بعد أكثر من عقد على الصراع الدموي في دمشق، وما تبعه من انهيار الاقتصاد والعزلة السياسية، تتجه الأنظار إلى التحرُّكات الدولية لإعادة رسم المشهد السوري في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وبينما تسعى الدول الكبرى إلى تحديد موقفها من مستقبل سوريا، يبرز الاتحاد الأوروبي كلاعب رئيسي في هذه المعادلة، إذ يدرس وزراء خارجيته إمكانية تخفيف العقوبات المفروضة على البلاد منذ عام 2011.
ويناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، ويأتي هذا التحرك في إطار مساعي الدول الأوروبية للمساهمة في إعادة إعمار البلاد التي مزقتها الحرب، وبناء علاقات جديدة مع القيادة التي ستتولى السلطة بعد أكثر من خمسين عامًا من حكم عائلة الأسد.
كيف أثرت العقوبات الأوروبية على الاقتصاد السوري؟
خلال السنوات الماضية، فرض الاتحاد الأوروبي، المكوّن من 27 دولة، عقوبات صارمة على سوريا، شملت الحكومة وقطاعات اقتصادية حيوية، ومنذ ذلك الوقت تمَّ توسيع نطاق هذه العقوبات وتمديدها بشكل متكرر، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل غير مسبوق.
العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا شملت عدة مجالات، حيث تمَّ فرض حظر على تصدير الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام العسكري إلى سوريا، ومنع استيراد النفط والمنتجات النفطية السورية، بالإضافة إلى فرض قيود صارمة على الاستثمارات الأوروبية في قطاع النفط السوري.
وفي الجانب المالي، شملت العقوبات تجميد أصول البنك المركزي السوري في دول الاتحاد الأوروبي، ومنع المؤسسات المالية السورية من فتح فروع أو شركات تابعة لها داخل أوروبا، كما تمَّ فرض قيود على تصدير المعدات والتكنولوجيا التي قد يتم استخدامها في قمع المدنيين أو مراقبة الاتصالات، وهو ما زاد من عزلة النظام السوري على المستوى الدولي.
علاوةً على ذلك، استهدفت العقوبات مئات الشخصيات والكيانات المرتبطة بالنظام السوري، حيث تمَّ تجميد أصولهم المالية وحظر سفرهم إلى دول الاتحاد الأوروبي، مما أدى إلى تراجُع كبير في الاقتصاد السوري ودخول البلاد في أزمة خانقة.
اطّلع على أسباب الصراع الإقليمي والدولي على سوريا؟
لماذا توقفت المساعدات الأوروبية لسوريا منذ 2011؟
قبل الحرب، كان الاتحاد الأوروبي يُقَدِّم لسوريا مساعدات مالية وتنموية بنحو 220 مليون دولار سنويًا، إلّا أنَّ هذه المساعدات توقَّفت بالكامل بعد فرض العقوبات، مما أثَّر بشدة على الوضع المعيشي للسوريين، حيث يعاني 90% من السكان من الفقر، في حين فقدت البلاد جزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية بسبب العمليات العسكرية والقصف المستمر.
وفي ظل هذه الظروف، تتجه أوروبا إلى إعادة النظر في سياستها تجاه سوريا، حيث تُخطط بعض الدول إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع الحكومة الجديدة والمشاركة في جهود إعادة البناء، إلا أنَّ أيَّ تخفيف للعقوبات سيكون مشروطًا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية تضمن عدم تكرار الانتهاكات التي ارتُكبت خلال السنوات الماضية.
التحديات التي تواجه تعافي الاقتصاد السوري بعد الحرب
حذّر تقرير حديث صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أنَّ الاقتصاد السوري، الذي دمرته الحرب المستمرة منذ 14 عامًا، لن يعود إلى مستوياته قبل الصراع حتى عام 2080، في حال استمرَّت معدلات النمو الحالية.
ووفقًا للتقرير، فإنَّ الحرب وما تبعها من عقوبات ودمار في البنية التحتية أدَّت إلى انكماش الاقتصاد السوري ليُصبح أقل من نصف حجمه في عام 2011، كما أنّ 90% من الأسر السورية تعيش تحت خط الفقر، بينما يعاني ربع السكان من البطالة، مما يفاقم الأزمة المعيشية للسوريين.
كما كشف التقرير أنّ معدل النمو الاقتصادي السنوي في سوريا بلغ 1.3% فقط خلال السنوات السبع الماضية، وهو معدل بطيء جدًا مقارنة بحجم الأزمة. ولتحقيق تعافٍ سريع، تحتاج سوريا إلى مضاعفة معدل النمو عشرة أضعاف على مدى 15 عامًا، وهو تحدٍ صعب في ظل الظروف الحالية.
أما الهدف الأكثر واقعية وفقًا للأمم المتحدة، فهو تحقيق نمو سنوي بنسبة 5% لمدة 15 عامًا، وهو ما يمكن أن يعيد الاقتصاد إلى مستوياته قبل الحرب بحلول منتصف القرن الحالي.
ورغم التحديات الهائلة، يُشير التقرير إلى أنَّ التحوُّل الاقتصادي في سوريا ممكن إذا تم تنفيذ إصلاحات جذرية واستثمارات واسعة النطاق، لكن يبقى أيّ تحسُّن اقتصادي مرهونًا بإنهاء الصراع وتحقيق بيئة مستقرة تسمح بعودة النشاط الاقتصادي والتنمية المستدامة.
اقرأ أيضًا: انتعاش الأسواق وعودة السلع الغربية بعد سقوط الأسد
خسائر الحرب بالأرقام
سلّط التقرير الضوء على الخسائر الهائلة التي تكبّدها الاقتصاد السوري، والتي تُقدّر بنحو 800 مليار دولار خلال 14 عامًا، مما أدى إلى تدهور مؤشرات التنمية بشكل حاد، وقد تضمّن:
- ارتفاع معدل الفقر من 33% قبل الحرب إلى 90% حاليًا، بينما ارتفع معدّل الفقر المدقع من 11% إلى 66%.
- انهيار قطاع التعليم، حيث إنّ (40-50)% من الأطفال في سنّ (6-15) عامًا خارج المدارس.
- تدمير البنية التحتية، إذ تعرض ثلث الوحدات السكنية للدمار، تاركًا 5.7 مليون شخص بلا مأوى.
- تضرُّر أكثر من 50% من محطات المياه والصرف الصحي، مما جعل 14 مليون شخص (نصف السكان) محرومين من المياه النظيفة والصرف الصحي.
- انخفاض إنتاج الطاقة بنسبة 80%، حيث تضررت 70% من محطات الكهرباء وخطوط النقل، مما تسبب في تقليص قدرة الشبكة الوطنية بنسبة أكثر من 75%.
تراجع مؤشر التنمية البشرية
أوضح التقرير أنَّ مؤشر التنمية البشرية في سوريا تراجع من 0.661 في عام 2010 إلى 0.557 حاليًا، وهو أقلّ من أول مؤشر تنمية سجَّلته سوريا في عام 1990.
كما أكَّد أنَّ المساعدات الإنسانية وحدها لن تكون كافية، إذ إنّ سوريا تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وشدَّد التقرير أيضًا على أهمية إعادة تنشيط القطاعات الأساسية مثل الزراعة، والصحة، والتعليم، والطاقة، والبنية التحتية، لضمان الاستقلال الاقتصادي وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.
إعادة الإعمار: استثمارات ضخمة وعقبات سياسية
من جانبه، أكَّد الدكتور ناصر حسن، الخبير الاقتصادي، أنَّ عملية إعادة الإعمار في سوريا تُمَثِّل تحديًا اقتصاديًا هائلًا، حيث تتطلب استثمارات ضخمة تُقَدَّر بمئات المليارات من الدولارات، في ظل أوضاع اقتصادية معقّدة وعقوبات دولية تَحُد من تدفق التمويلات والاستثمارات.
وأوضح حسن في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أنَّ البنية التحتية في سوريا تعرَّضت لدمار واسع، ما يستدعي إعادة تأهيل شبكات الطرق والمواصلات والكهرباء والمياه، فضلًا عن إعادة بناء المنشآت السكنية والخدمية، مما يجعل عملية إعادة الإعمار واحدة من أكبر المشاريع التنموية في العصر الحديث.
كما أشار إلى أنَّ القطاع السكني يحتاج إلى استثمارات ضخمة، نظرًا لتضرُّر ملايين الوحدات السكنية، الأمر الذي يتطلب توفير حلول تمويلية مبتكرة لتسهيل عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم.
وأضاف حسن أنَّ أحد أبرز التحديات التي تواجه عملية إعادة الإعمار يتمثل في العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، والتي تُعَرقِل إمكانية استيراد المواد الأساسية اللازمة للبناء، فضلًا عن تقييد حركة رؤوس الأموال الأجنبية، مُشيرًا إلى أنَّ غياب التمويل الدولي، بسبب الشروط السياسية التي تفرضها بعض الدول، يزيد من تعقيد المشهد، مما يستوجب البحث عن بدائل تمويلية من خلال تعزيز التعاون مع الدول الحليفة وتشجيع الاستثمارات المحلية.
اقرأ أيضًا: سوريا.. من دمار الحرب إلى آمال الإنعاش الاقتصادي
استقرار الاقتصاد السوري
شدَّد حسن على أنَّ استعادة الاستقرار الاقتصادي في سوريا يتطلب تحفيز الإنتاج المحلي، لا سيَّما في القطاعات الصناعية والزراعية، لتقليل الاعتماد على الواردات، وتحقيق نمو مستدام يُسهم في تمويل مشاريع إعادة الإعمار. كما أشار إلى أنَّ استمرار عدم الاستقرار السياسي والأمني يظل أحد العوامل المؤثرة في جذب الاستثمارات، حيث تحتاج الشركات الكبرى إلى بيئة مستقرة قبل الدخول في مشاريع طويلة الأجل.
وفيما يتعلق بالكفاءات ورأس المال البشري، أوضح حسن أنَّ سوريا شهدت موجة هجرة كبيرة للخبرات ورجال الأعمال، مما أدى إلى نقص واضح في الكوادر القادرة على تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار بكفاءة. وأكّد أنَّ هُناك ضرورة لوضع سياسات تحفيزية لجذب الكفاءات الوطنية من الخارج، إضافة إلى توفير بيئة استثمارية مشجِّعة لرجال الأعمال السوريين لاستعادة دورهم في الاقتصاد الوطني.
واختتم حسن تصريحاته بالتأكيد على أنَّ نجاح إعادة الإعمار يعتمد على إيجاد حلول عملية لمصادر التمويل، مع ضرورة العمل على تخفيف العقوبات، وإيجاد شركاء دوليين قادرين على دعم التنمية في سوريا، مُشيرًا إلى أنَّ تحقيق الاستقرار الاقتصادي يُعَدُّ خطوة أساسية نحو إعادة بناء البلاد وخلق بيئة جاذبة للاستثمار والنمو المستدام.
موضوعات هامة: مستقبل سوريا المجهول.. من يدير الاقتصاد ويدفع رواتب السوريين؟
