كشفت دراسة حديثة صادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي (ECFR) عن تحول جذري في خارطة النفوذ الجيوسياسي داخل القارة السمراء؛ حيث تمكنت دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ عام 2020 وصولاً إلى عام 2026، من توسيع مشاركتها الاستراتيجية في إفريقيا بشكل غير مسبوق، لتتحول إلى "قوة متوسطة" فائقة التأثير وقادرة على منافسة الاستراتيجيات الأوروبية التقليدية، لا سيما في قطاعات الطاقة والمعادن الحيوية.
ويأتي هذا الصعود الخليجي مستفيداً من حالة التجزئة التي يشهدها النظام العالمي الحالي، وتنامي استياء الدول الإفريقية من مشروطية السياسات الغربية، مما فتح الباب أمام نماذج شراكة مرنة تقوم على المصالح الاقتصادية المباشرة.
أبعاد التنافس في القارة السمراء
يبرز التقرير ركائز القوة التي يمتلكها كل طرف في سباق الاستحواذ على أسواق إفريقيا وطرق تجاراتها؛ فمن حيث الركيزة المالية والاستثمارية، تعتمد الإمارات على محفظة استثمارية ضخمة (جيوب عميقة) موجهة بشكل أساسي لتنويع الإيرادات بعيداً عن النفط، في حين يظل الاتحاد الأوروبي أكبر حامل تاريخي للاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) في القارة.
وفيما يتعلق بنهج الانتقال الطاقي، تدعم السياسة الإماراتية الانتقال التدريجي والواقعي للطاقة، موازنةً بين الأجندة الخضراء والاحتياجات التنموية الملحة للدول الإفريقية، على عكس الاتحاد الأوروبي الذي يتبنى سياسات خضراء صارمة تهدف للوصول إلى "صفر انبعاثات" بشكل متسارع.
هذا التباين يمتد إلى القطاعات المستهدفة؛ إذ تركز الاستثمارات الإماراتية على النفط والغاز، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية والموانئ، والمعادن الحيوية، بينما تتركز القوة الأوروبية في قطاعات الطاقة التقليدية عبر شركاتها المهيمنة، مدعومة برأس مال تكنولوجي وبشري هائل.
أما عن أوراق الضغط الجيوسياسي، فتتفوق الإمارات في تقديم نموذج اقتصادي مرن وغير مشروط بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول، بينما يستند الاتحاد الأوروبي إلى عمق علاقاته التاريخية، وشبكات المعرفة، والروابط الدبلوماسية الممتدة، إلى جانب عقود المساعدات التنموية.
اقرأ أيضًا: فرنسا تراهن على الاقتصاد لاستعادة إفريقيا.. 23 مليار يورو
كيف يرى الخبراء ريادة الإمارات البحرية والنفطية في إفريقيا؟
تؤكد الأرقام والتحليلات أن القيمة المضافة للاستثمارات الإماراتية تنبع من قدرتها على سد فجوة الطاقة في القارة الأكثر فقراً تشغيلياً والأغنى بالموارد.
وفي تصريح خاص، يوضح خبير النفط والطاقة العالمي، الدكتور ممدوح سلامة، طبيعة هذا الحراك قائلًا: "تسعى دولة الإمارات من خلال استثماراتها العالمية المتنوعة إلى تقوية اقتصادها وتخفيف اعتماده على النفط. ومن هنا تكتسب استثماراتها في إفريقيا أهمية بالغة؛ إذ تساعد القارة التي تعوم على احتياطيات ضخمة من النفط والغاز في تطوير مواردها، لا سيما وأن الشعوب الإفريقية لم تكن تستفيد تاريخياً من هذه الثروات، مما عاق نموها الاقتصادي".
وفي سياق متصل، أشارت لوري هايتيان، مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى أن "الإمارات تمتلك مؤسسات وشركات قوية تمكنها من صياغة علاقات خارجية تخدم أهدافها السياسية والاقتصادية. والفرص المالية تأتي أولاً على أمل بناء شراكات مربحة للطرفين (Win-Win) في مجالات الطاقة النظيفة والمعادن الحساسة التي باتت محل صراع دولي شرس يمتد من إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية بين واشنطن وبكين وبروكسل".
الصدام مع "السياسات الخضراء" الغربية
يمثل النهج الإماراتي تحدياً مباشراً للمصالح الغربية والأمريكية؛ حيث يرى صناع السياسة في بروكسل أن تفضيل أبوظبي للانتقال الطاقي التدريجي يمنحها أفضلية تنافسية لدى القادة الأفارقة.
وينتقد الدكتور ممدوح سلامة السياسات الغربية تجاه القارة قائلاً: "الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يحاولون منع الدول الإفريقية من تطوير احتياطياتها من النفط والغاز بحجة أن هذه الاستثمارات ستفقد جدواها بحلول عام 2030 بادعاء أن الطاقة المتجددة ستكتسح الأسواق، وهذا أبعد ما يكون عن الواقع الحقيقي للاقتصاد العالمي؛ فالغرب يطالب إفريقيا بترك ثرواتها تحت الأرض لخفض الانبعاثات، رغم أن مساهمة القارة بأكملها في الانبعاثات السامية العالمية لا تزيد عن 2.9%".
اقرأ أيضًا: إفريقيا أول ضحايا التغير المناخي
استراتيجية "التعاون التنافسي"
حذر مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي من أن استمرار تجاهل الوجود الإماراتي وشبكاته اللوجستية المتوسعة سيفقد أوروبا سريعاً القدرة على الوصول إلى الأسواق والسيطرة على طرق التجارة في الجنوب العالمي.
ولمواجهة هذا التحدي، يقترح المجلس على الاتحاد الأوروبي مغادرة منطق "المنافسة الصفرية" وتبني استراتيجية "التعاون التنافسي":
المنافسة في المزايا النسبية: استغلال كفاءة الشركات الأوروبية، وتفوق رأس المال البشري، والشبكات التاريخية لتقديم مشاريع بنية تحتية عالية الجودة.
التعاون في النقاط المشتركة: التنسيق المشترك مع الإمارات وإفريقيا لتسريع تنفيذ المبادرات الخضراء وكهربة القارة، مما يقلل من تكاليف الاستثمار ويخفف من المخاطر المالية.
وفي هذا الصدد، شددت لوري هايتيان على ضرورة اقتران هذه الشراكات بالشفافية الكاملة، موضحة أنّه "لضمان فعالية هذه المشروعات واستفادة الشعوب الإفريقية منها، يجب أن يكون هناك إفصاح علني وواضح عن تفاصيل العقود والاتفاقيات الموقعة، سواء من قِبل الشركات الخليجية أو الشركات العالمية الحاضرة في المشهد".
تنويع التحالفات وتمكين القارة السمراء
أتاحت الأزمات المتلاحقة -بدءاً من تداعيات جائحة كورونا، والتوترات التجارية والتكنولوجية المتصاعدة بين واشنطن وبكين، وصولاً إلى الأزمة الأوكرانية- فرصة تاريخية للإمارات لتعزيز دورها كلاعب جيواقتصادي مستقل.
وقد نجحت أبوظبي في موازنة علاقاتها بين الشمال العالمي والجنوب العالمي، وتوّجت ذلك بانضمامها الرسمي لمجموعة بريكس في يناير 2024. واستغلت الإمارات بذكاء استياء إفريقيا المتزايد من "الوصاية الغربية" والمعايير المزدوجة، لتقدم نموذجاً بديلاً يركز على التنمية والاستثمار المباشر.
هذا التنوع في الخيارات الدولية منح القارة الإفريقية قدرة أكبر على المناورة السياسية والاقتصادية، وهو ما تُرجم بوضوح في حصول الاتحاد الإفريقي على مقعد دائم في مجموعة العشرين (G20)، ليعاد صياغة مفهوم القوة في النظام العالمي الجديد بناءً على المصالح المشتركة لا الإملاءات المسبقة.
اقرأ أيضًا: كيف تساهم مجموعة بريكس فى تشكيل مستقبل الأسواق العالمية؟
