حزب الله لحقول الغاز الإسرائيلية؟