يقف الاقتصاد الأمريكي اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخه الحديث؛ إذ تتشابك أزماته الهيكلية العميقة مع صراعاته السياسية الداخلية لتصنع مشهدًا بالغ التعقيد، تتجاوز خطورته ما شهده العالم خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، وبينما تتضخم الديون العامة بشكل غير مسبوق وتتسع الفجوة في أسواق المال، يلوح في الأفق شبح الإغلاق الحكومي كتهديد مباشر للاستقرار المالي والاجتماعي.
الدين العام.. قنبلة موقوتة
أكَّد الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أنَّ التحذيرات بشأن مستقبل الاقتصاد الأمريكي ليست من باب المبالغة أو التهويل، وإنما تعكس واقعًا مقلقًا يرتكز على أرقام ومعطيات خطيرة، ففي عام 2025 تجاوزت نسبة الدين العام الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي 120%، مقارنة بنحو 70% فقط وقت الأزمة المالية العالمية عام 2008. هذه الفجوة الكبيرة تعني ببساطة أن قدرة الإدارة الأمريكية على التدخل في الأزمات عبر برامج التحفيز أو زيادة الإنفاق قد تقلصت بشدة.
وأوضح سلامة أن تراكم الدين العام بهذا الشكل يضاعف من هشاشة الاقتصاد، ويجعل أي تباطؤ محتمل في النمو أكثر خطورة، فضلًا عن أنه يقوّض الثقة في أدوات الدين الأمريكية، التي لطالما اعتُبرت ملاذًا آمنًا للمستثمرين والمؤسسات حول العالم.
فقاعة الأصول ومخاطر السياسات النقدية
أشار سلامة إلى أن المخاطر لا تقف عند حدود الدين العام، بل تمتد إلى عمق الأسواق المالية الأمريكية، فقد ارتفع مضاعف الربحية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى 28 مرة، أي ما يقارب ضعف متوسطه التاريخي البالغ 15 مرة، ما يعكس مبالغة كبيرة في تقييم الأصول، ويطرح علامات استفهام حول احتمالية انفجار فقاعة مالية جديدة.
وأضاف أن تصريحات جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، باتت تركز مؤخرًا على مخاطر الخفض السريع لأسعار الفائدة أكثر من حديثه عن التضخم أو سوق العمل، فالتيسير النقدي المفرط قد يؤدي إلى تضخم فقاعة أصول لا تقل خطورة عن أزمة الرهن العقاري، لكن هذه المرة على نطاق أوسع قد يطال كل مكونات الاقتصاد.
وفيما يتعلق بسياسات الرئيس دونالد ترامب، أوضح سلامة أنه يسعى لتحقيق مكاسب سريعة مثل رفع مؤشرات الأسهم أو تخفيف كلفة خدمة الدين عبر الضغط من أجل خفض الفائدة، إلا أن هذه السياسات –رغم ما قد تحققه من انتعاش قصير الأمد– تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية طويلة المدى، أبرزها تقويض الثقة في السندات الأمريكية والدولار، وتعريض الاقتصاد لهزات مالية يصعب احتواؤها.
راي داليو: أزمة ديون تلوح في الأفق بسبب سياسات ترامب.. اقرأ التقرير الكامل!
أزمة 2025 أعقد من أزمة 2008
شدد سلامة على أن الوضع الراهن لا يشبه أزمة الرهن العقاري التي تفجرت عام 2008، وقال: “الأزمة الحالية أكثر تعقيدًا وتشابكًا”، موضحًا أنها ذات طابع جيوستراتيجي عالمي، فهي تتداخل مع الحرب في أوكرانيا، والتوترات المتصاعدة بين واشنطن وبكين، وصعود قوى دولية منافسة مثل روسيا والصين.
وأضاف أن أزمة 2008 كانت محصورة في قطاع مالي محدد، أما أزمة 2025 فهي تضرب في هيكل النظام الاقتصادي العالمي نفسه، ما يجعل التعامل معها أكثر صعوبة وتعقيدًا.
الإغلاق الحكومي.. تهديد داخلي جديد
من جانبه، حذّر الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، من أن الاقتصاد الأمريكي يواجه تهديدًا داخليًا خطيرًا يتمثل في شبح الإغلاق الحكومي مع اقتراب نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر، وأوضح أن الخلافات الحزبية الحادة حول الموازنة قد تدفع الولايات المتحدة إلى إغلاق مؤسساتها الفيدرالية، وهو ما يتجاوز كونه خلافًا سياسيًا ليصبح أزمة اقتصادية تمس حياة المواطنين والشركات على حد سواء.
وأشار إلى أن الإغلاق يعني عمليًا تعطيل أنشطة حيوية تبدأ من المتنزهات الوطنية والمتاحف، مرورًا بعمليات التفتيش الغذائي، وصولًا إلى تجميد القروض والتصاريح الحكومية للشركات الصغيرة.
خسائر أسبوعية بمليارات الدولارات
كشف العسيلي أنَّ كل أسبوع من الإغلاق الحكومي سيكلف الاقتصاد الأمريكي أكثر من مليار دولار، بما يعادل خصمًا يتراوح بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية من معدل النمو السنوي للناتج المحلي، وأكد أن هذه الخسائر لا تقتصر على الحسابات المالية، بل تمتد إلى تعطيل مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين وحرمانهم من رواتبهم، بما في ذلك العسكريون، الأمر الذي يضغط على القدرة الشرائية ويؤدي إلى انكماش فوري في الإنفاق الاستهلاكي، خصوصًا في قطاعات التجزئة والخدمات.
وأضاف أن الأسواق المالية ستشعر سريعًا بهذه التداعيات، إذ سيزداد الإقبال على الذهب والسندات كملاذات آمنة، بينما ستتعرض الأسهم المرتبطة بالعقود الحكومية لضغوط كبيرة، كما أن تعطيل إصدار البيانات الاقتصادية الرئيسية مثل معدلات التوظيف والتضخم سيضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف “العمل في الظلام”، أي اتخاذ قرارات نقدية دون بيانات دقيقة.
كما أوضح العسيلي أن الإغلاق لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل له آثار إنسانية مباشرة، حيث يُجبَر الموظفون الفيدراليون على مواجهة التزاماتهم اليومية من دون رواتب، ما يضاعف مستويات القلق الاجتماعي والنفسي. وأكد الخبير أن تكرار سيناريوهات الإغلاق يضعف صورة المؤسسات الأمريكية على المدى الطويل، ويضيف “علاوة مخاطر” على الاقتصاد الأمريكي، بما يقلل من مكانته كقائد للاقتصاد العالمي.
انعكاسات على العالم العربي
اتفق سلامة والعسيلي على أن الأزمات الأمريكية ستترك تداعيات مباشرة وغير مباشرة على المنطقة العربية، لكنهما شدَّدا على ضرورة أن تنأى الدول العربية بنفسها عن صراع القوى الكبرى.
وأكد سلامة أن الفرصة تكمن في تنويع الاقتصاد والاستثمار في القطاعات المستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وأشار إلى أن بعض دول المنطقة تمكنت بالفعل من توقيع عقود ضخمة مع شركات أمريكية لاستضافة مراكز بيانات وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعزز موقعها في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأضاف أن حالة الاستقطاب الدولي قد تتيح للدول العربية فرصًا لبناء شراكات متوازنة مع الشرق والغرب على حد سواء، شريطة الحفاظ على استقلال القرار الاقتصادي وتجنب الانحياز الكامل لأي طرف.
الصين وإعادة تشكيل التوازنات العالمية
في ختام تحليله، شدد سلامة على أن الولايات المتحدة لا تزال قوة عظمى، لكنها لم تعد في موقعها السابق، فيما تواصل الصين صعودها بثبات، وأوضح أن بكين لم تعد مجرد قوة اقتصادية، بل تسعى لفرض حضورها في ملفات التسليح والأزمات الدولية، وهو ما يعيد تشكيل موازين القوى عالميًا ويفتح الباب أمام صدامات متزايدة مع واشنطن.
أما العسيلي، فأكد أن تكرار أزمات الإغلاق الحكومي يضعف الثقة العالمية في المؤسسات الأمريكية، ويدفع العالم تدريجيًا نحو نظام اقتصادي أكثر تعددية لا يحتكر فيه الدولار ولا الولايات المتحدة مركز القيادة وحدهما.
اقرأ أيضًا: مستقبل الدولار بين التسليح الاقتصادي وتحديات المنافسة
