التكنولوجيا

    الاحتيال بالذكاء الاصطناعي.. اقتصاد يتجاوز تجارة الكوكايين

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    الاحتيال بالذكاء الاصطناعي

    يقف الاحتيال بالذكاء الاصطناعي وراء تحول سريع في اقتصاد الجريمة الرقمية، فالمحتال لم يعد يحتاج إلى فريق تقني كبير كي يبني واجهة مصرفية مزيفة أو يقلد صوتاً أو ينتج محتوى مقنعاً لاستدراج الضحية.

    وقدّر التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال (GASA) خسائر ضحايا الاحتيال بنحو 442 مليار دولار خلال فترة قياس امتدت 12 شهراً وشملت 42 سوقاً، استناداً إلى استطلاع ضم 46 ألف بالغ، ويفوق الرقم بعض التقديرات المنشورة لقيمة تجارة الكوكايين العالمية.

    ويقيس تقدير الـ442 مليار دولار خسائر منظومة الاحتيال الأوسع، ولا يمثل إيرادات مؤكدة للعصابات أو حجم العمليات التي استخدمت الذكاء الاصطناعي وحده، ويظهر دور الذكاء الاصطناعي في تغيير اقتصاديات الجريمة عبر خفض كلفة الخداع، وتسريع إنتاج المحتوى، وتوسيع قدرة الشبكات على استهداف ضحايا بلغات وأسواق متعددة.

    كيف يخفض الاحتيال بالذكاء الاصطناعي كلفة الجريمة؟

    أصبح بناء رسالة احتيالية أو صفحة تسجيل دخول مزيفة أو تسجيل صوتي منتحل أكثر سهولة من السابق، وتتيح أدوات الكتابة والتصميم وتوليد الأكواد إنتاج محتوى أكثر تخصصاً، بما يرفع فرص إقناع الضحية بأن الرسالة جاءت من مصرف أو شركة أو شخص يعرفه.

    وفي تحليل أعدته شركة "ZeroFox" رُصدت 10,600 صفحة تصيد ضمن مستويات الخدمة المجانية لتسع منصات مختارة لتطوير التطبيقات وأدوات بنائها بالذكاء الاصطناعي، وأصبح العدد أكثر من أربعة أمثال مستواه قبل عامين.

    ولا يمثل الرقم إجمالي صفحات التصيد عالمياً، لكنه يكشف سرعة انتقال الاستخدام الإجرامي إلى منصات صُممت أصلاً لتسهيل تطوير البرمجيات، فالأداة التي تساعد شركة صغيرة على بناء موقع أو تطبيق بسرعة قد تختصر أيضاً الوقت اللازم لإطلاق واجهة احتيالية مؤقتة.

    ويمتد أثر الاحتيال بالذكاء الاصطناعي إلى التزييف العميق، وتقليد الأصوات، وصياغة رسائل احتيال خالية من الأخطاء اللغوية، والبحث عن الضحايا المحتملين عبر بيانات مسروقة أو منشورات عامة، وتتحول الثقة الرقمية إلى نقطة ضعف عندما يبدو الصوت مألوفاً، والموقع احترافياً، والمحادثة مصممة حول تفاصيل شخصية.

    الاحتيال بالذكاء الاصطناعي

    من عملية منفردة إلى سلسلة خدمات إجرامية

    لا تقوم صناعة الاحتيال بالذكاء الاصطناعي على المحتال الذي يتواصل مع الضحية فقط، فخلف الرسالة أو المكالمة توجد سلسلة واسعة تشمل جمع البيانات، وشراء حسابات رقمية، وبناء المواقع، وتلقي الأموال، وغسيل العائدات، ثم نقلها عبر محافظ وأصول رقمية.

    وتوضح قضية منصة "Xinbi Guarantee" شكل هذه البنية، فقد قالت وزارة الخزانة الأميركية إن المنصة صينية اللغة عالجت ما يعادل أكثر من 24 مليار دولار من الأصول الرقمية والعملات الورقية منذ تأسيسها قرب عام 2022، ويمثل الرقم حجم معاملات عبر السوق والمنصات، وليس قيمة أموال تم غسيلها أو خسائر ضحايا.

    عملت "Xinbi Guarantee" كسوق يربط مشغلي مراكز الاحتيال ببائعين يقدمون خدمات مالية وتقنية، واستخدمت نظام ضمان للاحتفاظ بالأموال إلى حين إتمام الصفقات بين المشترين والبائعين، ووصفتها السلطات الأميركية بأنها عقدة تربط شبكات الاحتيال وغسل الأموال والخدمات الرقمية.

    وفي سبتمبر، صادرت وزارة العدل الأميركية قنوات مرتبطة بالمنصة ومحفظتين تستخدمان في تحصيل المدفوعات، بقيمة تقارب 12 مليون دولار، فيما قيدت أصولاً مرتبطة بالشبكة وبائعيها تجاوزت 52 مليون دولار.

    ويعمل الذكاء الاصطناعي في مقدمة العملية عبر تحسين الخداع، بينما توفر أسواق مثل "Xinbi Guarantee" خدمات التشغيل والتسوية ونقل الأموال، واجتماع المستويين يحول الاحتيال إلى نشاط يمكن تقسيمه وشراؤه وإعادة بنائه بسرعة.

    اقرأ أيضاً: هل يتمرد الذكاء الاصطناعي على البشر؟

    مراكز الاحتيال تنتقل من المجمعات إلى الشقق

    تكشف المداهمة التي جرت في نيروبي في يوليو هذا التحول، فقد احتجزت الشرطة الكينية 18 مواطناً صينياً في شقق بالطابق الثامن عشر من مبنى في حي كيلماني، وضبطت أجهزة وهواتف وجوازات سفر.

    وتتحرك شبكات الاحتيال بعيداً عن المجمعات الكبيرة التي اشتهرت بها مناطق في ميانمار وكمبوديا، إلى وحدات أصغر داخل شقق وفنادق ومكاتب مؤقتة، ويصعب هذا الانتشار مهمة السلطات، لأن الحسابات والمواقع والمحافظ الرقمية يمكن استبدالها أسرع من استبدال البنية المادية.

    وقالت الإنتربول إن ضحايا الاتجار المرتبطين بمراكز الاحتيال ينحدرون من نحو 80 دولة، مع توسع هذه العمليات خارج جنوب شرق آسيا إلى مناطق أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط وأميركا الوسطى.

    فاتورة متصاعدة للبنوك والمنصات

    تتحمل البنوك وشركات الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي عبء اكتشاف العمليات قبل وصول الأموال إلى المحتالين، وتزداد الصعوبة في حالات يدفع فيها الضحية بنفسه المال بعد تعرضه لخداع عاطفي أو استثماري أو لانتحال صفة جهة رسمية.

    وأعلنت "ميتا" أنها شاركت مع جهات إنفاذ القانون وشركات تقنية في تعطيل أكثر من 1.4 مليون حساب وصفحة ومجموعة مرتبطة بشبكات احتيال في جنوب شرق آسيا، إلى جانب تعطيل آلاف الأجهزة والبنية الرقمية المستخدمة في العمليات.

    وفي الولايات المتحدة، سجل مركز شكاوى جرائم الإنترنت التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي أكثر من مليون بلاغ في 2025، بخسائر معلنة بلغت 20.9 مليار دولار، وهذا الرقم يغطي طيفاً واسعاً من الجرائم الرقمية، ويظهر حجم الفاتورة التي تدفعها الأسر والشركات للاقتصاد الإجرامي عبر الإنترنت.

    ونتيجة لذلك، لم يعد الرهان على إغلاق مركز احتيال واحد أو حذف آلاف الحسابات فقط، فكلما خفض الذكاء الاصطناعي كلفة إنشاء الخداع، احتاجت البنوك والمنصات والسلطات إلى سرعة أكبر في تبادل البيانات وتجميد الأموال والتحقق من الهوية.

    وفي سباق السرعة هذا، تستطيع شبكات الاحتيال إعادة بناء واجهاتها الرقمية خلال ساعات، بينما تحتاج الاستجابة العابرة للحدود إلى وقت وتنسيق وقدرة قانونية مشتركة.

    اقرأ أيضاً: خطر مليار وفاة.. بيل غيتس يطالب بتنظيم الذكاء الاصطناعي