الأسواق العالمية

    الاتفاق الأمريكي الإيراني.. إعادة تشكيل أسواق الطاقة والأسهم والذهب

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    الاتفاق الأمريكي الإيراني.. إعادة تشكيل أسواق الطاقة والأسهم والذهب

    بعد أشهر من التوترات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها على أسعار النفط وحركة الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية، يراهن المستثمرون على أن يفتح الاتفاق الأمريكي الإيراني الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي وانخفاض المخاطر، بما ينعكس على معدلات التضخم وأسعار الفائدة وحركة الاستثمار العالمية.

    وفي هذا السياق، أكد أحمد عبد الفتاح الخبير الاقتصادي أن الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد يمثل تحولًا جوهريًا في المشهد الاقتصادي العالمي، خاصة بعد الفترة التي شهدت اضطرابًا واسعًا في تجارة الطاقة العالمية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم.

    رد فعل الأسواق العالمية

    أوضح عبد الفتاح أن رد فعل الأسواق العالمية جاء مرحبًا بصورة واضحة بالاتفاق، حيث تراجعت أسعار النفط بقوة، وحققت الأسواق المالية العالمية مكاسب ملحوظة، بالتزامن مع انحسار المخاطر الجيوسياسية التي كانت تضغط على حركة التجارة والاستثمار خلال الفترة الماضية.

    وأضاف أن أسواق الطاقة العالمية ستكون من أكثر القطاعات تأثرًا بالاتفاق، مشيرًا إلى أن خام برنت هبط فور الإعلان عن الاتفاق إلى ما دون مستوى 90 دولارًا للبرميل، وهو ما فعّل الاتجاه السلبي للأسعار، حيث سجل النفط تراجعًا بنحو 5% خلال جلسة أمس. وأشار إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز وعودة حركة الملاحة والتجارة النفطية بصورة طبيعية ستسهم في استعادة تدفقات النفط العالمية إلى مستوياتها المعتادة، وهو ما سيدعم زيادة المعروض العالمي ويدفع الأسعار إلى مزيد من الانخفاض خلال الفترة المقبلة.

    وأشار إلى أن عودة إيران بصورة كاملة إلى الاقتصاد العالمي ستعزز من حجم الإمدادات المتاحة في أسواق الطاقة، كما ستؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت مضافة إلى أسعار النفط خلال فترات التوتر، وهو ما يدعم استمرار الضغوط الهبوطية على الأسعار.

    وفيما يتعلق بقطاع التأمين البحري، أوضح عبد الفتاح أن التعامل في المرحلة الأولى سيظل يتسم بدرجة مرتفعة من الحذر، إلا أن استمرار تنفيذ الاتفاق وتثبيت الاستقرار في المنطقة سيدفع شركات التأمين إلى خفض أقساط التأمين المرتبطة بمخاطر الحرب تدريجيًا، حتى تعود إلى مستوياتها الطبيعية مع التأكد من إزالة كافة المعوقات والمخاطر المحتملة. وأضاف أن تكاليف الشحن البحري ستتراجع أيضًا مع مرور الوقت، إلا أن هذا الانخفاض لن يحدث بصورة فورية وإنما بشكل تدريجي مع استقرار الأوضاع.

    تحركات الذهب

    أكد عبد الفتاح أن النظرة العامة لا تزال سلبية، مرجحًا زيادة الضغوط على المعدن النفيس خلال الفترة المقبلة مع تراجع المخاوف العالمية وعودة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط. وأضاف أن الذهب يستهدف منطقة 3600 دولار للأوقية كهدف رئيس ضمن عملية التصحيح الحالية، مع توقع استمرار التحركات العرضية والمناورات السعرية بين مستويات 4100 و4400 دولار، والتي قد تمثل فرصًا للمتاجرات السريعة والعمليات البيعية قصيرة الأجل.

    وأوضح أن الجانب النفسي يلعب دورًا مهمًا في هذه المرحلة، حيث من المتوقع أن يتجه جزء كبير من المستثمرين إلى التخلي تدريجيًا عن الذهب كملاذ آمن، والعودة إلى الأسهم والأصول الأعلى مخاطرة مع انحسار حالة القلق وعدم اليقين التي سيطرت على الأسواق خلال الفترات السابقة.

    انتعاش أسواق الأسهم

    أكد عبد الفتاح أن أسواق المال العالمية ستكون الوجهة الأكثر جذبًا للسيولة الخارجة من أسواق السلع، في ظل انخفاض التوترات الجيوسياسية وتراجع المخاوف العالمية، وهو ما ظهر بوضوح فور الإعلان عن الاتفاق من خلال الارتفاعات القوية التي سجلتها معظم البورصات العالمية كرد فعل مباشر على الخبر.

    وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تدفقات أكبر من السيولة نحو أسواق الأسهم العالمية، خاصة مع توقعات تحسن معدلات النمو الاقتصادي العالمي نتيجة استقرار أسواق الطاقة وتراجع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما سينعكس إيجابًا على نتائج أعمال الشركات ويعزز من أداء الأسهم عالميًا، بالتزامن مع تحسن شهية المخاطرة لدى المستثمرين والأفراد حول العالم.

    توقعات بتخفيض ضغوط التضخم وتعافي الأسواق العالمية

    اتفق  الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي مع رأي عبد الفتاح، قائلاً : “ إن العالم ظل على مدار الأشهر الماضية يترقب مآلات واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط والعالم خلال العقود الأخيرة، في ظل التداعيات الواسعة للمواجهة الأمريكية الإيرانية على أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتصاعد المخاوف بشأن إغلاق الممرات الملاحية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية”، وأوضح أن المؤشرات الأخيرة بشأن اقتراب التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني جديد أعادت رسم المشهد الاقتصادي العالمي بصورة سريعة، وأطلقت موجة من التفاؤل الحذر في الأسواق الدولية.

    وأضاف العسيلي أن الأسواق العالمية استجابت بشكل سريع وواضح فور تسرب الأنباء المتعلقة بالتفاهمات الجديدة، حيث تراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في نحو ثلاثة أشهر، مدفوعة بتوقعات المستثمرين بعودة تدفقات النفط الإيراني بصورة أكثر انتظامًا وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية.

    وأشار إلى أن خام برنت هبط إلى نحو 83 دولارًا للبرميل بعد أن اقترب من 96 دولارًا خلال ذروة التوترات، بما يمثل انخفاضًا يقارب 13 دولارًا للبرميل أو نحو 14% من قيمته.

    وأكد أن هذا التراجع لا يعكس مجرد حركة سعرية مؤقتة، بل يحمل تأثيرات اقتصادية واسعة، نظرًا لأن أسعار الطاقة تعد من أبرز العوامل المؤثرة في معدلات التضخم العالمية، وأن أي انخفاض مستدام فيها من شأنه تخفيف الضغوط على البنوك المركزية ومنح الاقتصادات الكبرى فرصة للتعافي بعد سنوات من التشديد النقدي وارتفاع أسعار الفائدة، ولهذا السبب رحبت العديد من المؤسسات المالية الدولية والبنوك المركزية الأوروبية بالتطورات الأخيرة باعتبارها خطوة داعمة لاحتواء الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.

    عودة الثقة إلى الأسواق وانخفاض مؤشر الخوف

    أوضح الخبير الاقتصادي أن قطاع النقل البحري والتأمين يأتي في مقدمة القطاعات المستفيدة من الاتفاق المرتقب، مشيرًا إلى أن الأزمة دفعت خلال الفترة الماضية إلى ارتفاع غير مسبوق في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة للخليج العربي والبحر الأحمر، الأمر الذي أجبر العديد من شركات الملاحة على تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، بما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف النقل والشحن.

    وأضاف أن تراجع احتمالات المواجهة العسكرية وعودة الثقة تدريجيًا إلى الممرات الملاحية من المتوقع أن يساهما في خفض تكاليف التأمين البحري وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما سينعكس إيجابًا على حركة التجارة الدولية وأسعار السلع عالميًا.

    وأشار العسيلي إلى أن موجة التفاؤل امتدت أيضًا إلى أسواق المال العالمية، حيث سجلت مؤشرات الأسهم الأمريكية والأوروبية والآسيوية ارتفاعات ملحوظة مدعومة بانخفاض أسعار النفط وتراجع المخاطر الجيوسياسية.

     كما انخفض مؤشر الخوف في الأسواق المالية، وحققت أسهم شركات الطيران والنقل والخدمات اللوجستية مكاسب واضحة، باعتبارها من أكثر القطاعات استفادة من انخفاض أسعار الوقود وتحسن حركة التجارة العالمية.

    وفيما يتعلق بأسواق الذهب، قال العسيلي إن المعدن الأصفر قدم هذه المرة سلوكًا مختلفًا عن النمط المعتاد، فبالرغم من أن هدوء التوترات الجيوسياسية يفترض نظريًا أن يقلل الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، إلا أن الأسعار واصلت الصعود مستفيدة من تراجع الدولار الأمريكي وانخفاض توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية.

     وأوضح أن الذهب اقترب من مستوى 4334 دولارًا للأوقية، مرتفعًا بنحو 2.7% خلال إحدى جلسات التداول الأخيرة، وهو ما يعكس أن العوامل النقدية أصبحت في الوقت الراهن أكثر تأثيرًا على حركة الذهب من العوامل الجيوسياسية وحدها.

    كيف يستفيد الاقتصاد المصري من الاتفاق الأمريكي الإيراني؟

    أكد الدكتور حسين العسيلي أن الاقتصاد المصري قد يكون من أبرز المستفيدين من الاتفاق الأمريكي الإيراني إذا تحولت التهدئة الحالية إلى واقع دائم ومستقر؛ فمصر باعتبارها من أكبر الدول المستوردة للطاقة والمواد البترولية ستستفيد من انخفاض أسعار النفط العالمية بما يخفف الضغوط الواقعة على الموازنة العامة للدولة، ويحد من تكلفة الاستيراد، ويمنح الحكومة مساحة أكبر لإدارة الإنفاق العام بكفاءة أعلى.

    كما أن تراجع أسعار الطاقة العالمية سيسهم بصورة غير مباشرة في خفض تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما يساعد على احتواء معدلات التضخم المحلية، خاصة إذا تزامن ذلك مع استقرار سعر الصرف وتحسن تدفقات النقد الأجنبي.

    وأضاف أن أي تحسن في الأوضاع الأمنية بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب يحمل أهمية استثنائية للاقتصاد المصري، حيث إن عودة شركات الشحن العالمية لاستخدام المسارات الطبيعية عبر البحر الأحمر وقناة السويس يمكن أن تسهم في استعادة جزء مهم من الإيرادات التي تأثرت خلال فترة التوترات الإقليمية. 

    كما أن انخفاض تكاليف التأمين البحري سيشجع المزيد من السفن على العودة إلى هذا المسار الحيوي، بما يدعم موارد الدولة من العملات الأجنبية.

    وأشار العسيلي إلى أن قطاع الاستثمار يمثل أحد أهم الملفات التي قد تستفيد من الاتفاق الأمريكي الإيراني، موضحًا أن تراجع المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط يرفع من جاذبية الأسواق الناشئة بوجه عام، ويصحح النظرة السلبية التي كانت تتوقع انتقال مصر من سوق ناشئة إلى سوق مبتدئة.

    وأكد أن مصر ستظهر أمام المستثمرين الدوليين الباحثين عن فرص استثمارية مرتفعة العائد باعتبارها سوقًا تسير في الاتجاه الصحيح، كما أن انخفاض علاوة المخاطر الإقليمية سيسهم في خفض تكلفة التمويل وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية.

    لماذا يجب التعامل مع التهدئة السياسية بحذر؟

    شدد الخبير الاقتصادي على أن هذا التفاؤل بشأن الاتفاق الأمريكي الإيراني يجب أن يظل مصحوبًا بقدر من الحذر، لافتًا إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات السياسية، خاصة المرتبطة بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا تتحول دائمًا إلى استقرار مستدام، كما أن عودة النفط الإيراني إلى الأسواق بكامل طاقته ورفع العقوبات بصورة شاملة لا تزال مرتبطة بتفاصيل تفاوضية وفنية معقدة قد تستغرق شهورًا قبل دخولها حيز التنفيذ وظهور آثارها الكاملة على الاقتصاد العالمي.

    واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أنه إذا نجح الاتفاق الأمريكي الإيراني في الصمود والتحول إلى تسوية طويلة الأجل، فإن العالم قد يشهد مرحلة جديدة من انخفاض أسعار الطاقة وتراجع تكاليف النقل والتأمين وتحسن مناخ الاستثمار العالمي. 

     وأضاف أن مصر قد تكون من أبرز المستفيدين من الاتفاق الأمريكي الإيراني عبر أربع قنوات رئيسة تتمثل في انخفاض فاتورة الطاقة، وتحسن إيرادات قناة السويس، وتراجع الضغوط التضخمية، وزيادة جاذبية الاستثمار الأجنبي، مؤكداً أن الاتفاق في هذه الحالة لن يكون مجرد حدث سياسي عابر، بل أحد أهم المتغيرات الاقتصادية المؤثرة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.